اسعد عبدالله عبدعلي
لم يكن قرار المسير خطوةً في جغرافيا المكان، بقدر ما كان انزياحاً من زمن الفناء إلى أبدية العشق. وسط الملايين التي تتشابه دقات قلوبهم وتختلف لغاتهم، اتخذ قراره بأن يذوب في هذا الطوفان البشري الهادر، حاملاً رايةً خضراء كطيفِ نخلةٍ يلوح في صحراء الروح، ومحفوراً عليها بمداد الشوق: “لبيك يا حسين”.
كان يجدّ في السير عبر الحقول الممتدة، كمن يفتش عن سر تكوينه الأول. هناك، بين سنابل القمح وتراب الأرض العطش، كان يفتح كتاب السيرة، ليقرأ كيف سار الحسين ذات يوم على نفس الأديم، واطئاً رمال الفناء ليزرع في تربة الوجود شجرة خلود لا تعرف الذبول.
كان العام المنصرم قد أثقله بأخطائه وندوب أيامه، وها هي رحلة التطهير الكبرى تنعقد؛ محطةٌ لإعادة نسج الروح، وبعثِ ما تبقى من إنسانٍ ضائعٍ في زحمة المادة وصخب العالم الأعمى. وهو يردد بقلب خاشع كلمات سيده: “إني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برما”، فكيف لمن عرف طعم الحرية أن يقبل بغير النور طريقاً؟
تأمل في طريقه ذلك المشهد الذي يعجز العقل المادي عن تفكيك رموزه: شيوخٌ أثقلهم الدهر، أطفالٌ تتطاير البراءة من أعينهم، وشبابٌ يعفرون جباههم بخدمة الزائرين بلا منٍّ ولا أجر. كيف يمكن لعالمٍ محكومٍ بقانون العرض والطلب، والربح والخسارة، أن ينتج هذا الفيض الهائل من البذل المجاني؟
جاء الجواب على لسان شيخٍ طاعن في السن، تخطى الثمانين من عمره، وقد حفر الزمن خريطة الحكمة على وجهه، ليقول بيقين العارفين: “إننا نكسب كثيراً.. بل وكثيراً جداً مقابل خدمة الزائرين، فما أثمان الدنيا كلها أمام شفاعة الحسين؟
إنه اقتصاد الغيب، حيث تذكر قول الإمام (ع): “الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درت معائشهم، فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون”. وهنا، في هذه الموكبية الإلهية، يتبين المعدن الأصيل لمن صدق العهد ولم يبع دينه بدنياه.
تحت شمسٍ حارقة تخطت حرارتها خمسين درجة مئوية، حيث يتماهى السراب بالواقع، برزت طفلةٌ صغيرة تهرول نحوه، تمدّ يدها الصغيرة بقدح ماء وتقول بصوت نقيّ بريء: “تفضل.. والعن أعداء الحسين”.
امتدت يده لتمسك بالقدح، فسرى برد الماء في عروقه كأنه نسمةُ جنةٍ هبطت من سدرة المنتهى. وهناك، وسط لهيب الهجير وشدة العطش، انعكس في قلبه مشهد العباس على شاطئ العلقمي، فأدرك فجأةً جلال التضحية، ومعنى أن يؤثر الإنسان غيره على نفسه حتى في لحظات الموت الظمآن، مستحضراً صدى صوت الحسين يوم خاطب الأحرار: “ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين، السلة والذلة، وهيهات منا الذلة”.
لم يعد يشعر بتعب الطريق. كانت الخطوات تتخبط في التلال والجسور والعقبات، لكن الروح كانت تحلق في أفقٍ آخر. أدرك أنه لم يكن سائراً على قدميه، بل كان يرتاد معراجاً روحياً يضاهي هول يوم القيامة وعظمته؛ تلك الحركة البشرية الضخمة التي تشبه زحف الخلائق نحو الجنة، بحثاً عن الخلاص الأبدي في حضرة “المعشوق” الأزلي، متأسياً بنداء الشهيد: “هلموا إليّ، أنا ابن عليّ وفاطمة،…”.
أما العجب العجاب، فهو ما حدث لجسده المنهك؛ فقبل البدء بهذه الرحلة المقدسة، كان ينوء تحت وطأة آلام المفاصل وشكاوى الجسد الواهن. وهأ هو يقطع عشرات الكيلومترات بلا ألمٍ ولا شكوى، وكأن الشوق الجارف قد أحرق أوجاع البدن، وأبقى فقط جذوة العشق المشتعلة في فؤادٍ.. ويستذكر دائماً قول الرسول الخاتم (ص): “ان الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، والموت جسر هؤلاء إلى جنانهم، وجسر هؤلاء إلى جحيمهم.”.