
الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة؛ مرحلة لا تُقاس فيها القوة بعدد الصواريخ فقط، بل بمن يملك المال، والموانئ، وطرق التجارة، وخطوط الإمداد.
إيران تواجه ضغطاً مزدوجاً: استنزافاً عسكرياً واقتصادياً من الخارج، وتآكلاً داخلياً تغذيه الاحتجاجات المتراكمة واتساع الفجوة بين النظام والمجتمع. لذلك لم يعد السؤال: كم تملك طهران من أدوات النفوذ؟ بل: إلى متى تستطيع تمويلها وحمايتها؟
روسيا بدورها تواجه اختباراً اقتصادياً واستراتيجياً فرضته الحرب واستنزاف الموارد. وقد لا يكون القادم انسحاباً روسياً شاملاً، بل إعادة انتشار تدريجية تعكس تغير الأولويات وتراجع القدرة على الحفاظ على جميع ساحات النفوذ.
أما تركيا فتتحرك في اتجاه مختلف؛ فهي تعيد توظيف موقعها الجغرافي، من سوريا إلى شرق المتوسط، ومن الطاقة إلى الممرات البحرية، لتتحول الجغرافيا إلى أداة قوة وتفاوض.
وفي قلب هذه التحولات يعود البحر إلى الواجهة. الموانئ والممرات البحرية وصناعة السفن لم تعد ملفات اقتصادية فقط، بل أصبحت جزءاً من الأمن القومي وصناعة النفوذ.
وهنا يمكن أن تتحول طرطوس إلى فرصة سورية استراتيجية: ليس مجرد ميناء، بل بوابة لصناعة بحرية تربط سوريا بالتجارة والطاقة والنقل الإقليمي.
نحن أمام شرق أوسط جديد لا يُرسم بالحدود وحدها، بل بخطوط الإمداد والموانئ ومصادر التمويل وممرات التجارة.
والقاعدة القادمة قد تكون بسيطة:
من يسيطر على البحر… يملك جزءاً كبيراً من شكل الشرق الأوسط القادم.
الباحثة في الشأن الدولي والإقليمي
كنانة خلف الكردي



