
من داخل مزارع روس 308 – دجاج لا يستطيع الوقوف والمشي
إيهاب مقبل
من العراق وسوريا ولبنان والأردن ومصر، مرورًا بالسعودية ودول الخليج وتركيا والهند، وصولًا إلى السويد ودول أوروبية أخرى، ينتشر في صناعة الدواجن خط وراثي أصبح من أشهر خطوط إنتاج الدجاج اللاحم في العالم: «Ross 308». وقد صُمم هذا الخط لتحقيق معدلات نمو مرتفعة وكفاءة عالية في تحويل العلف إلى لحم، الأمر الذي جعله خيارًا مهمًا في صناعة تعتمد على إنتاج كميات كبيرة من الدجاج خلال أقصر فترة ممكنة. وتصف شركة Aviagen الأمريكية، والمملوكة لمجموعة EW Group الألمانية، المالكة لعلامة «روس 308» بأنه أحد أكثر خطوط الدجاج اللاحم انتشارًا عالميًا، وتؤكد أن برامجها الوراثية تركز أيضًا على الصحة ورفاه الحيوان.
لكن خلف هذه الكفاءة الإنتاجية قصة أخرى بدأت تستحوذ على اهتمام الباحثين ومنظمات الرفق بالحيوان وبعض المستهلكين: ماذا يحدث لجسم الطائر عندما ينمو بهذه السرعة؟ وهل يستطيع الهيكل العظمي والساقان والقلب والجهاز التنفسي مواكبة الزيادة الكبيرة في الوزن خلال أسابيع قليلة؟
في السويد، أعاد تقرير تلفزيوني نشرته القناة الرابعة في 26 أغسطس آب 2026، هذا الملف إلى الواجهة، بعدما عرض مشاهد من داخل مزارع للدجاج، قال التقرير إنها تظهر طيورًا تعاني من صعوبة في الوقوف والمشي، وبعضها يبدو وكأنه يعاني من صعوبة في التنفس. وقد أثارت المشاهد انتقادات من خبراء في صحة وسلوك الدجاج، في حين رفض قطاع الدواجن السويدي الصورة العامة التي قدمها التقرير.
القضية، إذن، لا تتعلق فقط بنوع الدجاج الذي يصل إلى موائد المستهلكين، وإنما بطريقة إنتاج الغذاء نفسها، وبالحدود التي يمكن أن يصل إليها الانتخاب الوراثي، وبالمسؤولية الأخلاقية تجاه الحيوان الذي يُربى من أجل الغذاء.
وراء النمو السريع برنامج وراثي طويل
روس 308 ليس اسمًا تجاريًا لمنتج يراه المستهلك عادة على عبوة الدجاج، وإنما هو خط وراثي تجاري جرى تطويره من خلال برامج متواصلة للانتخاب الوراثي.
وتعمل هذه البرامج على اختيار الطيور التي تحقق صفات مرغوبة اقتصاديًا وإنتاجيًا، مثل سرعة النمو وكفاءة تحويل العلف وإنتاج اللحم، إلى جانب صفات تتعلق بالصحة والقدرة التناسلية وجودة المنتج.
وتقول Aviagen إن أكثر من ثلث التركيز الانتخابي في برامجها يوجه إلى صفات الصحة ورفاه الحيوان، وإنها تتابع مؤشرات مثل صحة الساقين والمشي، وتستهدف تحسينها بالتوازي مع الكفاءة الإنتاجية. كما تشير الشركة إلى تحسن وراثي في صحة الساقين ومؤشرات المشي لدى روس 308 في برامجها.
وهذا يعني أن الشركة المنتجة لا تقدم روس 308 باعتباره خطًا وراثيًا يهتم بالنمو فقط، بل تقول إن الهدف هو تحقيق توازن بين النمو والصحة والرفاه والكفاءة. لكن منتقدي النمو السريع يرون أن المشكلة قد تكون مرتبطة بمعدل النمو نفسه، حتى مع تحسن بعض الصفات الصحية بمرور الوقت.
الفرق بين روس 308 والدجاج التقليدي
يتمثل الفرق الأساسي بين روس 308 والدجاج التقليدي أو بطيء النمو في سرعة اكتساب الوزن. فروس 308 صُمم وراثيًا للنمو السريع، ويمكن أن يصل إلى نحو 2 كغم خلال خمسة أسابيع تقريبًا، بينما يحتاج الدجاج بطيء النمو إلى فترة أطول بكثير للوصول إلى وزن مماثل. وهذه السرعة تمنح روس 308 ميزة إنتاجية واضحة، لكنها ترتبط أيضًا بمخاوف تتعلق بصحة الساقين والحركة لدى بعض الطيور.
أما من الناحية الغذائية، فلا يعني الحجم الأكبر أن روس 308 يحتوي بالضرورة على بروتين أكثر. فقد وجدت بعض الدراسات أن الدجاج المحلي أو بطيء النمو يمكن أن يحتوي على نسبة بروتين أعلى ودهون أقل، وأن يكون أغنى ببعض الأحماض الدهنية غير المشبعة، ومنها بعض أحماض أوميغا 3. لكن النتائج تختلف بحسب السلالة والعلف وعمر الطائر وطريقة التربية.
وبالتالي، لا يمكن القول إن روس 308 ضار للإنسان أو أن الدجاج التقليدي أكثر صحة بشكل مطلق؛ فالفرق الأوضح بينهما يتعلق بسرعة النمو والإنتاجية، بينما تختلف القيمة الغذائية بحسب ظروف التربية والتركيب الغذائي للحوم.
عندما يصبح الوزن عبئًا
يمثل النمو السريع أحد أبرز أسباب النجاح التجاري للدجاج اللاحم الحديث. فالطائر يستطيع الوصول إلى وزن تسويقي مرتفع خلال فترة قصيرة، ما يسمح للمزارع بإنتاج أعداد كبيرة من الطيور خلال العام.
لكن النمو السريع يمكن أن يرتبط أيضًا بزيادة مخاطر بعض مشكلات الرفاه، ولا سيما اضطرابات الساقين والقدمين وصعوبة الحركة وبعض المشكلات المرتبطة بالقلب والدورة الدموية.
وتتأثر الحالة الصحية للطائر كذلك بعوامل عديدة داخل المزرعة، من بينها كثافة التربية، وجودة الفرشة، والتهوية، ودرجة الحرارة، والتغذية، وتوفير المياه، والنظافة والرعاية البيطرية.
ولهذا لا يمكن القول إن كل طيور روس 308 تعاني من عدم القدرة على المشي. الأدق أن النمو السريع يمثل أحد العوامل التي يمكن أن تزيد مخاطر بعض مشكلات الوقوف والمشي، وأن شدة هذه المشكلات تختلف باختلاف الخط الوراثي وظروف التربية والإدارة.
وهنا تكمن إحدى نقاط الخلاف الأساسية بين صناعة الدواجن ومنظمات الرفق بالحيوان.
السويد تفتح نافذة على داخل الحظائر
في تقرير بثته القناة الرابعة السويدية، ظهرت مقاطع مصورة من داخل عدد من مزارع الدجاج، قال التقرير إنها تظهر طيورًا تعاني من صعوبة في الوقوف أو المشي، وبعضها بدا وكأنه يلهث أو يتنفس بصعوبة.
وبحسب التقرير، فقد صُورت المواد سرًا داخل حظائر الدجاج خلال ربيع 2026، واطلع عليها عدد من الخبراء والباحثين.
ونقل التقرير عن بو ألغيرس، الأستاذ الفخري في الجامعة السويدية للعلوم الزراعية، وصفه للمشاهد بأنها مؤلمة ومحزنة، وربطه بين بعض المشكلات الظاهرة وسرعة النمو، مشيرًا إلى أن نمو العظام قد لا يواكب بالضرورة الزيادة السريعة في وزن الجسم.
كما نقلت القناة عن الباحثة لويز هيدلوند من جامعة لينشوبينغ أن بعض الطيور قد تواجه صعوبة في تحمل وزن أجسامها، الأمر الذي يمكن أن يفسر انخفاض الحركة والبقاء مستلقية لفترات طويلة.
وشاهد المقاطع أيضًا بير ينسن، الأستاذ الفخري في علم سلوك الحيوان بجامعة لينشوبينغ، وقال إن بعض المشاهد العامة أظهرت عددًا كبيرًا من الطيور مستلقية، مع ملاحظة تنفس سريع أو لهاث لدى بعض الطيور.
وخلص ينسن، وفق التقرير، إلى أن تقديره الشخصي هو أن هذه الطيور لا تعيش حياة جيدة، بالنظر إلى قصر حياتها وشدتها والمشكلات التي يعاني منها جزء منها.
في المقابل، رفضت منظمة الطائر السويدي، والتي تمثل صناعة الدواجن السويدية، الصورة التي عرضها التقرير، وقالت إنها لا تتعرف على هذا الوصف، مؤكدة أن الدجاج يكون بحالة جيدة عندما يكون سليمًا ويحصل على الرعاية المناسبة.
الجانب الأخلاقي.. هل الكفاءة تبرر كل شيء؟
بعيدًا عن الحسابات الاقتصادية، تطرح قصة روس 308 سؤالًا أخلاقيًا يتعلق بحدود استخدام الانتخاب الوراثي في الحيوانات التي يربيها الإنسان من أجل الغذاء.
فالإنسان لم يكتفِ بتربية الدجاج، بل أعاد تشكيل خصائصه الوراثية على مدى عقود لتحقيق هدف محدد، وهو الحصول على كمية أكبر من اللحم خلال وقت أقصر وباستخدام أقل قدر ممكن من العلف.
ومن الناحية الاقتصادية، يبدو هذا التطور منطقيًا. فكل يوم إضافي يقضيه الطائر في المزرعة يعني تكاليف إضافية، وكل تحسن في تحويل العلف إلى وزن يعني كفاءة أعلى وربحية أفضل.
لكن الأخلاق تضيف معيارًا آخر إلى الحسابات الاقتصادية: هل ينبغي أن يكون مقدار اللحم الذي ينتجه الحيوان أهم من قدرته على الحركة والعيش بصورة طبيعية؟
إذا كان الطائر يستطيع الحركة والوصول إلى الماء والعلف والقيام بسلوكياته الطبيعية، فإن القضية تختلف عن حالة طائر يعاني من صعوبة واضحة في الوقوف أو المشي بسبب وزن جسمه أو نموه.
ولهذا أصبح مفهوم رفاه الحيوان أكثر حضورًا في النقاش حول الدجاج سريع النمو. فنجاح الصناعة لا يُقاس فقط بعدد الكيلوغرامات المنتجة، بل يمكن أن يقاس أيضًا بنسبة الطيور القادرة على الحركة، ومعدلات الإصابات، وصحة الساقين، ومستوى النشاط، والقدرة على الوصول إلى الغذاء والماء.
الحيوان بين كونه كائنًا حيًا وكونه منتجًا
في صناعة الدواجن الحديثة، يمكن قياس أداء الطائر بأرقام دقيقة: معدل النمو، استهلاك العلف، الوزن عند الذبح، ونسبة اللحم الناتج.
لكن الجانب الأخلاقي يطالب بإضافة أرقام أخرى إلى هذه المعادلة: كم طائرًا يعاني من مشكلة في المشي؟ كم منها يصاب بمشكلات في الساقين؟ كم منها يبقى مستلقيًا لفترات طويلة؟ وهل تستطيع الطيور الوصول إلى العلف والماء بصورة طبيعية؟
هذه الأسئلة لا تعني رفض تربية الحيوانات من أجل الغذاء، لكنها تضع حدًا أخلاقيًا لفكرة أن الحيوان يمكن التعامل معه باعتباره مجرد «وحدة إنتاج رأسمالية».
وتزداد أهمية هذه المسألة عندما تكون بعض الصفات التي يركز عليها الانتخاب الوراثي مرتبطة مباشرة بزيادة الإنتاج، في حين يمكن أن تكون لها آثار جانبية على رفاه الحيوان إذا تجاوز النمو قدرة الجسم على مواكبته.
المسؤولية موزعة بين الصناعة والمربي والمستهلك
لا تقع المسؤولية عن رفاه الدجاج على المزارع وحده. فالنظام بأكمله يؤثر في النتيجة، ابتداءً من الشركات التي تطور الخطوط الوراثية، مرورًا بشركات الأعلاف والمربين، وانتهاءً بالمسالخ والمتاجر والمستهلكين.
المربي مسؤول عن توفير البيئة المناسبة والرعاية البيطرية والتعامل مع الطيور التي تعاني من المرض أو الإصابة، لكن المربي يعمل أيضًا داخل سوق يطلب إنتاجًا سريعًا وبأسعار منخفضة.
أما شركات الوراثة، فتواجه مسؤولية الموازنة بين تحسين سرعة النمو والإنتاج وبين المحافظة على صحة الطائر وقدرته على الحركة.
وتقع على الحكومات مسؤولية وضع معايير واضحة وقابلة للقياس لرفاه الحيوان ومراقبة تطبيقها.
أما المستهلك، فقد يبدو أبعد أطراف السلسلة عن القرار، لكنه في النهاية يملك قدرة على التأثير من خلال ما يشتريه وما يقبله من أسعار ومعايير إنتاج.
ثمن الدجاج الرخيص
من السهل النظر إلى التحول نحو الدجاج الأبطأ نموًا باعتباره حلًا أخلاقيًا مباشرًا، لكن المسألة أكثر تعقيدًا.
فالخطوط الأبطأ نموًا تحتاج عادة إلى فترة أطول للوصول إلى الوزن التسويقي، وقد تتطلب مزيدًا من العلف والموارد لكل كيلوغرام من اللحم المنتج، وهو ما يمكن أن يرفع التكلفة النهائية.
وهذا يخلق مفاضلة بين ثلاثة اعتبارات: سعر الغذاء، وكفاءة الإنتاج، ورفاه الحيوان.
وفي البلدان التي يعتمد فيها ملايين الأشخاص على الدجاج بوصفه مصدرًا اقتصاديًا للبروتين، قد يؤدي ارتفاع الأسعار إلى آثار اجتماعية لا يمكن تجاهلها.
ولهذا فإن التحول الأخلاقي لا ينبغي أن يعني ببساطة نقل التكلفة إلى المستهلك، بل البحث عن أنظمة إنتاج تستطيع تحسين رفاه الحيوان مع الحفاظ على كفاءة اقتصادية معقولة.
من تركيا إلى العالم العربي
انتشر روس 308 خارج الأسواق الأوروبية منذ عقود، وأصبح جزءًا من صناعة الدواجن في مناطق مختلفة من العالم، ومنها تركيا والهند والدول العربية.
وتدخل الخطوط الوراثية التجارية إلى هذه الأسواق عبر شركات وموزعين ومفاقس تعمل في مجال أصول الدواجن، قبل أن تصل إلى المزارع التي تنتج الدجاج اللاحم.
في مصر، تأسست Wadi Group عام 1984 وبدأت نشاطها بعملية صغيرة في مجال الدواجن. وبعد أقل من عقد، بدأت شراكتها مع Aviagen في مجال روس، إذ أصبحت موزعًا لروس 308 في السوق المصرية منذ عام 1992.
وفي سوريا، انتقلت دواجن الصياد عام 1998 إلى مرحلة جديدة بإدخال أجداد روس إلى نشاطها، لتصبح لاحقًا موزعًا معتمدًا لخط روس 308 في سوريا، وتستمر شراكتها مع Aviagen منذ ذلك الوقت.
وفي السعودية ودول الخليج واليمن، ترتبط شبكة روس بشركة Pure Breed Poultry Company، التي تتولى توزيع أمهات روس في هذه الأسواق. ووفقًا لـAviagen، بدأ التعاون بين Pure Breed وAviagen نحو عام 2001، واستمر لسنوات طويلة، مع ترسيخ روس 308 كأحد الخطوط الرئيسية في المنطقة. وفي السعودية، تعد Al Watania Poultry من الشركات التي تستخدم روس 308 في نشاطها الإنتاجي، وقد وثقت Aviagen علاقتها بالخط منذ عام 2015 على الأقل، بينما وصفتها في عام 2017 بأنها من عملاء روس 308 في البلاد.
وفي عام 2008 أعلنت Aviagen أن شركة Rasun Ltd، وهي جزء من Vano Group ومقرها أربيل، أصبحت المورّد الرسمي لروس 308 في العراق، وأنها بدأت توريدها للسوق المحلي في نهاية مايو أيار 2008.
وتوجد كذلك قنوات مرتبطة بشبكة روس في أسواق مثل الأردن ولبنان وعُمان.
ولا يعني وجود هذه الشركات أو الموزعين أن كل الدجاج المنتج أو المباع في هذه الدول هو روس 308، إذ تستخدم صناعة الدواجن خطوطًا وراثية متعددة، وقد تختلف حصة كل خط من سوق إلى آخر.
لا يعرف المستهلك نوع الدجاج الذي يأكله!
عندما يشتري المستهلك دجاجة من المتجر، فإنه غالبًا يرى اسم الشركة والعلامة التجارية وبلد المنشأ والوزن وتاريخ الإنتاج والصلاحية، لكنه لا يرى اسم الخط الوراثي الذي ينتمي إليه الطائر.
والسبب أن روس 308 ليس بالضرورة اسم المنتج النهائي، وإنما اسم الخط الوراثي المستخدم في مراحل إنتاج الدجاج.
ولهذا يمكن أن يكون الدجاج الذي يصل إلى المستهلك من روس 308 من دون أن تحمل العبوة كلمة «Ross 308».
وهنا تبرز قضية الشفافية. فإذا كان المستهلك يهتم بطريقة إنتاج الغذاء وبرفاه الحيوان، فإن معرفة الخط الوراثي ونظام التربية يمكن أن تمنحه معلومات إضافية تساعده في اتخاذ قراره.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن تكتب كل عبوة اسم الخط الوراثي، لكن تزايد اهتمام المستهلكين برفاه الحيوان قد يدفع الصناعة مستقبلًا إلى تقديم معلومات أكثر عن طريقة الإنتاج.
رفاه الحيوان لا يعني أن اللحم غير آمن
من الضروري الفصل بين قضيتين مختلفتين غالبًا ما تختلطان في النقاش العام. الأولى هي كيف عاش الدجاج وما مستوى رفاهه، والثانية هي هل اللحم الذي وصل إلى المستهلك آمن؟
وجود مشكلة في رفاه بعض الطيور لا يعني تلقائيًا أن لحم روس 308 يسبب المرض للإنسان.
ولا توجد أدلة قوية حتى الآن تسمح بالقول إن تناول لحم روس 308 بحد ذاته يسبب أمراضًا للإنسان لمجرد أن الطائر ينتمي إلى هذا الخط الوراثي.
سلامة اللحم ترتبط بصورة أكبر بالرقابة البيطرية والغذائية، وسلامة الذبح والتجهيز، ومنع التلوث، وسلسلة التبريد، والتخزين والطهي السليم.
وبالتالي، فإن المخاوف الأخلاقية والعلمية بشأن روس 308 تتعلق أساسًا بصحة الطائر ورفاهه أثناء حياته، وليس بإثبات أن لحمه غير صالح للاستهلاك.
المضادات الحيوية قضية مختلفة
يرتبط النقاش حول الدجاج سريع النمو أحيانًا باستخدام المضادات الحيوية، لكن لا يمكن اعتبار سرعة النمو دليلًا على استخدام المضادات الحيوية.
فكون الطائر من روس 308 لا يعني تلقائيًا أنه تلقى مضادات حيوية، كما أن الدجاج الأبطأ نموًا لا يعني بالضرورة أنه لم يتلقها.
المسألة الصحية الأساسية هنا هي الاستخدام المسؤول للأدوية والرقابة على استخدامها والالتزام بفترات السحب المقررة، لأن الاستخدام غير الضروري للمضادات الحيوية يمكن أن يسهم في مشكلة مقاومة الميكروبات.
وهذه قضية تتعلق بنظام الإنتاج والرقابة البيطرية، وليس باسم الخط الوراثي وحده.
العضوي ليس بالضرورة بطيء النمو
كما يختلط على بعض المستهلكين الفرق بين الدجاج العضوي والدجاج بطيء النمو. فالعضوية تشير إلى نظام إنتاج يخضع لمعايير محددة تتعلق بالتغذية والتربية والأدوية وغيرها، بينما يشير «بطيء النمو» إلى خصائص وراثية ومعدل نمو الطائر.
وبالتالي يمكن أن يكون الدجاج بطيء النمو غير عضوي، كما أن الدجاج العضوي ليس بالضرورة بطيء النمو.
أما من ناحية رفاه الحيوان، فقد أظهرت المقارنات بين خطوط مختلفة أن بعض الخطوط الأبطأ نموًا يمكن أن تحقق نتائج أفضل في مؤشرات الحركة وصحة الساقين، لكن هذه الميزة تأتي عادة مع فترة تربية أطول وتكلفة إنتاج أعلى.
أوروبا أمام نقاش متزايد
تحول الجدل حول روس 308 إلى قضية أوسع في أوروبا، مع زيادة الاهتمام بالخطوط الأبطأ نموًا وبمعايير رفاه الدجاج.
وفي النرويج، أعلنت صناعة الدواجن في يناير كانون الثاني 2026 اتفاقًا على التخلص التدريجي من روس 308 بحلول نهاية عام 2027، في خطوة وصفتها منظمات الرفق بالحيوان بأنها تقدم مهم في مجال رفاه الدجاج.
ويعكس القرار النرويجي تغيرًا في طريقة النظر إلى الدجاج اللاحم، إذ لم يعد معيار الإنتاج وحده كافيًا بالنسبة لبعض الأسواق، وأصبحت قدرة الطائر على الحركة وصحته طوال فترة التربية جزءًا من النقاش حول مستقبل الصناعة.
وفي المقابل، تؤكد Aviagen أن برامجها الوراثية تعمل على تحسين الصحة والرفاه بالتوازي مع الكفاءة، وتشير إلى تحسن مؤشرات صحة الساقين والمشي لدى روس 308 في بياناتها الميدانية.
وبذلك يبقى الجدل قائمًا بين اتجاهين: اتجاه يرى أن التطوير الوراثي يمكن أن يستمر مع تحسين الصفات الصحية، واتجاه يرى أن معدل النمو المرتفع نفسه ينبغي أن يتراجع لصالح خطوط أبطأ نموًا.
نحو تعريف مختلف لكفاءة الإنتاج
تكشف قصة روس 308 عن حاجة صناعة الدواجن إلى إعادة النظر في معنى «الكفاءة».
فالكفاءة ليست فقط عدد الكيلوغرامات التي ينتجها الطائر وكمية العلف التي يحتاج إليها، بل يمكن أن تشمل أيضًا قدرته على الحركة، وانخفاض الإصابات، وانخفاض النفوق، وصحة الساقين، وقدرته على الوصول إلى الطعام والماء والعيش في بيئة مناسبة.
وقد يكون التحدي الحقيقي أمام الصناعة هو تطوير طيور تستطيع تحقيق كفاءة إنتاجية مرتفعة من دون دفع ثمن ذلك في صورة تراجع في الرفاه.
وهذا لا يعني العودة إلى دجاج الماضي أو التخلي عن الانتخاب الوراثي، وإنما توجيه هذا التطور نحو توازن أفضل بين الإنتاج والصحة والرفاه والاستدامة.
الخلاصة
روس 308 يمثل واحدًا من أبرز نجاحات صناعة الدواجن الحديثة، لكنه في الوقت نفسه أصبح أحد أكثر خطوط الدجاج إثارة للنقاش حول رفاه الحيوان.
فالنمو السريع يمنح الصناعة قدرة كبيرة على إنتاج اللحم بكفاءة وتوفير الدجاج بأسعار مناسبة، لكنه يفرض في المقابل مسؤولية التأكد من أن سرعة النمو لا تؤدي إلى مشكلات صحية وحركية يمكن تجنبها باستخدام خطوط أكثر اعتدالًا.
ولا تثبت المشاهد التي عرضتها القناة الرابعة السويدية أن جميع دجاج روس 308 لا يستطيع الوقوف أو المشي، لكنها تقدم صورة مثيرة للجدل عن بعض الطيور وتعيد طرح سؤال رفاه الحيوان داخل المزارع.
وفي الجانب الآخر، تؤكد الشركة المطورة للخط أن الصحة والرفاه جزء أساسي من برامج الانتخاب الوراثي، وتعرض بيانات تشير إلى تحسن في صحة الساقين والمشي لدى روس 308.
أما القرار النرويجي بالتخلص التدريجي من روس 308 بحلول نهاية 2027 فيوضح أن بعض الأسواق بدأت بالفعل إعادة تقييم العلاقة بين سرعة النمو ورفاه الحيوان.
وبالنسبة للمستهلك العربي، الذي قد يشتري دجاجًا من روس 308 من دون أن يعرف ذلك، فإن القضية لا تتعلق بالخوف من تناول لحمه، إذ لا توجد أدلة تبرر وصفه بأنه ضار للإنسان لمجرد انتمائه إلى هذا الخط الوراثي. القضية الأهم تتعلق بكيفية إنتاج الغذاء، ومدى احترام معايير سلامة الغذاء ورفاه الحيوان والشفافية أمام المستهلك.
في النهاية، لا يمكن اختزال قصة روس 308 في عبارة «دجاج لا يستطيع المشي»، كما لا يمكن اختزالها في نجاح اقتصادي فقط. إنها قصة التطور السريع لصناعة غذائية أصبحت قادرة على التحكم في نمو الحيوان بدرجة غير مسبوقة، وأصبحت مطالبة في الوقت نفسه بالإجابة عن سؤال أخلاقي أساسي: إلى أي حد يمكن للإنسان أن يسرّع نمو حيوان من أجل إنتاج رأسمالي للغذاء، قبل أن تصبح الكفاءة عبئًا على الحيوان نفسه؟
وإذا كان الدجاج جزءًا من غذاء الإنسان، فإن رفاهه لا ينبغي أن يكون قضية منفصلة تمامًا عن الطريقة التي ننتج بها غذاءنا. فالطريق من المزرعة إلى المائدة لا يبدأ عند المتجر، وإنما يبدأ قبل ذلك بكثير، داخل الحظيرة، حيث يقضي الحيوان حياته القصيرة قبل أن يتحول إلى غذاء على موائد البشر.
مرفق: أفلام من داخل مزارع روس 308 – دجاج لا يستطيع الوقوف والمشي أو التنفس، القناة الرابعة السويدية، 26 أغسطس آب 2026
https://www.tv4play.se/klipp/b671e4507a2cb2caa32b/video-filmerna-inifran-uppfodarna-kycklingar-kan-inte-sta-och-ga-eller-andas
انتهى




