
إيهاب مقبل
مع اقتراب الانتخابات السويدية المقرر إجراؤها في 13 سبتمبر أيلول 2026، اتخذت قراري بالتصويت المبكر لحزب الاشتراكيين الديمقراطيين (Socialdemokraterna – S). هذا القرار لم يكن مبنيًا على سبب واحد، ولا على انتماء أيديولوجي مطلق، وإنما على مجموعة من القضايا التي أعتبرها مهمة بالنسبة إلى السويد والمجتمع الذي أعيش فيه، وكذلك بالنسبة إلى نظرتي إلى السياسة الداخلية والخارجية.
قد يختلف معي البعض في هذه الخيارات، وهذا أمر طبيعي. لكنني أرى أن التصويت يجب أن يكون مبنيًا على مقارنة البرامج والمواقف، وليس فقط على الشعارات أو الهجوم المتبادل بين الأحزاب. وهذه هي الأسباب العشرة الرئيسية التي دفعتني إلى اختيار S.
احترام الأديان ورفض حرق القرآن
من الأسباب التي جعلتني أميل إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي موقفه من قضية حرق القرآن والكتب الدينية. أنا أؤمن بحرية التعبير، وفي الوقت نفسه أؤمن بأن الحرية لا تعني الإساءة المتعمدة إلى معتقدات الآخرين، وأن حرية الفرد يجب أن تتوقف عندما تتحول إلى انتهاك لحقوق الآخرين وكرامتهم.
حزب S لا يؤيد حرق القرآن، وقد دعا إلى إيجاد حلول قانونية يمكن من خلالها منع أو تقييد حرق الكتب الدينية، مع ضرورة أن تكون القواعد القانونية عامة ولا تستهدف دينًا بعينه. بالنسبة لي، هذه نقطة مهمة، لأنني أريد سويدًا تحمي حرية التعبير، ولكنها في الوقت نفسه لا تسمح بتحويل الاستفزاز المتعمد للأديان إلى وسيلة لإثارة الكراهية والانقسام.
حرية المرأة في ارتداء الحجاب
في قضية الحجاب، أرى أن المبدأ الأهم هو حرية الاختيار. فلا أؤيد إجبار المرأة على خلع حجابها لمجرد أنها مسلمة. بالنسبة لي، من حق كل امرأة أن تختار ما يناسبها، وأن تمارس حريتها الشخصية ما دامت لا تضر بالآخرين.
ولهذا أجد نفسي أقرب إلى موقف الحزب الاشتراكي الديمقراطي (S)، الذي لا يدعو إلى حظر الحجاب على النساء بشكل عام. وأرى أن دور الدولة يجب أن يكون حماية حرية المرأة في اختيار ما ترتديه، وليس فرض لباس معين عليها.
الوظائف والأجور ودعم الأسر والأطفال
أحد أهم الأسباب التي دفعتني إلى اختيار S هو تركيزه على تحسين الظروف الاقتصادية للأسر والطبقة العاملة. الحزب يطرح سياسة تهدف إلى إعطاء أصحاب الدخول العادية مساحة أكبر في ميزانياتهم، إلى جانب رفع دعم الأطفال والطلاب وتعزيز دعم السكن للأسر التي تواجه أوضاعًا اقتصادية صعبة. كما يقترح الحزب في سياسته لعام 2026 خفض الضرائب على أصحاب الدخول العادية.
ومن الوعود التي أعلنها الحزب مضاعفة المساعدة المالية للأطفال في شهري يونيو حزيران وديسمبر كانون الأول، بما يعني 5 آلاف كرون إضافي سنويًا لعائلة لديها طفلان.
وهذا بالنسبة لي مهم جدًا، لأن السياسة الاقتصادية لا ينبغي أن تكون مجرد أرقام في الموازنة، بل يجب أن تنعكس على الحياة اليومية للعائلات والموظفين.
سياسة هجرة أكثر تنظيمًا وتشددًا
في السنوات الأخيرة تغير موقف الاشتراكيين الديمقراطيين من الهجرة مقارنةً بما كان عليه في السابق. وأنا أرى أن وجود سياسة هجرة واضحة ومنظمة أمر ضروري حتى تستطيع السويد التعامل مع الهجرة والاندماج بطريقة أفضل.
S يقول إن سياسة الهجرة المشددة ستستمر، ويركز في الوقت نفسه على الاندماج واللغة والعمل ومكافحة العزلة الاجتماعية.
أنا مع استقبال من يستحق الحماية وفق القانون، لكنني أعتقد أيضًا أن الدولة يجب أن تكون قادرة على تطبيق قوانينها، وأن يكون هناك نظام واضح للهجرة والإقامة والعودة لمن لا يملك حق البقاء.
مكافحة الجريمة بعقوبات أقوى وشرطة وسجون أكثر
الأمن بالنسبة لي ليس قضية يمين أو يسار، وإنما حق أساسي لكل إنسان يعيش في السويد. لذلك أؤيد توجه S نحو تشديد العقوبات على الجرائم الخطيرة والمتكررة، وزيادة عدد أفراد الشرطة، وتوسيع قدرة مصلحة السجون. وفي برنامجه الانتخابي الحالي يدعو الحزب إلى مزيد من الشرطة، وتشديد العقوبات، وتسريع توسعة السجون، إضافة إلى مكافحة تجنيد الأطفال والشباب في العصابات الإجرامية.
وأرى أن مواجهة الجريمة تحتاج إلى جانبين في الوقت نفسه: قوة القانون من جهة، والوقاية والتعليم والعمل من جهة أخرى. فالسجن ضروري لمن يرتكب جرائم خطيرة، لكن منع شاب من دخول عالم العصابات قبل أن يصبح مجرمًا أكثر أهمية للمجتمع على المدى الطويل.
تقوية المدارس الحكومية
المدرسة هي واحدة من أهم المؤسسات التي تحدد مستقبل المجتمع. لذلك أؤيد سياسة تهدف إلى تقوية المدارس الحكومية، وتحسين ظروف المعلمين والطلاب، وتقليل المشكلات المرتبطة بالاكتظاظ والتمييز بين المدارس والمناطق.
أنا أريد نظامًا تعليميًا يعطي الطفل، بغض النظر عن خلفية والديه أو دخلهما أو المنطقة التي يعيش فيها، فرصة حقيقية للنجاح. فالاستثمار في المدرسة ليس مجرد إنفاق حكومي، وإنما استثمار في مستقبل البلاد وفي مكافحة الجريمة والعزلة الاجتماعية على المدى الطويل.
تقوية القطاع الصحي وزيادة العاملين فيه
الصحة والرعاية الاجتماعية من أهم الأسباب التي تجعلني أميل إلى S. أؤمن بأن حصول الإنسان على الرعاية الصحية يجب ألا يعتمد بشكل أساسي على حجم دخله.
لذلك أؤيد زيادة الاستثمار في القطاع الصحي، وزيادة عدد العاملين فيه وتحسين ظروف العمل. السويد تحتاج إلى مستشفيات ورعاية صحية قادرة على التعامل مع أعداد السكان واحتياجاتهم، وإلى تقليل الضغط على العاملين في الرعاية الصحية.
بالنسبة لي، قوة الدولة لا تقاس فقط بحجم اقتصادها أو عدد الشركات الموجودة فيها، وإنما أيضًا بقدرتها على توفير الرعاية والتعليم والأمان لمواطنيها.
حقوق الأكراد وتقرير مصير الشعوب
كشخص يهتم بالقضية الكردية، فإن موقف الحزب من حقوق الأكراد مهم بالنسبة لي. أرى أن من حق الشعب الكردي أن يتمتع بحقوقه السياسية والثقافية واللغوية، وأن يعيش بكرامة وأمان، وأن تُحترم حقوق الإنسان في جميع الدول التي يعيش فيها الأكراد.
وفي الوقت نفسه، أجد أن موقف الحزب الاشتراكي الديمقراطي (S) أكثر حذرًا من بعض الأحزاب اليسارية الأخرى تجاه مسألة استقلال كردستان، ولذلك أجد هذا الموقف أقرب إلى رؤيتي السياسية. فأنا أؤمن بحق الأكراد في الحصول على حقوقهم كاملة، وفي إدارة شؤونهم وحماية هويتهم وثقافتهم، لكنني لا أرى أن الدعوة إلى استقلال كردستان في الظروف الحالية هي الطريق الأفضل لتحقيق ذلك.
برأيي، فإن أي مشروع للاستقلال الكردي في العراق أو سوريا أو تركيا أو إيران قد يؤدي إلى صراعات وتوترات كبيرة في المنطقة، نظرًا إلى تعقيد الأوضاع السياسية والأمنية وحساسية القضية بالنسبة إلى هذه الدول. لذلك أفضّل دعم حقوق الأكراد وحريتهم وكرامتهم، مع البحث عن حلول سياسية تضمن هذه الحقوق وتحافظ في الوقت نفسه على الاستقرار والسلام في المنطقة.
موقف أكثر ضغطًا على إسرائيل ودعم حقوق الفلسطينيين
القضية الفلسطينية أيضًا من الأسباب المهمة بالنسبة لي. أؤيد موقف S الذي يدعو إلى دعم الفلسطينيين، ودعم إعادة إعمار غزة، والضغط من أجل احترام القانون الدولي. كما يدعو الحزب إلى اتخاذ إجراءات أوروبية تجاه ما يسمى إسرائيل، من بينها الضغط المتعلق باتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، واتخاذ إجراءات ضد المستوطنين ومنتجات المستوطنات.
عراق مستقر وموحد
وأخيرًا، فإن العراق بالنسبة لي ليس مجرد قضية خارجية بعيدة. العراق بلد مهم في المنطقة العربية والإسلامية، واستقراره مصلحة لشعبه وللمنطقة كلها.
لذلك أؤيد أي سياسة سويدية وأوروبية تدعم عراقًا مستقرًا وتحترم سيادته ووحدة أراضيه، مع دعم حقوق جميع مكوناته القومية والدينية، ومن بينهم الأكراد والإيزيديون والمسيحيون والمندائيون وغيرهم.
أنا مع حصول الأكراد وبقية المكونات العراقية على حقوقهم الكاملة، ومع تطوير الحكم الرشيد، لكنني في الوقت نفسه أرى أن استقرار العراق ووحدته عاملان مهمان لمنع المزيد من الحروب والصراعات في المنطقة.
لماذا S وليس حزبًا آخر؟
في النهاية، لا أقول إن الاشتراكيين الديمقراطيين حزب كامل أو أنني أتفق معهم في كل موقف. لا يوجد حزب سياسي أوروبي أتفق معه في كل شيء. لكن الانتخابات بالنسبة لي ليست بحثًا عن حزب مثالي، وإنما اختيار الحزب الذي تتقاطع سياساته مع أكبر عدد من القضايا التي أؤمن بها.
ما جذبني إلى S هو أنهم يحاولون الجمع بين دولة رفاه قوية، ودعم الأسر والعمال، ومدارس وصحة أفضل، وسياسة أكثر تشددًا تجاه الجريمة والهجرة، مع موقف جاد في قضايا الحقوق والحريات والسياسة الخارجية.
كما أن الحزب في انتخابات 2026 يقدّم نفسه باعتباره حزبًا يريد التركيز مجددًا على حياة الأشخاص الذين يعملون ويعتمدون على الخدمات العامة، مع الجمع بين الرفاهية والأمن.
لهذه الأسباب، اخترت أن أصوّت مبكرًا للاشتراكيين الديمقراطيين.
قد يختلف معي البعض، وهذا حقهم الكامل، وأحترم هذا الاختلاف. لكنني أعتقد أن الحوار السياسي يصبح أكثر قوة وفائدة عندما يشرح كل شخص بهدوء الأسباب التي دفعته إلى اختيار حزبه، بدلًا من الاكتفاء بمهاجمة الآخرين أو التقليل من خياراتهم.
تصويتي لـS هو اختيار مبني على هذه القضايا العشر، وعلى قناعة بأن السويد تحتاج إلى دولة قوية في مكافحة الجريمة والهجرة غير المنظمة، وقوية أيضًا في التعليم والصحة والعدالة الاجتماعية، وتحترم الحريات الدينية وحقوق الإنسان، وتلعب دورًا مسؤولًا في قضايا العالم.
وفي 13 سبتمبر أيلول 2026، سيكون القرار في النهاية، وسيكون لصندوق الاقتراع الكلمة الأخيرة.
انتهى



