جديد

تحالف التصفية الكبرى لإعادة هندسة الشرق الأوسط على أنقاض المقاومة..!!

غيث العبيدي

غيث العبيدي ـ ممثل مركز تبيين للتخطيط والدراسات الإستراتيجية في البصرة.

▪️تمهيد : من منطق المواجهة إلى منطق المقايضة.

لم تعد بوصلة المنطقة تحددها خرائط الدماء والطوائف، بل تحددها معادلة جديدة باردة وحاسمة وهي معادلة الأمن مقابل التفكيك.
فحين تلتقي هواجس الرياض من صنعاء، ومخاوف دمشق من بغداد، وطموحات أنقرة بتقطيع أوصال الهلال الشيعي، وحاجة تل أبيب إلى تفرد أمني مطلق، فإننا لا نكون أمام صدفة جيوسياسية، بل نحن أمام مشروع سياسي-أمني متكامل، هدفه المعلن الإستقرار وهدفه الخفي تصفية بنية الردع في المنطقة الإقليمية.

لأن الحشد الشعبي في العراق وأنصار الله في اليمن، وحزب الله في لبنان، لم يعودوا مجرد فصائل مقاومة، فلقد تحولوا إلى عقبة بنيوية أمام إعلان الشرق الأوسط الجديد، لذلك وُضعوا على رأس قائمة المطلوبين في تحالف إقليمي-دولي يتشكل بصمت.

أولاً : السعودية وأنصار الله.. أزمة هيبة وأزمة إقتصاد.
لم تكن معركة الرياض مع صنعاء حرب حدود، بل كانت حرب سرديات.

أنصار الله نجحوا في كسر المعادلة السعودية التقليدية، وهدموا صورة الردع السعودي، فدولة محاصرة وفقيرة صمدت في وجه تحالف إقليمي ودولي لسنوات عديدة، وأثبتوا أن التفوق التكنولوجي وحده لا يصنع الأنتصار، وأستطاعوا نقل المعركة إلى العمق السعودي، فأصبحت المنشآت الحيوية ومطارات العاصمة وموانئها تحت التهديد اليمني المباشر، مما أربك معادلة الاستثمار والسياحة التي بني عليها مشروع رؤية بن سلمان الثلاثينية.

والأخطر من ذلك كله التموضع اليمني على باب المندب، فمن يمسك بزمام بهذا المضيق يمسك بخناق التجارة العالمية، وبأمن إسرائيل البحري.

وهنا تكمن العقدة، فلا تطبيع آمن ولا أستثمارات خليجية ضخمة، ما دام هذا الخطر قائماً، لذلك صار إنهاء الملف اليمني شرطاً مسبقاً وغير معلن لأي تقارب سعودي-إسرائيلي.
ثانياً : سوريا الجديدة والحشد الشعبي.. فوبيا الجبهة الخلفية.

أما في دمشق، فإن هاجس السلطة الجديدة ليس إسرائيل. لكون تل أبيب خصم يمكن التفاوض معه، والهاجس الحقيقي هو الحشد الشعبي.

السلطة في دمشق تدرك أن أي مغامرة في الجنوب اللبناني، تحت عنوان حصر السلاح أو إعادة السيادة، ستقابل برد غير متماثل، والرد هذه المرة لن يأتي من بيروت وحدها، بل سيأتي من صحراء البادية ومن معابر البوكمال. فالحشد يملك عقيدة قتالية وتجربة ميدانية داخل الأراضي السورية تمتد لعقد كامل.
وجود الحشد ينسف رواية الدولة المركزية التي تبيعها دمشق الجديدة للغرب. كما أنه يمثل الحلقة البرية التي تربط طهران ببيروت. لذلك فإن مطلب إبعاد الفصائل وحصر السلاح بيد الدولة هو في جوهره مطلب لبتر الذراع العراقية من جسد محور المقاومة، وبغير ذلك يصبح أي تطبيع سوري-إسرائيلي منقوصاً ومكشوف الظهر.

ثالثاً : حزب الله.. العقدة الإستراتيجية في خاصرة إسرائيل.

إن الخطر الذي يمثله حزب الله لا يقاس بعدد الصواريخ وحسب، بل بنوعية الردع الذي أرساه من خلال..

1️⃣. كسر احتكار القوة الإسرائيلية، ومنذ 2006 لم تعد إسرائيل قادرة على شن حرب واسعة في لبنان، دون دفع ثمن باهظ في الجبهة الداخلية، هذا خلق معادلة توازن رعب لم تعرفها المنطقة من قبل.

2️⃣. العمق الجغرافي والعقائدي لحزب الله هو الحلقة الأقرب إلى فلسطين، وهو الضامن الفعلي لمعادلة وحدة الساحات، فأي إعتداء على غزة أو القدس يعني تلقائياً فتح جبهة الشمال.

3️⃣. نجاح حزب الله في أن يكون نموذج ذو تسليح نوعي وشرعية شعبية كبيرة ومشاركة سياسية واسعة، يشكل صورة تخشاها كل الأنظمة العربية التي تريد احتكار السلاح والقرار بيديها.

لذلك فإن شرط إسرائيل وأمريكا لأي تسوية في لبنان هو أما ”نزع السلاح أو الحرب“ ولا يمكن تنفيذ هذا الشرط إلا إذا أنعزل حزب الله إقليمياً.

رابعاً : تركيا.. المقص الجيوسياسي للتحالف.

لا تقاتل أنقرة مباشرة، لكنها تمسك بالمقص.

تركيا ترى في الحشد وأنصار الله وحزب الله امتداداً لنفوذ يطوقها من العراق وسوريا واليمن. وهدفها الإستراتيجي هو تفكيك الهلال الشيعي، وفرض أمر واقع في شمال سوريا، والتحول إلى مركز لتصدير غاز شرق المتوسط إلى أوروبا عبر إسرائيل.

لذلك تلعب دور المهندس الخفي، لتمنح دمشق الجديدة الغطاء الأمني والأستخباري مقابل التزامها بملف الجماعات المسلحة، وتضغط على بغداد سياسياً واقتصادياً لإضعاف شرعية الحشد كمؤسسة رسمية.

وتقدم للرياض الدعم اللوجستي في حرب الاستنزاف ضد صنعاء.
أنقرة لا تريد حرباً شاملة، بل تريد إيران منهكة ومحاصرة، حتى تنفرد هي بقيادة العالم السني وتكون الشريك الذي لا غنى عنه لأمريكا وإسرائيل.
خامساً : لماذا التوقيت الآن؟
لأننا أمام نافذة جيوسياسية لن تتكرر.

1️⃣. التطبيع السعودي-الإسرائيلي، متوقف على “أمن السعودية، والرياض لن توقع وهي تحت تهديد صواريخ صنعاء، ومحاربة أنصار الله هو ثمن التطبيع.

2️⃣. سوريا الجديدة تريد شرعية دولية ورفع عقوبات عنها، والشرط الأمريكي-الإسرائيلي وهو أثبات أنهم قادر على ضبط الحدود، ومنع تسليح حزب الله، وهذا لا يحدث إلا بضرب وإضعاف الحشد الشعبي.

3️⃣. الانتخابات الأمريكية وترتيبات ما بعد غزة، فالإدارة الأمريكية تريد أن تسلم الملف للإقليم وتخرج، ولكنها لن تخرج قبل أن تؤمن المنطقة من أي قوة قادرة على وضع العصا بين عجلات عربة التطبيع.

سادساً: ضرب الحشد وقصف أنصار الله.. عين الموضوع.
إن ما يجري من أحداث في العراق وفي اليمن، ليس حوادث أمنية عابرة بل هي المرحلة الأولى المعلنة من مشروع التصفية الدولية.
الهدف هو التفكيك المتزامن لمحور المقاومة، فضرب الحشد يعني قطع اليد العراقية، وخنق خط الإمداد البري.

قصف أنصار الله يعني كسر العمود الفقري للجبهة الجنوبية، وتحرير السعودية للإنخراط الكامل في مشروع تصفية المقاومة.

وبعدها يبقى حزب الله وحيداً، أعزل، في مواجهة ضغط دولي وعسكري مباشر تحت عنوان ”نزع السلاح“
سابعاً : معركة الوجود.
مايجري حالياً ليست معركة سلاح أو حدود، بل هي معركة وجود بأمتياز.
الأستهداف لا يطال هياكل عسكرية وحسب، بل يستهدف فكرة المقاومة نفسها، فكرة أن بإمكان شعوب محاصرة أن تفرض معادلة ردع دون إذن القوى الكبرى.

وكما يستهدف الوجود الجغرافي، عبر قطع الحبال الرابطة بين العراق وسوريا ولبنان واليمن، وتحويل كل ساحة إلى جزيرة معزولة يسهل ابتلاعها.

وكما يتم أستهداف الوجود السياسي للمقاومة، عبر تجريد هذه القوى من شرعيتها وتوصيفها كـ ”ميليشيات خارجة عن القانون“ تمهيداً لشيطنتها دولياً.

وهذا كله يأتي في سياق أستهداف الوجود المستقبلي للمقاومة، فبقاء الحشد وأنصار الله وحزب الله يعني تعطيل مشروع الشرق الأوسط الجديد برمته.

لذلك فالمعركة اليوم هي معركة بقاء أو فناء. إما أن يبقى حق “لا” قائماً، أو يُعلن عن بداية عصر الأمن الإسرائيلي المطلق.

▪️الخاتمة : نهاية زمن الـ ”لا“

إن التحالف الذي يتشكل اليوم بقيادة واشنطن وتل أبيب وبمشاركة الرياض ودمشق وأنقرة، هو تحالف وظيفي وليس عقائدي، تجمعه مصلحة واحدة وهي إغلاق ملف المقاومة كفكرة وكقدرة.

الجائزة المطروحة على الطاولة هي تطبيع شامل وأستثمارات ضخمة وإنسحاب أمريكي منظم، وثمن ذلك كله هو القضاء على المقاومة كفكرة وكقدرة، فإما الصمود معاً، أو السقوط فرادى.

وبكيف الله.