في العراق تبدو المفارقة لافتة: كيف يمكن لجماعة اجتماعية ـ سياسية واسعة، تمتلك حضوراً سكانياً كبيراً، وموارد اقتصادية وجغرافية هائلة، وشبكات عشائرية ودينية وسياسية، وذاكرة تاريخية عميقة، أن تعيش مع ذلك شعوراً متكرراً بأن وجودها مهدد، وأن عليها أن تبقى في حالة دفاع مستمر؟
هذا السؤال لا يتعلق بالشيعة وحدهم، بل يكشف واحدة من أعقد مفارقات الدولة العراقية الحديثة: قد تمتلك الجماعة عناصر القوة، لكنها لا تشعر بالضرورة بالأمان. وقد تكون الأقلية أقل امتلاكاً للقوة المادية، لكنها أكثر شعوراً بالاطمئنان.
ربما تكمن المفارقة في أن القوة العددية والاقتصادية لا تتحول تلقائياً إلى قوة سياسية مستقرة. فامتلاك الأرض والموارد الطبيعية لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على إنتاج نظام سياسي يشعر الجميع داخله بالأمان. وامتلاك المرجعية الدينية والعشائر والشبكات الاجتماعية لا يعني أن هذه القوى تعمل دائماً في اتجاه واحد. بل قد تتحول كثرة مراكز القوة نفسها إلى مصدر للقلق عندما تتنافس على تعريف المصالح والتمثيل والقرار.
ثم هناك عامل آخر أكثر عمقاً: الذاكرة التاريخية.
فالمخيال الشيعي العراقي لم يتشكل حول تجربة انتصار سياسي مستقر بقدر ما تشكل حول تجربة المظلومية، والصبر، والتضحية، ومواجهة السلطة الجائرة. ومن هنا أصبح تاريخ علي بن أبي طالب، ثم واقعة كربلاء، وما تلاها من تجارب القمع والإقصاء، جزءاً من الوعي السياسي والأخلاقي للجماعة. هذه الذاكرة لا تمنح الإنسان القوة فقط؛ قد تجعله أيضاً شديد الحساسية تجاه احتمال تكرار المأساة.
وهنا يظهر السؤال الأكثر إثارة للجدل: هل تحولت أخلاق المظلومية إلى أسلوب في النظر إلى السياسة؟
لقد ترك نهج علي، كما تفهمه الذاكرة الشيعية، نموذجاً أخلاقياً يضع العدالة فوق الغلبة، والمبدأ فوق المصلحة، والكرامة فوق التسوية. وهذه قيم تمنح الجماعة تماسكاً أخلاقياً استثنائياً، لكنها قد تضعها في مواجهة دائمة مع عالم السياسة الذي لا تحكمه الأخلاق وحدها.
فالسياسة، في واقعها العراقي والإقليمي، تقوم أيضاً على موازين القوى، والتحالفات، والتسويات، وإدارة المصالح، وقراءة التحولات الدولية. ومن هنا يمكن أن ينشأ التناقض: هل يستطيع مجتمع يحمل ذاكرة تاريخية تقوم على مقاومة الظلم أن يتحول، عندما يصبح شريكاً رئيسياً في السلطة، من ثقافة المعارضة إلى ثقافة الدولة؟
ربما لا تكمن المشكلة في التمسك بعلي، بل في السؤال عن كيفية ترجمة قيم علي إلى دولة حديثة.
فالعدل، إذا تحول إلى مؤسسات، يصبح دولة قانون. والتضحية، إذا تحولت إلى مسؤولية عامة، تصبح خدمة وطنية. والمرجعية الأخلاقية، إذا تحولت إلى ثقافة سياسية، يمكن أن تنتج حكماً رشيداً. أما إذا بقيت هذه القيم في مستوى الذاكرة والرمز والمواجهة، فقد تستمر الجماعة في التعامل مع السياسة باعتبارها معركة وجود، حتى بعد امتلاكها جزءاً كبيراً من أدوات السلطة.
وهنا نصل إلى العامل الإقليمي والدولي.
العراق ليس دولة تتحرك داخل فراغ. إنه يقع في قلب صراع إقليمي ودولي شديد التعقيد. والشيعة العراقيون، بحكم موقعهم التاريخي والسياسي، وجدوا أنفسهم في كثير من الأحيان داخل شبكة من الصراعات تتجاوز الحدود العراقية. ولذلك فإن جزءاً من الشعور بالتهديد قد لا يكون نابعاً من الواقع الداخلي وحده، بل من إدراك أن أي تغير في موازين القوى الإقليمية يمكن أن ينعكس سريعاً على الداخل العراقي.
لكن هل يعني ذلك أنهم غير قادرين على مجاراة السياسة الدولية؟
ربما المشكلة ليست عدم القدرة بقدر ما هي صعوبة الانتقال من عقلية الجماعة التي تبحث عن الحماية إلى عقلية الدولة التي تبحث عن التوازن.
الجماعة تخشى فقدان السلطة، أما الدولة فتستطيع تداول السلطة. الجماعة تبحث عن الضمانات، أما الدولة فتبني المؤسسات. الجماعة تتذكر الخطر، أما الدولة فتحاول منع إنتاج الخطر أصلاً.
ومن هنا يمكن تفسير جانب من شعور بعض الأقليات العراقية بالاطمئنان النسبي. فالأقلية التي تدرك أنها ليست قادرة على السيطرة على الدولة قد تجد مصلحتها في دولة محايدة وقوية تحمي الجميع. أما الجماعة الأكبر، حين تشعر أن الدولة مرتبطة بوجودها ومصيرها، فقد تصبح أكثر حساسية تجاه أي تغيير سياسي أو أمني، وبالتالي أكثر شعوراً بالتهديد.
وهذه مفارقة تستحق التأمل:
قد يكون صاحب القوة أكثر خوفاً من فقدانها، بينما يكون من لا يملكها أكثر استعداداً للبحث عن حماية الدولة.
لذلك ربما لا يكون السؤال الحقيقي: لماذا يدافع الشيعة عن وجودهم وهم يمتلكون عناصر القوة؟
بل السؤال الأعمق هو:
لماذا لم تتحول عناصر القوة التي يمتلكها الشيعة العراقيون إلى شعور مستقر بالأمان؟
هل السبب في طبيعة الثقافة السياسية التي تشكلت عبر قرون من المظلومية؟
أم في بنية الدولة العراقية التي لم تستطع حتى الآن إنتاج مواطنة تتجاوز الانتماءات الطائفية؟
أم في التدخلات الإقليمية والدولية التي جعلت العراق ساحة لصراعات الآخرين؟
أم أن المشكلة تكمن في النخب السياسية نفسها، التي تجد في إبقاء المجتمع داخل حالة الخوف والتعبئة وسيلة للحفاظ على نفوذها؟
وربما تكون الإجابة في اجتماع هذه العوامل كلها.
إن أكبر اختبار أمام الشيعة في العراق اليوم ليس إثبات أنهم قادرون على الدفاع عن وجودهم؛ فقد أثبت التاريخ أنهم قادرون على التضحية والتحمل. الاختبار الأصعب هو الانتقال من عقلية الدفاع عن الوجود إلى بناء دولة لا يحتاج فيها أي مكوّن عراقي إلى الدفاع عن وجوده.
وهنا تحديداً يصبح نهج علي أكثر من ذاكرة تاريخية. فإذا كان العدل هو جوهر ذلك النهج، فإن الاختبار الحقيقي ليس مقدار القوة التي يمتلكها الشيعة، وإنما قدرتهم على استخدام القوة لبناء نظام يشعر فيه حتى خصومهم وأقلياتهم بالأمان.
عندها فقط تتوقف السياسة عن كونها معركة بين جماعات خائفة، وتتحول إلى منافسة بين مواطنين داخل دولة واحدة.
فالدولة التي تجعل الأغلبية تخاف على وجودها، والأقليات تخاف من الأغلبية، ليست دولة منتصرة؛ إنها دولة لم تنجح بعد في تحويل القوة إلى أمان