سبتمبر 6, 2026
LOGO

د. فاضل حسن شريف

تضمّن القرآن الكريم إشارات متعددة إلى جملة من المهن والحرف اليدوية التي مارسها الأنبياء عليهم السلام والأمم المختلفة، والتي شكّلت دعائم بناء الحضارات وعمارة الأرض. تتمثل أبرز المهن والحرف اليدوية المذكورة في القرآن الكريم في الآتي: الحدادة وصياغة المعادن: سيدنا داوود عليه السلام: ألأنّ الله له الحديد لصناعة الدروع الحصينة “وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ” (سبأ 10-11). ذو الرنين: اعتمد على الحدادة وسبك النحاس لبناء السد “آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ… قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا” (الكهف 96). الرعي: حرفة مشتركة بين معظم الأنبياء، ووردت صراحة في قصة سيدنا موسى عليه السلام عند شعيب “قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ” (القصص 27)، وقوله عن عصاه “وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي” (طه 18). الخياطة وغزل النسيج: أشار القرآن إلى صناعة الثياب والخيام من ألياف وحصائد أنعام البيئة “وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ” (النحل 80). البناء والهندسة المعمارية: سيدنا إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام: في بناء القواعد من البيت الحرام “وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ” (البقرة 127). فرعون وهامان: استخدام أجر الطين المطبوخ (الفخار) في البناء “فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا” (القصص 38). النحوت والإنشاءات الحجرية: قوم ثمود: تقطيع الصخور ونحت الجبال لبناء المنازل “وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ” (الفجر 9)، “وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ” (الشعراء 149). الزراعة والفلاحة: ذُكرت في مواضع كثيرة تصف حرث الأرض واستصلاحها “أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ” (الواقعة 63-64)، إضافة إلى تجربة سيدنا يوسف عليه السلام في إدارة وإشعار الزراعة لتخزين الحبوب “تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا” (يوسف 47). الغوص واستخراج اللؤلؤ والمرجان: صيد البحر واستخراج الحلي “وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا” (النحل 14)، إضافة إلى تسخير الشياطين لسليمان في الغوص “وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ” (ص 37). التجارة والملاحة البحرية: إشارة إلى رحلات الصيف والشتاء “إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ” (قريش 2)، وقيادة السفن التجارية “وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ” (البقرة 164).

يقدم التحليل الهندسي والميكانيكي لقوله تعالى: “قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ” (النحل 26) وصفاً دقيقاً لآلية الفشل الهيكلي الكامل (Progressive Collapse / Total Structural Failure) الذي يحدث للمنشآت الإنشائية عند تلف أو فشل أركان التأسيس الحاملة.تتضح المعاني الهندسية والميكانيكية للآية عبر المحاور التالية:1. مفهوم “القواعد” ووظيفتها في نقل الأحمال (Load Path) في الهندسة الإنشائية وميكانيك التربة، تعتمد سلامة أي منشأ على مسار نقل الأحمال (Load Path): تنقل الأسطح والأسرّة الأحمال الحية والميتة إلى الكمرات (Beams). تنقل الكمرات الأحمال إلى الأعمدة والجدران الحاملة (Columns / Load-Bearing Walls). تقوم الأعمدة والجدران بنقل مجموع الأحمال إلى القواعد والأساسات (Foundations). تقوم القواعد بتوزيع الإجهادات بأمان على التربة أسفلها.عندما ينص النص القرآني على “فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ” (النحل 26)، فإن التدمير أو الفشل الميكانيكي بدأ من النقطة الأكثر حروجاً في المبنى، وهي الأساسات التي تحمل وزن الهيكل كاملاً.2. ميكانيكية الفشل الهيكلي لآية “فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ” (النحل 26) يُعدّ انهيار السقف نتيجةً حتمية ومباشرة لفشل القواعد من منظور الميكانيكا الإنشائية:انعدام الدعم الإسنادي (Loss of Support): عندما تتعرض القواعد للانهيار أو الانخساف أو الهبوط التفاضلي الحاد (Differential Settlement)، تفقد العناصر الشاقولية (الأعمدة والجدران) ركيزتها السفلية، فتتحول من عناصر انضغاط متزنة إلى عناصر غير مستقرة معرضة للانبعاج والقص (Buckling & Shear Failure). انهيار السقف الفوقي (Progressive Structural Collapse):عندما تفشل الأعمدة الحاملة، يفقد السقف (Superstructure) نقاط إسناده فجأة. ولأن السقف يعتمد في اتزانه على وجود قوة رد فعل من القواعد نحو الأعلى، يقل تعادل القوى الهندسية، وتتغلب قوة الجاذبية الأرضية والأحمال الميتة للخرسانة أو حجارة السقف، فينهار السقف نحو الأسفل بشكل عمودي وسريع متدحرجاً (Overturning / Gravitational Failure).3 البُعد الجيوتقني وفشل التربة تحت القواعدقد يحدث الفشل في “القواعد” نتيجة عوامل ذات صلة بميكانيك التربة (Soil Mechanics): انهيار قدرة تحمل التربة (Bearing Capacity Failure): إذا انخفضت المقاومة الهيدروليكية أو زاد ضغط الماء المسامي أسفل القواعد، تفقد التربة تماسكها وتغوص القواعد داخل الأرض، مما يتسبب في تصدع واستئصال الأساس.الانخساف وتسييل التربة (Liquefaction): إذا تحولت التربة تحت القواعد إلى مادة سائِلة نتيجة هزة أرضية أو تسرب مائي، تنهار القواعد مفجعة الهيكل بأكمله.4. القيمة البلاغية والهندسية للعبارة “مِن فَوْقِهِمْ” رغم أن خرور السقف يكون طبيعياً من الأعلى، إلا أن التأكيد القرآني “مِن فَوْقِهِمْ” يتضمن بعداً هندسياً وديناميكياً:يؤكد على أن السقف لم يتشقق أو يتضرر جزئياً فقط، بل وقع سقوطاً كاملاً ومباشراً (Catastrophic Vertical Fall) على الشاغلين الموجودين بداخل المبنى.تشير إلى السرعة الفائقة لآلية الانهيار، إذ إن الفشل الميكانيكي المبتدئ من القواعد لا يترك فرصة للهرب، بل يجعل السقف يتداعى لأسفل تحت تأثير تسارع الجاذبية الأرضية. التحليل الميكانيكي والإنشائي: المفردة القرآنية المعنى والظاهرة الهندسية المقابلة “أَتَى” “مِّنَ الْقَوَاعِدِ” (النحل 26) بدء الانهيار من القواعد والأساسات الحاملة (Foundation/Base Failure). “فَخَرَّ” (النحل 26) السقوط والانهيار السريع المفاجئ تحت تأثير الجاذبية والأحمال الميتة. “السَّقْفُ” العناصر الإنشائية العلوية (Superstructure / Slab) التي تفقد نقاط إسنادها. “مِن فَوْقِهِمْ” (النحل 26) السقوط العمودي المباشر المتداعي الكامل (Progressive Catastrophic Collapse).

تناول الدكتور فاضل حسن شريف الإشارات القرآنية لـ هندسة الإنشاءات (Structural Engineering) من منظور ينظر للقرآن الكريم بوصفه نصاً يتضمن دلالات وأوصافاً متطابقة مع قوانين الميكانيكا الإنشائية، توازن القوى، ونظريات التصميم الهيكلي للمباني والمنشآت.تتلخص أبرز إشاراته التأملية والهندسية في مجال الإنشاءات ضمن المحاور التالية:1. النظام الإنشائي وتوزيع الأحمال (Structural Systems & Load Path) الأعمدة والمشيدات غير المرئية: يستشهد بآية: “خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا” (لقمان 10) و”اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا” (الرعد 2).التحليل الهندسي: يوضح د. شريف أن كلمة “عَمَد” هي الجمع الهندسي للعمود (Column)، وهو العنصر الشاقولي الأساسي لمقاومة إجهادات الانضغاط (Compression). الإشارة القرآنية تؤكد على وجود “قوى اتزان” ورفع تتطابق مع القوانين الفيزيائية (كالجاذبية والروابط الهيكلية) التي تعمل كمساند ومحاور رفع غير مرئية للمباني والكواكب على حد سواء.السقف والإنشاءات المعلقة (Slab & Shell Structures):يستدل بآية: “وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا” (الأنبياء 32).التحليل الهندسي: كلمة “سقف” تعبر عن بلاطة التغطية العلوية (Structural Slab / Shell)، والتي تمتلك خصائص التوزيع الأفقي للأحمال وحماية الفراغ الإنشائي الداخلي من المؤثرات الخارجية والقوى الجوية والفضائية.2. متانة المواد ومقاومة القص والانحناء (Material Science & Structural Integrity)الحديد والمنشآت المعدنية (Steel Structures): عند قوله تعالى: “وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ” (الحديد 25).التحليل الهندسي: يُبرز الباحث مصطلح “بَأْسٌ شَدِيدٌ” للتعبير عن الخواص الميكانيكية للحديد، وتحديداً قدرته العالية على تحمل إجهادات الشد (Tensile Strength) والضغط والقص، وهي الخواص التي تجعل منه المادة الأساسية لتدعيم الخرسانة (الخرسانة المسلحة) وإنشاء الهياكل المعدنية العملاقة. السبائك والربط الإنشائي (Structural Composites):في قصة ذي القرنين: “آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا” (الكهف 96). التحليل الهندسي: يراها د. شريف تطبيقاً متكاملاً للهندسة الإنشائية والمواد: زُبَرَ الْحَدِيدِ: كتل القطع المعدنية لإنشاء المنشأ الشبكي أو الكتلي. “سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ” (الكهف 96): معالجة الاستقامة والمحاذاة الميكانيكية للحدين (Alignment & Geometry). “أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا” (الكهف 96) (النحاس المذاب): ملء الفراغات وتكوين سبيكة متماسكة يقل فيها الخلل الهيكلي وتزداد صلابتها لتقاوم قوى الاختراق والقص الجانبي “فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا” (الكهف 97).

ويستطرد الدكتور فاضل حسن شريف قائلا: 3. سلامة الهياكل وآليات الفشل والإخفاق (Structural Failure Modes) ظاهرة الانبعاج والخرور (Buckling & Structural Collapse): في قوله تعالى: “فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ” (النحل 26).التحليل الهندسي: يمثل هذا النص آلية الفشل الهيكلي المتداعي (Progressive Collapse)، حيث يؤدي تلف المحاور السفلية والأساسات إلى فقدان الركائز المفاجئ، فتتحول بلاطة السقف إلى كتل حرّة السقوط تحت تأثير الجاذبية والأحمال الميتة. الترابط الهيكلي والكتلة الواحدة (Monolithic Structures):في قوله تعالى: “بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ” (الصف 4). التحليل الهندسي: “الرص” في ميكانيكا المواد والخرسانة يعني دك المكونات وتقليل نسبة الفجوات والفراغات (Void Ratio)، مما يجعل المنشأ يعمل كعنصر أحادي المتانة (Monolithic Action) توزيع الأحمال فيه متجانس ولا يعاني من نقاط ضعف موضعية. جدول ملخص: المفاهيم الإنشائية وعلاقتها بالنص القرآني عند د. فاضل شريف العنصر الإنشائي المفردة القرآنية المعنى الهندسي والميكانيكي الأعمدة (Columns) “بِغَيْرِ عَمَدٍ” (الرعد 2)العناصر الشاقولية لنقل أحمال الانضغاط. السقف والبلاطات (Slabs) “سَقْفًا مَّحْفُوظًا” (الأنبياء 32) العناصر الأفقية لحماية وتوزيع الأحمال. إجهاد الشد والصلابة “بَأْسٌ شَدِيدٌ” (الحديد 25) خواص الحديد الميكانيكية في مقاومة الأحمال. الهياكل المركبة (Composites) “زُبَرَ الْحَدِيدِ” (الكهف 96) “أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا” (الكهف 96) صب وتفريغ المعادن لتكوين جدار أو سد عالي الجساءة. الفشل الإنعكاسي “فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ” انهيار السقف نتيجة فقدان الدعم والإسناد السفلي.