جديد

بين شعار وحدة الساحات المذهبية وواقع السيادة الوطنية

رياض سعد

في عالم السياسة لا توجد صداقات دائمة ولا عداوات دائمة، وإنما توجد مصالح دائمة… ,  وهذه الحقيقة التي صاغتها تجارب الأمم لا تستثني دولة مهما كان خطابها العقائدي أو القومي أو شعاراتها الأيديولوجية… ,  فحين يتعلق الأمر بالأمن القومي أو الاقتصاد أو النفوذ الإقليمي، تتراجع الشعارات إلى الصفوف الخلفية، وتتقدم المصلحة الوطنية لتصبح صاحبة القرار الأول والأخير.

لقد شهد العراق بعد عام 2003 صعود خطاب سياسي يقوم على فكرة أن وحدة المذهب كفيلة بصناعة وحدة سياسية واستراتيجية بين بغداد وطهران وجنوب لبنان وغيرهما ، وأن الروابط العقائدية ستكون ضمانة لحماية المصالح العراقية على المدى البعيد … ,  إلا أن الوقائع المتراكمة أظهرت أن الدول لا تُدار بالعواطف الجياشة أو الأيديولوجيات الدينية والرؤى المذهبية فحسب ، بل بحسابات القوة والمصلحة والواقع .

فالسياسة الإيرانية، كغيرها من سياسات الدول الكبرى والإقليمية، تنطلق أولاً من حماية المصالح الإيرانية وتعزيز النفوذ الإيراني… ,  وهذه ليست تهمة، بل هي طبيعة عمل الدول.. ,  فكل حكومة مسؤولة أمام شعبها عن حماية أمنه ومصالحه قبل أي اعتبار آخر.

غير أن الإشكالية في العراق لم تكن في سلوك الدولة الإيرانية بقدر ما كانت في القراءة العراقية لذلك السلوك… ,  إذ اعتقدت بعض القوى السياسية والشعبية والدينية أن التقارب المذهبي يعني بالضرورة تطابق المصالح، بينما أثبتت الأحداث أن المصالح قد تتقاطع أحياناً وقد تتعارض أحياناً أخرى، وأن القرار الإيراني يبقى قراراً وطنياً يخدم إيران أولاً.

وقد برز ذلك في عدد من الملفات السياسية والاقتصادية، ومنها الجدل الذي رافق قضية مرور صادرات النفط العراقية عبر مضيق هرمز… ,  فقد تحدث مسؤولون عراقيون عن تلقي تطمينات باستثناء العراق من بعض القيود، إلا أن التطبيق العملي بقي مرتبطاً بالحسابات الاستراتيجية الإيرانية، وهو ما أكد مرة أخرى أن الدولة تتصرف وفق تقديرها لمصالحها وأوراق قوتها.

وهذه التجارب ينبغي أن تدفع صانع القرار العراقي إلى مراجعة كثير من المسلمات السياسية… ,  فالعلاقات الدولية لا تُبنى على حسن النيات، ولا على الخطابات العاطفية والدينية ، وإنما على المصالح المتبادلة والاتفاقات الواضحة والاحترام المتبادل للسيادة.

  • تفكيك العلاقة الايرانية العراقية

تعتمد استراتيجية طهران الإقليمية على تسويق مقولات من قبيل «وحدة المذهب» و«وحدة الساحات»، وهو خطاب يُقدَّم للخارج العراقي بصفة «التضامن الإيماني»، بينما يُدار داخلياً في إيران بمنطق الدولة القومية ذات التاريخ العريق الذي لا يساوم على شبر واحد من أرضه أو برميل واحد من ثرواته… ,  وفي المقابل، انطلقت أطراف سياسية واجتماعية في العراق من قراءة تبسيطية للعقيدة، اختزلت أبعاد الدولة الوطنية وصهرت حدود المصلحة العراقية في أتون مشاريع عابرة للحدود.

وتتجلى هذه الفجوة في مثال واقعي ؛ فعلى الرغم من المكاسب الاقتصادية التي تحققها إيران في السوق العراقية سنوياً منذ عام 2003 وحتى اليوم، وعلى الرغم من المواقف السياسية الداعمة ورفع شعارات «وحدة الساحات»، لم تتنازل إيران عن حساباتها السيادية؛ فعندما حظرت المرور في مضيق هرمز لأسباب استراتيجية، لم تُجز للنفط العراقي المرور استثناءً، رغم التصريحات الإعلامية التي ألمحت لذلك.

إن التصريحات شيء والواقع الاستراتيجي شيء آخر؛ فالمواطن أو المسؤول الإيراني يضع مصلحة مواطنه الإيراني — سواء كانوا أكراد كرمانشاه، أو سنة زاهدان، أو زرادشتيي يزد، أو يهود أصفهان — فوق أي اعتبار خارجي، بينما نرى بعض الأطراف في العراق على أتم الاستعداد للتضحية بالمصالح الوطنية بل والشيعية المحلية والمناطق العراقية في النجف أو كربلاء أو البصرة أو العَمارة لحسابات خارجية.

اذ كشف المتحدث باسم الحكومة حيدر العبودي أن العراق تلقى تطمينات مباشرة من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان باستثناء صادرات النفط العراقية من قيود المرور عبر مضيق هرمز، إلا أن هذه الوعود لم تُطبق عملياً، إذ لم تتمكن الناقلات العراقية من الاستفادة من الاستثناء، فيما أوضحت طهران أن المضيق يمثل ورقة ضغط استراتيجية في ظل المواجهة الإقليمية.

الجانب الإيراني أشار إلى أن منح استثناءات فعلية قد يضعف قيمة المضيق كورقة نفوذ... ؛ واستمرار القيود يعني أن صادرات النفط العراقية لا تزال تتأثر عملياً بأزمة الملاحة في مضيق هرمز …!!

والخلاصة أن تصريحات إيران شيء، وواقع تعاملها مع العراق شيء آخر تمامًا.

وهذه من المفارقات التي عانى منها العراق على مر العقود؛ حيث وُجدت فئات – كالسنة والكرد والتركمان – تُقدّم الانتماء القومي أو المذهبي العابر للحدود على حقيقة المواطنة والعراق الكبير والامة العراقية .

إن التبادل الثقافي والديني بين الشعبين العراقي والإيراني حقيقة تاريخية لا إنكار لها، ولا يُلام أي نظام أو شعب في أن يضع مصلحته الوطنية أولاً… ؛  بيد أن الخلل يكمن في تغييب فكرة «الدولة» لدى البناء الفكري لبعض القوى العراقية المحلية، مما جعل العراق يتعامل بمنطق «التضحية المجانية»، بينما تتعامل طهران بمنطق «المكاسب الحسابية».

وقد تجلى هذا المفهوم في مواقف اقتصادية وسياسية متعددة؛ فعلى الرغم من حجم التبادل التجاري الضخم والدعم السياسي والعسكري الذي يقدمه العراق في محيطه الإقليمي، ظل القرار الاستراتيجي الإيراني حريصاً كل الحرص على أمنه القومي ومصالحه الحيوية دون تقديم تنازلات تمس نفوذه، حتى وإن أضرّ ذلك بالشركاء حلفاء المذهب.

نعم , الحقيقة التي يغفل عنها كثير من العراقيين أن الإيراني – أيًّا كان مذهبه – لا يهمه مصير شيعة العراق أو لبنان أو البحرين، بقدر ما يهمه مصير الكردي الإيراني في كرمانشاه، أو السني الايراني في زاهدان، أو المجوسي  الايراني في يزد، أو اليهودي الايراني  في أصفهان .

فهؤلاء هم “أبناء الوطن” عنده، ويُقدِّمهم على شيعة العالم أجمعين… ؛ بل لا مقارنة في نظره بين شيعة إيران وشيعة سائر الدول، فإيران في عقيدته القومية هي “كعبة التشيع”، والفارسية هي لغة التشيع الأصلية، ومن هنا شاعت مقولتهم الشهيرة: “المرجعية الدينية ثوب طويل على الشيعي الأفغاني، وقصير على الشيعي العربي”

أي أن زمام قيادة الشيعة في العالم لا يليق إلا بالإيراني… ,  ولذلك، لن تجد شيعيًّا إيرانيًّا يقلِّد فقيهًا عربيًّا، ولو كان أعلم الأحياء والأموات، فضلاً عن أن يدفع له الخمس أو الحقوق الشرعية… ؛ بينما نشاهد الشيعي العراقي – البعض- يضحّي بماله ودمه ووطنه من أجل ايران ؛ بل ويضحي بالشيعي العراقي من أجل الإيراني، مطلق الإيراني وبغض النظر عن قوميته وديانته … ؛  ولديه استعداد بأن يحرق النجف الأشرف أو كربلاء المقدسة فضلًا عن البصرة والعمارة من أجل زاهدان أو يزد أو أصفهان...!!

ولعمري هذه من المفارقات العجيبة التي لا تجد لها مثلًا في العالم إلا في بعض شيعة العراق  ؛ وسنة العراق الذين كانوا يتبرعون بالعراق والعراقيين الأصلاء للعرب والدول الناطقة بالعربية؛ فقد كان المصري والفلسطيني والصومالي سيدًا والعراقي ذليلًا فقيرًا في عهد سلطة البعث… ؛  وكذلك كرد العراق وتركمانه…؛ الجميع يقدمون الغرباء والدخلاء على أبناء بلدهم الأصلاء.

وهذه  مفارقة لا نظير لها في العالم، إلا في بعض النماذج العراقية التي فقدت بوصلتها الوطنية.

إن ديمومة العلاقات المتوازنة بين الدول تتطلب التمييز الحاسم بين «العقيدة الدينية» كقيمة إيمانية روحية تجمع أبناء المذهب الواحد في مختلف البقاع، وبين «الدولة الوطنية» ككيان سياسي وقانوني يخدم شعباً بعينه وضمن حدود محددة… ؛  وإن أي ارتهان أو تبعية تلغي الشخصية الوطنية العراقية لا تخدم السلم الأهلي ولا بناء الدولة الرصينة، بل تكرّس حالة من التبعية التي تجعل المقدرات الوطنية رهينة للحسابات الإقليمية.

إن الدفاع عن العراق لا يعني معاداة إيران، كما أن إقامة علاقات جيدة مع إيران لا تعني التفريط بالمصلحة العراقية… ؛  فالدولة الرشيدة هي التي تقيم أفضل العلاقات مع جميع جيرانها، لكنها لا تسمح لأي طرف، مهما كانت طبيعة العلاقة، بأن تكون مصالحه مقدمة على مصالحها الوطنية.

لقد آن الأوان لأن يتحول مفهوم “الشراكة” من شعار سياسي إلى علاقة متوازنة تقوم على الندية والاحترام المتبادل , و لا تقوم على التبعية, ولا على الشعارات، بل على المصالح الواضحة والالتزامات المتبادلة… ؛  وهذه قاعدة أثبتها التاريخ السياسي للدول، وستظل هي الأساس الذي يحكم العلاقات الدولية مهما اختلفت الشعارات أو تبدلت التحالفات…. ؛  فالعراق دولة ذات سيادة، وشعبه صاحب حق في أن تكون ثرواته وقراراته وسياساته الخارجية منطلقة من مصالحه الوطنية أولاً، لا من حسابات الآخرين ومصالح الدول الخارجية .

إن التجارب الإقليمية تؤكد أن كل دولة تحترم من يدافع عن مصالحه بثبات، أما الدول التي تربط سياساتها بالشعارات وحدها فإنها تجد نفسها في كثير من الأحيان تدفع أثماناً باهظة دون أن تحقق المكاسب التي كانت تأملها.

ولهذا فإن المعيار الذي ينبغي أن يحكم السياسة العراقية ليس الانتماء المذهبي ولا القومي، وإنما المصلحة الوطنية العراقية، لأنها وحدها القادرة على حماية الدولة وتعزيز استقرارها وصيانة استقلال قرارها السياسي.

  • خاتمة

إن حب الوطن ليس عيبًا، بل هو فريضة اخلاقية واجبة، والإيراني حين يدافع عن إيران إنما يؤدي واجبه الوطني الاخلاقي ، فلماذا لا يقوم العراقي – شيعيًا كان أم سنيًّا أم كرديا أم تركمانيا – بالدفاع عن وطنه بالدرجة الأولى؟!

فليست المذهبية أو القومية عذرًا لتسليم القرار والسيادة والثروات والمصالح الوطنية ، ولا يجب أن تكون واجهةً يُتاجر بها على حساب الدماء والأراضي… ؛  فعلى الشيعي العراقي أن يفرّق بين الإيمان الديني الذي يوحّد القلوب، والولاء السياسي الذي يحكمه الانتماء إلى الدولة والسيادة الوطنية .

فالعراق للعراقيين، كما أن إيران للإيرانيين، ومن ظنَّ أن إيران ستحرق نفسها لتنقذ العراق فهو واهم، فقد أثبتت الأيام أن الإيراني لا يحرق داره لسلامة دار جاره، بل بالعكس، قد يستغل جاره ليحمي داره… ,  فهل آن الأوان لمراجعة هذه التبعية الذليلة، واستعادة الوعي الوطني المستقل؟