مكسيم العراقي
1. كيف أعاد الاحتلال البريطاني تشكيل الإقطاع والمرجعية الدينية في العراق في اطار صناعية التبعية
2. جذور القسوة والاستهتار الإجرامي لإقطاع جنوب العراق
3. النظام الإقطاعي وقواعد المليشيات الحديثة في العراق
4. تحول النخب وتحالفات السلطة في العراق بعد عام 2003
5. سيكولوجية التبعية والعَود الأبدي, من أحزمة الفقر إلى الصناديق المزورة لانتخاب السادة والاقطاعيين السابقين حلفاء المستعمرين
6. الهندسة الاستعمارية للفساد والارهاب في صناعة الدول الموازية من المضايف إلى المليشيات
7. الفصل الأخير في تجريف الهياكل الموازية واستعادة العقد الوطني – المسار البنيوي لتفكيك ظاهرة الإقطاع والمليشيات
المستعمَر يسعى دائماً إلى تقليد المستعمِر، والحلول محله، ولعبه لدوره.
فرانتز فانون
حين ييأس المقهور من عدالة العالم، فإنه لا يثور على جلاده، بل يتبنى قيم الجلاد ويمارس البطش على من هم أضعف منه.
فرانتز فانون
الإنسان الضعيف الذي دُمّرت استقلاليته يجد أمانه النفسي في الخضوع التام للقوة الغاشمة، فهو يعبد الجلاد لأنه يرى فيه كل ما يفتقده من قوة وسلطة.
إريك فروم
النزعة المازوخية تجعل الضحية تذوب في شخصية السلطوي لتتخلص من عذاب الشعور بالعجز.
إريك فروم
إن المظلوم في مجتمعاتنا لا يكره الظلم لذاته، بل يكره الظالم لأنه ليس هو الظالم، فإذا ما أتيحت له الفرصة مارس الظلم نفسه وبشكل أشد قسوة.
علي الوردي
يتزلف المقهور لجلاده خوفاً من بطشه، وتتحول هذه المحاباة مع الزمن إلى عقيدة يدافع عنها بإستماتة.
علي الوردي
إن الإنسانية المسلوبة من المقهورين تجعلهم يتطلعون لا إلى التحرر، بل إلى صيرورة مستبِدين جدد؛ فمعيار الإنسانية لديهم قد تصوّره الجلاد وحده.
باولو فريري
ليس الجلاد هو من يخضع الشعب، بل الشعب هو الذي يسلم نفسه للجلاد، ويشق على نفسه طريق العبودية حين يفضل خنوع الأمان على مشقة الحرية.
إيتيان دي لا بواسي
(1)
كيف أعاد الاحتلال البريطاني تشكيل الإقطاع والمرجعية الدينية في العراق في اطار صناعية التبعية
لم يكن الاحتلال البريطاني للعراق خلال وعقب الحرب العالمية الأولى مجرد استبدال لراية عسكرية بأخرى، بل كان إعادة هندسة جذريّة للبنية الاجتماعية والسياسية والدينية للبلاد. صممت الإدارة الاستعمارية البريطانية، بقيادة شخصيات مثل المندوب السامي بيرسي كوكس والمستشارة جيرترود بيل، سياسات بعيدة المدى استهدفت ضرب القوى الوطنية الشيعية والسنية التي قاومت وجودها، وإحلال شبكات زبائنية تدين بالولاء التام للتاج البريطاني.
1. بناء الإقطاع الجديد: مكافأة الولاء وقمع الثورة
قبل عام 1920، كانت البنية العشائرية في جنوب العراق تتميز بنوع من التوازن؛ فالشيخ يرتكز في مشيخته على الرضا الشعبي والتكافل القبلي. لكن اندلاع ثورة العشرين الوطنية مثل صدمة للمشروع الاستعماري، حيث توحدت العشائر والمرجعيات الدينية ضد الوجود الأجنبي.
رداً على ذلك، اعتمدت الإدارة البريطانية استراتيجية تطييع الأرياف عبر تحويل شيوخ العشائر إلى إقطاعيين حقيقيين. سارعت السلطات الاستعمارية إلى هندسة قوانين استثنائية، أبرزها:
• قانون دعاوى العشائر (1916/1924): عزل الأرياف عن القضاء المدني ومَنح الشيخ سلطات قضائية وتنفيذية مطلقة على أفراد عشيرته.
• قوانين تسوية حقوق الأراضي: تم تسجيل الأراضي الأميرية والمشاعية باسم الشيوخ كملكيات خاصة، وتحديداً الشيوخ الذين وقفوا ضد ثورة العشرين أو حادوا عنها ووالوا السلطة البريطانية.
تحول الفلاح العراقي بموجب هذه الهندسة من شريك في الأرض إلى مجرد أجير ومسخر ومغرق بالديون، بينما تحول الشيخ من رمز اجتماعي إلى حاكم محلي ووكيل أمني يضمن تدفق المحاصيل وسيطرة الانتداب على الأرياف.
2. هندسة المؤسسة الدينية بتحجيم العرب واستقدام المرجعيات الوافدة
تظهر الوثائق التاريخية الاستعمارية (المراسلات الإدارية والتقارير السرية للسر جيرترود بيل ومكتب الهند) قلقاً بريطانياً بالغاً من المراجع والمجتهدين العرب من التبعية العثمانية المحليين الذين قادوا فتوى الجهاد ضد الاحتلال البريطاني وساندوا ثورة العشرين (مثل الشيخ مهدي الخالصي وغيرهم من العلماء الرافضين للانتداب).
لتفكيك هذه القوة الوطنية والدينية، مارست السلطات البريطانية ضغوطاً وسياسات تهجير وتهميش بحق القيادات الدينية العربية والمحلية ذات التبعية العثمانية أو الرافضة للوجود الأجنبي:
• النفي والتضييق: جرى نفي واعتقال عشرات العلماء والخطباء العرب والوطنيين الذين ناهضوا فرض الانتداب.
• التسهيل والتحويل الإقليمي: غضت الإدارة البريطانية الطرف عن استقدام وتعزيز نفوذ رجال دين ومجتهدين قادمين من الهند (التي كانت تقع كلياً تحت التاج البريطاني) ومن إيران وباكستان لملء الفراغ في الحوزات العلمية بالنجف الأشرف وكربلاء المقدسة.
• المال الهندي (المؤسسة الأودية): لعبت أموال وقف أود (Oudh Bequest) الهندي—وهي ثروة طائلة كانت تحول من هندوس وشيعة الهند عبر السلطات البريطانية في مومباي إلى النجف—دوراً كبيراً في توجيه النفوذ المالي داخل الحوزة، حيث أصبحت القنوات المالية الخاضعة للرقابة الإنجليزية هي المتصرفة في توزيع المساعدات والرواتب على طلاب العلوم الدينية.
2. تركة الهيكلة الاستعمارية
أدت هذه السياسات الاستعمارية المزدوجة إلى إحداث شرخ عميق في الجغرافيا السياسية والدينية للعراق؛ إذ صُنعت طبقة إقطاعية حليفة للمستعمر على حساب إفقار ملايين الفلاحين، وتم تهميش الروح الوطنية للمرجعية العربية لصالح مؤسسات تقليدية وافدة ابتعدت عن التدخل في الشأن السياسي والمواجهة مع المحتل. وظلت هذه البنية الهجينة تفرز أزماتها حتى سقوط النظام الملكي عام 1958، لتُعاد صياغتها وأشكالها بصور جديدة في العصر الحديث.
(2)
جذور القسوة والاستهتار الإجرامي لإقطاع جنوب العراق
شهد جنوب العراق خلال العهد الملكي وبدايات القرن العشرين نظاماً إقطاعياً اتسم بقسوة شديدة مقارنة بمناطق أخرى، وكان يتستر خلف أطر قانونية واجتماعية مكنت المشايخ والكبار الملاكين من فرض هيمنة شبه مطلقة على الفلاحين.
ولم يكن الإقطاع في جنوب العراق مجرد نظام اقتصادي لتوزيع الأراضي، بل كان منظومة تسلطية هجينة جمعت بين البطش العشائري، وتواطؤ المحتل الأجنبي، وغياب هيمنة الدولة المدنية، مما جعل حدّة استهتاره وطغيانه وقسوته تتجاوز باقي مناطق العراق (كالوسط والشمال) لعدة أسباب بنيوية وتاريخية:
1. قانون تسوية حقوق الأراضي (1932): شرّعت الدولة العراقية قوانين ملكية الأراضي التي منحت شيوخ عشائر الجنوب ملكية المساحات الشاسعة من الأراضي المروية، تحول على إثرها الفلاح من شريك في الأرض أو صاحب حق عرفي إلى مجرد أجير أو سركال يعمل بسخرة تحت رحمة الشيخ.
2. التغطية بغطاء التكافل العشائري: تم تغليف العلاقات الإنتاجية الاستغلالية بآليات وتقاليد العشيرة؛ فبدت السلطة المباشرة للشيخ وكأنها رعاية أسرية أو واجب عشائري لحماية أفراد العشيرة، بينما كانت في جوهرها علاقة إقطاعية قسرية اجرامية مادية بحتة.
3. التحالف الاستعماري البريطاني مع الشيوخ (إصلاحات التسوية) بعد الاحتلال البريطاني للعراق عقب الحرب العالمية الأولى، سعى المستعمر إلى تثبيت الأمن بأقل تكلفة ممكنة. استغلت السلطات البريطانية ونظام الحكم الملكي بعد عام 1932 إصدار قانون تسوية حقوق الأراضي، وقامت بوهب ملايين الدونمات من الأراضي الخصبة لشيوخ العشائر كـ ملكية خاصة (إقطاعيات)، بعد أن كانت تاريخياً أراضي أميرية أو ملكية مشاعية للعشيرة ككل. هذا التحويل المفاجئ جعل الشيخ مالكاً مطلقاً، وحول أبناء العشيرة والفلاحين بين ليلة وضحاها من شركاء في الأرض إلى أجراء وسُخرة يساقون بالقوة.
4. قانون دعاوى العشائر (الغطاء القانوني للإجرام) أبقت السلطات على قانون دعاوى العشائر، وهو قانون استثنائي فصل الجنوب والأرياف عن القضاء المدني للدولة. منح هذا القانون الشيخ صلاحيات قضائية وتنفيذية مطلقة؛ فكان الشيخ هو القاضي، والجلاد، والسجان. أدى ذلك إلى شرعنة العقوبات الجسدية، والسجن في المضايف والسراديب الخاصة، واغتصاب الحقوق دون أي رقابة من محاكم الدولة أو أجهزتها الأمنية.
5. نظام المغارسة والديون التراكمية (الاستعباد الاقتصادي) استغل إقطاعيو الجنوب حاجة الفلاحين المعدمين فرض نظام ديون استغلالي؛ حيث يزود الشيخ الفلاح بالبذور والأدوات بأسعار مضاعفة ومجحفة. وفي نهاية الموسم الكارثي، يجد الفلاح نفسه مديناً للشيخ بمبالغ لا يستطيع سدادها طوال حياته. ووفقاً للأعراف والممارسات الإقطاعية المدعومة حينها، يُحظر على الفلاح ترك الأرض أو الانتقال إلى مكان آخر إلا بعد سداد دينه، مما حوّل الفلاحين وأولادهم إلى ما يشبه أقنان الأرض (عبيد مملوكين مع الأرض).
6. الجغرافيا العزلاء وتهميش الجنوب التاريخي شكلت طبيعة الجنوب (الأهوار والمناطق النائية بعيداً عن العاصمة بغداد) بيئة معزولة عن العيون والإعلام والحركات المدنية. هذا الفراغ الإداري جعل المنطقة بمثابة دويلات داخل الدولة، يمارس فيها الشيخ ومساعدوه (السراكيل والمغاوير) بطشاً مسلحاً ضد أي انتفاضة أو محاولة احتجاج من قبل الفلاحين، بل وسُجلت حالات حرق للقرى والتهجير القسري لمن يعترض.
7. النزعة الاستعراضية والتنافس بين الشيوخ تولد عن تراكم الثروات الهائلة بيد فئة قليلة من الشيوخ (مقابل فقر مدقع ومجاعة بين الفلاحين) سلوك استهتاري؛ فكان بعض الإقطاعيين يتنافسون في بذخ المضايف وتأسيس مليشيات مسلحة خاصة لحماية نفوذهم ومهاجمة منافسيهم، مستغلين الجهل الأمية والفقر المحرقع الذي فرضوه عمداً على أبناء الجنوب لمنع أي يقظة فكرية أو سياسية.
ظل هذا الواقع المأساوي ينخر في المجتمع الجنوبي حتى ثورة 14 تموز 1958، والتي كان من أولى قراراتها إصدار قانون الإصلاح الزراعي وإلغاء قانون دعاوى العشائر وتفكيك تلك الإقطاعيات وتوزيع الأراضي على الفلاحين.
قارن بين ذلك وبين نظام المليشيات الحالي واستهتاره وتغوله وعمالته للخارج كما الشيوخ- والقوانين التي تحلل ذلك مثل الحشد الشعبي وامن الحشد بدعم من القضاء وفائق زيدان!
(3)
النظام الإقطاعي وقواعد المليشيات الحديثة في العراق
تكشف المقارنة التحليلية بين النظام الإقطاعي في جنوب العراق خلال العهد الملكي ونظام المليشيات المسلحة المعاصر عن تشابه هيكلي في أدوات الهيمنة، وشرعنة النفوذ خارج إطار الدولة المدنية.
1. الشرعنة القانونية وتكريس النفوذ
الإقطاع: جرت شرعنة نفوذ الشيوخ عبر قوانين استثنائية مثل قانون تسوية حقوق الأراضي (1932) وقانون دعاوى العشائر، مما منح الشيخ سلطات قضائية وتنفيذية مستقلة عن القضاء المدني.
المليشيات: يُنتقد المسار الحالي لاستخدام هيئات ومؤسسات قانوية مثل قانون هيئة الحشد الشعبي وتشكيل أجهزة أمنية خاصة كغطاء قانوني يوفر الحصانة والموارد للكيانات المسلحة، مع وجود اتهامات سياسية للقضاء بتوفير مظلة لحماية هذا النفوذ.
2. التبعية الخارجية والشرعية المزدوجة
الإقطاع: استند الشيوخ إلى تحالف وثيق مع السلطات البريطانية لتثبيت ملكياتهم وضمان حمايتهم مقابل ضبط الأمن المحلي ومواجهة التمردات الشعبية.
المليشيات: ترتبط الفصائل المسلحة بشرعيات وتوجيهات عابرة للحدود (خاصة التبعية لإيران)، حيث تُتهم باستغلال الموارد الوطنية لخدمة أجندات إقليمية وضمان التماسك السياسي للأنظمة الحليفة.
3. السيطرة الاقتصادية والإفقار الممنهج
الإقطاع: اعتمد على حرمان الفلاحين من الملكية وإغراقهم بالديون التراكمية، مما حوّل القوة العاملة إلى حالة من التبعية الاقتصادية المطلقة.
المليشيات: تعتمد الكيانات المسلحة المعاصرة على اقتصاد الموازيات (المكاتب الاقتصادية، الموانئ، والمنافذ الحدودية والشركات وتهريب النفط والدولار اله)، مما يؤدي إلى تجريف الاقتصاد الوطني والتحكم في فرص العمل والمال العام لتثبيت الولاءات.
4. قمع المعارضة والسيطرة على المجتمع
الإقطاع: مارس السراكيل والحوشية البطش المباشر ضد أي محاولة لرفض الواقع الإقطاعي، بعيداً عن أعين الإعلام والرقابة.
المليشيات: تمارس أجهزة الفصائل والأمن التابع لها أساليب موازية لملاحقة الناشطين والمطالبين بالإصلاح، واستخدام السلاح خارج نطاق الدولة لحماية المكاسب السياسية والإقليمية.
(4)
تحول النخب وتحالفات السلطة في العراق بعد عام 2003
تكشف التطورات التاريخية والاجتماعية في العراق وجنوبه عن تحولات هجينة في بيئة النفوذ والمال، حيث تشاطرت القوى الدينية والإقطاعية والسياسية الأدوار لترسيخ الهيمنة عبر حقب مختلفة.
1. علاقة المؤسسة الدينية بالإقطاع في العهد الملكي
• شرعنة الأموال وتوزيع الحقوق الشرعية: استند النظام الإقطاعي في الأرياف إلى تحصيل الثروات عبر استغلال الفلاحين ونظام السخرة والديون. وفي تلك البيئة، كان رجال الدين والمؤسسات الدينية يتلقون أموال الخمس والزكاة من كبار الملاكين والشيوخ باعتبارها مطهرة للمال ومحققة للالتزام الشرعي، دون الخوض في شرعية مصدر هذه الثروات أو كيفية استخراجها من عرق الفلاحين المعدمين.
• المهادنة الاجتماعية: أسهم هذا التداخل المالي والشرعي في تغاضي الأوساط الدينية عن الممارسات المجحفة بحق الفلاحين، مما أضفى غطاءً روحياً وأخلاقياً على التفاوت الطبقي الحاد والبطش الإقطاعي السائد حينها.
وهذا هو السبب في وقوف الاقطاعيين والمؤسسات الدينية ضد ثورة 14 تموز 1958!
2. تحولات الطبقة الحاكمة من الإقطاع إلى الفصائل والاحزاب بعد عام 2003
• من تحالفات الاستعمار إلى التبعية الإقليمية: شهدت الخارطة السياسية في العراق انتقالات جذرية؛ فبعد أن اعتمدت سلطات الاحتلال البريطاني على توزيع الأراضي وصنع طبقة شيوخ تدين بالولاء مقابل ضبط الأمن المحلي، أفرزت التحولات السياسية بعد عام 2003 طبقة حليفة جديدة تشكلت من أحزاب وفصائل مسلحّة (مثل فيلق بدر وغيره من القوى السياسية والإقليمية) لتسيطر على المقدرات العامة.
• وراثة النفوذ والامتيازات: اندمجت بقايا البيوتات الإقطاعية القديمة والعوائل السياسية والدينية النافذة في هيكلية النظام الجديد، حيث تحول أبناء الأحزاب والفصائل إلى إقطاعيين جدد يسيطرون على العقارات، والمنافذ الحدودية، والمشاريع الاستثمارية، مع توظيف المال العام والعقود الحكومية لبناء شبكات زبائنية موازية لما كان يمارسه الشيخ والمضيف قديماً.
تؤكد هذه التحولات أن أدوات الهيمنة في العراق كثيراً ما تعيد إنتاج نفسها بأغطية مختلفة، سواء كانت عشائرية مدعومة من المستعمر، أو سياسية ومذهبية مدعومة من نفوذ إقليمي.
(5)
سيكولوجية التبعية والعَود الأبدي, من أحزمة الفقر إلى الصناديق المزورة لانتخاب السادة والاقطاعيين السابقين حلفاء المستعمرين
شكلت الهجرة الكثيفة لأبناء الفلاحين من أرياف الجنوب العراقي إلى بغداد (والتي استقرت في أحياء مثل مدينة الثورة – حالياً كمثل ) تحولاً ديموغرافياً وعمرانياً هائلاً في منتصف القرن العشرين، لكنها حملت في طياتها مأساة سيكولوجية واجتماعية أدت لاحقاً إلى إعلاء القوى التي يمثلها أحفاد الإقطاع والسادة والفصائل السياسية.
1. الصدمة العمرانية ونقل تقاليد العشيرة وترييف المدن: هرب الفلاح المظلوم من بطش الشيخ والعبودية الاقتصادية إلى العاصمة بحثاً عن الكرامة. لكن انتقاله لم يكن اندماجاً مدنياً سلساً، بل تحول إلى استيطان في أحزمة فقر معزولة على أطراف المدينة. عانى المهاجرون من صدمة الحداثة، وحافظوا داخل الصرائف والدور العشوائية على الهياكل العشائرية والنفسية القادمة من الأرياف. لم تتحول الطبقة العاملة الهاربة إلى طبقة مدنية واعية، بل ظلت كتلة هشة تبحث عن حماية بديلة لحماية المضيف والشيخ.
2. سيكولوجية المقهور والتفتيش عن المخلص: وفقاً للتحليلات النفسية والاجتماعية لمجتمعات المقهورين، فإن الإنسان الذي يتعرض للإفقار والتجهيل الممنهج لعقود يطور بنيوية نفسية تتسم بالاتكالية والتفتيش الدائم عن رمز مقدس. عندما تراجعت الدولة المدنية وضعفت المشاريع الوطنية، بعد عام 2003 ملأت المؤسسات الدينية والعائلية هذا الفراغ. تحولت التبعية من الشيخ المالك للأرض إلى السيد المالك للرمز الديني، حيث وُظّف الشعور المظلومي التاريخي لربط بقاء الفرد وحمايته الروحية ببيوتات وسلالات محددة.
3. التجهيل والإفقار الممنهج كأداة هيمنة: تُعد الأمية السياسية والفقر المستمر الحاضنة المثالية لإعادة إنتاج التبعية:
• التجهيل والوعي الزائف: تُغيب المناهج والخطابات العاطفية الطائفية والدينية الوعي الطبقي والسياسي، وتُبدله بـ وعي مذهبي أو عشائري يرى في الانتخاب والولاء واجباً عقائدياً لا خياراً سياسياً مبنياً على تقييم الأداء والخدمات.
• المال السياسي والتوزيع الزبائني: حلّت التعيينات الحكومية والسلات الغذائية والرشاوي والتعيينات الكارثية والمساعدات المقترنة بالأحزاب والفصائل محل البذور والقروض التي كان يقدمها الشيخ قديماً. يجد المواطن المعدم نفسه مجبراً على انتخاب الطبقة الحاكمة لتأمين مصدر رزقه البسيط، مما يعيد إنتاج عبودية الدَين القديمة بصورة وظيفة حكومية أو رواتب أمنية.
4. إعادة تدوير النفوذ وتزاوج الأحفاد: انتهى المطاف بـ الإقطاع الجديد إلى التحالف والاندماج؛ حيث التقت مصالح أحفاد الشيوخ التقليديين مع قيادات الفصائل (مثل بدر ام المليشيات وحركات الإسلام السياسي) ورجال الدين. أُعيد إنتاج السلطة عبر صناديق الاقتراع المزورة من خلال استغلال آليات الحشد المذهبي والقبلي. وبذلك، صوت الضحية (ابن الفلاح والمُعْدم) لصالح جلاده الجديد، ليس حبّاً فيه، بل لخوفه من المجهول، ونتيجة سلب قدرته على التفكير المستقل عبر عقود من الهيمنة النفسية والاقتصادية.
(6)
الهندسة الاستعمارية للفساد والارهاب في صناعة الدول الموازية من المضايف إلى المليشيات
تعتمد الاستراتيجيات الاستعمارية المتعاقبة على إنتاج وإعادة تدوير منظومات إجرامية موازية للهياكل الوطنية؛ حيث يُشكل إبقاء المجتمعات في حالة انقسام ودون دولة مؤسساتية شرطاً أساسياً لضمان النفوذ المستدام واستنزاف الموارد بأقل تكلفة ممكنة.
1. صناعة الإقطاع بالهبات القانونية (الاحتلال البريطاني):
لم يكتفِ الاحتلال البريطاني بتثبيت أركان حكمه بالقوة العسكرية، بل شرعن وجود طبقة حليفة عبر انتزاع الأراضي الأميرية والمشاعية وهبتها لكبار الشيوخ كملكية خاصة. حوّل هذا الإجراء أبناء العشائر والفلاحين إلى أجراء وسُخرة بلا حقوق، بينما تُوّج الشيوخ المتعاونون مع السلطات المحتلة كحكام محليين يمارسون البطش والإفلات من العقاب بموجب قوانين استثنائية صُممت لحمايتهم.
2. الهندسة الطائفية وتفتيت الدولة (الاحتلال الأمريكي 2003):
أعاد الاحتلال الأمريكي صياغة التجربة البريطانية وفق نموذج حديث؛ حيث قام بتفكيك مؤسسات الدولة العراقية وتأسيس نظام المحاصصة الطائفية والإثنية. أتاح هذا المسار للمجموعات المرتبطة بأجندات إقليمية، ولا سيما الفصائل والجهات القادمة من ايران، التغلغل في مفاصل الحكم والسيطرة على مقدرات البلاد المالية والأمنية تحت مظلة شرعية انتخابية وسياسية مشوهة.
3. إنتاج الفصائل واستثمار الأزمات (النفوذ الإيراني ونموذج المقاومة):
يُمثل نموذج المغاومة الموازي الممتد من لبنان بعد عام 1982 إلى العراق بعد عام 2003 أداة جيو-سياسية لتثبيت الهيمنة الإيرانية. تُستغل شعارات المواجهة الوطنية لإنشاء أجهزة أمنية واقتصادية موازية للجيش والدولة، مما يمنح الفصائل المسلحة نفوذاً يمتد فوق القانون والقضاء، ويحول القرار الوطني إلى رهينة للحسابات الايرانية.
4. التوازنات الدولية وتسهيل التغيير (صعود النظام الإيراني 1979):
شهدت التغيرات السياسية الكبرى في المنطقة تقاطعاً في المصالح بين القوى الغربية والبدائل السياسية؛ حيث أمن الدعم والتسهيلات الدولية للخميني خلال فترة إقامته في فرنسا انتقالاً سلس السلطة في إيران عام 1979. أدى هذا التحول إلى إحداث هيكلة جديدة لتوازنات الشرق الأوسط، واستخدام الخطاب المذهبي كغطاء للتوسع والتأثير في دول الجوار.
(7)
الفصل الأخير في تجريف الهياكل الموازية واستعادة العقد الوطني – المسار البنيوي لتفكيك ظاهرة الإقطاع والمليشيات
إن علاج الاستزراع المتكرر للهياكل الموازية في العراق، والتي توالى على رعيها المستعمر البريطاني ثم الأمريكي ثم النفوذ الإقليمي الإيراني، لا يمكن أن يتحقق عبر معالجات سطحيّة أو تداول سليم للسلطة الانتخابية تحت مظلة القوانين ذاتها. إن تفكيك هذه الحلقة المفرغة يتطلب استراتيجية جذرية تعمل على تجريف القواعد الاقتصادية والتشريعية والنفسية التي تُعيد إنتاج الإقطاعي الجديد.
1. الإلغاء الشامل للقوانين الاستثنائية والهياكل الأمنية الموازية
يمثل الاحتكام إلى المؤسسات الموازية المدخل الأبرز لتوفير الغطاء القانوني للإجرام الشبيه بـ قانون دعاوى العشائر القديم. يتطلب الحل إلغاء كافة القوانين والتشكيلات المسلحة الخارجة عن الهيكل التقليدي للجيش والشرطة الاتحادية والمخابرات والامن ومكافحة الارهاب، مع إنهاء الحصانات القضائية الممنوحة للمؤسسات الأمنية الخاصة. يخضع جميع الأفراد والقيادات للقضاء المدني والعملي للبلاد دون استثناء، مع إعادة هيكلة القضاء لضمان استقلاليته التامة عن الضغوط السياسية والفصائلية.
2. تفكيك الاقتصاد الموازي وحظر التمويل الزبائني
مثلما جُرّد الشيوخ سابقاً من ملكية الأراضي الشاسعة بالإصلاح الزراعي، يتوجب حظر وتجريف المكاتب الاقتصادية التابعة للأحزاب والفصائل، وإخضاع المنافذ الحدودية، والموانئ، والمشاريع الاستثمارية للرقابة المالية المباشرة للدولة. إن قطع شريان التمويل الموازي يحول دون قدرة النخب الحاكمة على استخدام المال العام لشراء الولاءات الشعبية وإبقاء المواطن في حالة تبعية اقتصادية دائمة.
3. بناء اقتصاد المواطنة وتحرير اليد العاملة
إن تحرير المواطن من عقدة التزلف للجلاد يمر عبر تأمين الحد الأدنى من الكرامة الاقتصادية الاستقلالية. يتطلب ذلك الانتقال من دولة التعيينات الزبائنية إلى دعم القطاعات الإنتاجية الحقيقية (الصناعة، الزراعة الحديثة، السياحة والخدمات) التي تُخرج الفرد من الحاجة إلى الوساطة الحزبية أو العشائرية للحصول على رزقه، مما يكفل استقلالية رأيه السياسي والانتخابي. مع تحديد النسل لمنع انتاج الفقر والذل والجهل الذي يستند له رجال الدين والاقطاع وايران!
4. ثورة تعليمية وتحديث الوعي الجمعي
تستمد السلطات التسلطية استمراريتها من تجهيل المجتمع وإغراقه في خطابات طائفية وعشائرية تغيب الوعي الطبقي والمدني. إن حسم المأساة يستدعي تحديث الشامل للمناهج التعليمية وتنقيتها من تكريس التبعية والسلالية، مع دعم الفضاءات الثقافية والإعلامية المستقلة التي تؤسس لمفهوم المواطنة الفردية والحقوق المدنية بدلاً من الانتماء الفرعي المخصي للإرادة.
5. إنهاء التبعية الخارجية وإنفاذ سيادة القانون
لا يمكن قطع دابر الإقطاع والمليشيات دون تجفيف أدوار الرعاية الخارجية التي توفر الحماية والتوجيه لهذه القوى. يتطلب ذلك بناء عقيدة دبلوماسية وسياسية تعتمد على التوازن وتجريم الاتصال غير الرسمي بالجهات الخارجية، واعتبار أي ارتباط تنظيم مع دولة أجنبية خيانة عظمى تُسقط الحق في العمل السياسي والديني والاجتماعي داخل البلاد.