مشهد من الحياة التجارية في بغداد نحو عام 1908.
إيهاب مقبل
عندما وصف الدبلوماسي البريطاني جون غوردون لوريمر بغداد في مطلع القرن العشرين، لم يصف مدينة تعيش على الزراعة وحدها، بل مدينة تجارية كثيفة النشاط، تضم آلاف المحال والخانات ومئات المقاهي والمنشآت الحرفية، وترتبط أسواقها بشبكة واسعة من المدن العراقية وبالتجارة الخارجية.
وتكشف أرقام لوريمر أن بغداد كانت تمتلك، في ذلك الوقت، بنية اقتصادية أكثر تنوعاً مما قد توحي به الصورة التقليدية للعراق قبل النفط.
أربعة آلاف متجر ومئات الخانات
من أكثر الأرقام دلالة في وصف لوريمر لبغداد في عمله الضخم «دليل الخليج الفارسي وعُمان ووسط الجزيرة العربية Gazetteer of the Persian Gulf, Oman and Central Arabia» أنه أحصى في المدينة نحو 4000 متجر، إلى جانب 208 خانات، وهي منشآت كانت تستخدم لإقامة التجار والمسافرين وتخزين البضائع، و235 مقهى و182 مخزناً للحبوب.
كما أحصى 116 طاحونة للحبوب تعمل بقوة الخيول، و17 نولاً يدوياً لنسج الأقمشة، و22 نولاً لنسج الحرير، و68 منشأة لصبغ الأقمشة، و4 مكابس للصوف، ومصنعاً للصابون. وأضاف إلى ذلك 13 فخارية لصناعة الأواني والجرار الطينية، و3 معاصر للزيت، ومصنعاً للثلج، و3 مطابع.
تكشف هذه الأرقام أن اقتصاد بغداد لم يكن قائماً على التجارة وحدها، بل كان يضم شبكة واسعة من الأسواق ومخازن البضائع والمنشآت الحرفية والخدمات. ولم تكن هذه صناعة حديثة بالمعنى الصناعي الأوروبي، لكنها كانت تمثل اقتصاداً حضرياً منتجاً يعالج السلع ويخزنها ويعيد توزيعها، إلى جانب تلبية احتياجات سكان المدينة والأسواق المحيطة بها.
وهذه نقطة مهمة في فهم اقتصاد بغداد قبل النفط: فالمدينة لم تكن مجرد محطة للسلع المستوردة، بل كانت أيضاً مركزاً للإنتاج الحرفي والخدمات وإعادة التوزيع.
السوق البغدادي لم يكن معزولاً
ويصف لوريمر السوق الرئيسي في بغداد بأنه كان يمتد بمحاذاة الضفة اليسرى لنهر دجلة، أي في جانب الرصافة، بدءاً من جسر القوارب، وهو الموقع القريب من جسر الشهداء الحالي، ويمتد عبر المنطقة التجارية الرئيسية للمدينة باتجاه السنك، حيث كان مقر الإقامة البريطانية القديم. ويمكن ربط هذا النطاق الجغرافي بعدد من الأسواق التراثية التي عُرفت بها بغداد لاحقاً، مثل سوق السراي والشورجة والصفافير.
كما يشير لوريمر إلى وجود سوق آخر في الضاحية الجنوبية، حول منطقة جسر القوارب، كان يضم مخازن كبيرة للحبوب والدقيق تُعرف محلياً باسم العلاوي.
وكانت هذه الأسواق نقطة التقاء بين الإنتاج المحلي والسلع القادمة من الخارج. ومن بغداد كانت البضائع تنتقل إلى مدن أخرى، وهو ما جعل العاصمة مركزاً لإعادة توزيع السلع داخل العراق.
بغداد تموّل أسواق المدن العراقية
وتظهر هذه الوظيفة بوضوح في وصف لوريمر للتجارة الداخلية. فقد كانت كربلاء تستورد الأقمشة والسكر والكيروسين، أي النفط الأبيض المستخدم آنذاك بصورة أساسية في المصابيح والإضاءة، إلى جانب التوابل الهندية والشاي والأدوية والفواكه الفارسية، وتصدر التمور والجلود والصوف والتبغ الأقل جودة.
وكانت المسيب تستقبل الأقمشة وترسل الحنطة والشعير، بينما كانت الحلة تستورد الأقمشة والسكر والقهوة على نطاق واسع، وتصدر الحنطة والشعير والصوف والتمور وجلود الأغنام والماعز. أما النجف فكانت تستقبل كميات كبيرة من الأقمشة والسكر والشاي والتوابل الهندية، وتصدر جلود الحملان والعباءات. ويشير لوريمر إلى أن هذه المدن كانت تحصل على الأقمشة من بغداد.
وهنا تظهر أهمية بغداد الاقتصادية: لم تكن مجرد سوق للاستهلاك، بل مركزاً لإمداد مدن عراقية أخرى بالسلع.
الجمارك تكشف حجم الحركة التجارية
وتقدم أرقام الجمارك مؤشراً آخر على حجم النشاط الاقتصادي. يذكر لوريمر أن الرسم العام على الواردات في العراق كان 8%، بينما كان رسم الصادرات 1% من قيمة السلعة، مع استثناءات محددة. كما بلغت إيرادات الجمارك في ولايتي بغداد والبصرة في سنة قريبة من تاريخ التقرير نحو 149514 جنيهاً إسترلينياً، مقابل مصروفات لإدارة الجمارك بلغت نحو 14614 جنيهاً.
وهذه الأرقام تضع التجارة في قلب مالية الإدارة العثمانية نفسها، لا في هامش الاقتصاد.
حتى الثلج أصبح سلعة
ومن التفاصيل الصغيرة التي تكشف تغير نمط الحياة الاقتصادي أن لوريمر يسجل في وصفه لبغداد عام 1908 وجود مصنع للثلج في المدينة. ولم يكن ذلك أمراً تافهاً في مدينة وصف مناخها بأنه شديد التطرف؛ إذ يذكر أن درجة الحرارة في بغداد كانت تتراوح في الظل بين 18.6 درجة فهرنهايت (نحو −7.4°م) في الشتاء، و123° فهرنهايت (نحو 50.6°م) في الصيف، كما يشير إلى أن حرارة تموز وآب وأيلول كانت شديدة إلى درجة دفعت السكان نهاراً إلى الغرف السردابية وتحت الأرض، وليلاً إلى أسطح المنازل.
ومن ثم، فإن وجود مصنع للثلج في بغداد عام 1908 يمكن فهمه في سياق التكيف الاقتصادي مع صيف شديد الحرارة، فضلاً عن أنه يكشف دخول منتج وتقنية جديدة إلى السوق الحضري. فاقتصاد بغداد لم يكن ثابتاً، بل كان يستجيب لحاجات السكان ويتبنى خدمات ومنتجات جديدة كلما نشأت لها حاجة تجارية.
الاقتصاد العراقي قبل النفط كان شبكة لا مدينة واحدة
تكشف وثائق لوريمر أن الاقتصاد العراقي لم يكن متمركزاً في بغداد وحدها. كانت هناك مراكز تجارية متخصصة ومترابطة: البصرة للتجارة البحرية، بغداد للتوزيع والأسواق، الحلة للحبوب والمنتجات الزراعية، كربلاء والنجف للتجارة المرتبطة بالمدن المقدسة، والمسيب مركزاً مهماً للحبوب والأقمشة.
وبهذا المعنى كان الاقتصاد العراقي قبل النفط عبارة عن شبكة من المدن والأسواق، تربطها الأنهار والطرق والقوافل والتجارة.
اقتصاد بلا نفط.. لكنه ليس اقتصاداً فقيراً بالضرورة
تكشف أرقام لوريمر أن غياب النفط عن الاقتصاد العراقي لا يعني غياب النشاط الاقتصادي. ففي بغداد وحدها كان هناك 4000 متجر و208 خانات و235 مقهى و116 طاحونة حبوب و68 منشأة للصباغة، إلى جانب عشرات المنشآت الحرفية والإنتاجية الأخرى. كما بلغت إيرادات الجمارك في ولايتي بغداد والبصرة نحو 150 ألف جنيه إسترليني سنوياً، وهو رقم مهم بمقاييس ذلك العصر، ويكشف حجم الحركة التجارية وأهمية الجمارك كمورد مالي للإدارة العثمانية في العراق آنذاك.
لكن هذا الاقتصاد كان مختلفاً جذرياً عن الاقتصاد الذي سيظهر بعد النفط؛ فقد كان يعتمد على الزراعة والتجارة والحرف والنقل والائتمان والأسواق، أي على تعدد الأنشطة الاقتصادية والاعتماد بدرجة أكبر على الموارد المحلية والقدرات البشرية، وليس على مورد طبيعي واحد يدر دخلاً هائلاً للدولة.
بغداد عشية التحول الكبير
الصورة التي يقدمها لوريمر عام 1908 هي صورة مدينة تجارية نشطة تمتلك آلاف المحال ومئات الخانات والمنشآت الحرفية، وتتصل بأسواق كربلاء والنجف والحلة والمسيب والبصرة. ولم يكن النفط قد أصبح بعد محور الاقتصاد العراقي، ولذلك كانت قوة المدينة الاقتصادية نابعة من موقعها التجاري، ونهر دجلة، وأسواقها، وشبكة التجار والحرفيين، وصلتها بالموانئ والأسواق الخارجية.
وهنا تكمن أهمية وثائق لوريمر: فهي تسمح برؤية العراق قبل النفط من خلال أرقام ملموسة، لا من خلال وصف عام. ففي عام 1908 قدّر لوريمر سكان العراق بنحو 1.5 مليون نسمة أو أكثر بقليل، إلى جانب آلاف المنشآت التجارية والحرفية في بغداد؛ فقد أحصى 4000 متجر، و208 خانات، و235 مقهى، و116 طاحونة، و68 منشأة للصباغة، و22 نولاً لنسج الحرير، فيما قاربت الإيرادات الجمركية في بغداد والبصرة 150 ألف جنيه إسترليني سنوياً. وهذه الأرقام ترسم اقتصاداً حضرياً نشطاً كان قائماً قبل أن يغير النفط وجه العراق بصورة كاملة.
المراجع
جون غوردون لوريمر، دليل الخليج وعُمان ووسط الجزيرة العربية (Gazetteer of the Persian Gulf, Oman and Central Arabia).
https://dn710606.ca.archive.org/0/items/in.ernet.dli.2015.206963/2015.206963.Gazetteer-Of.pdf
https://dn790009.ca.archive.org/0/items/in.ernet.dli.2015.206964/2015.206964.Gazetteer-Of.pdf
انتهى