سبتمبر 8, 2026
LOGO

براقش السعودية.. حين يتحول التصعيد إلى فخ

أحلام الصوفي

ليست كل ضربة انتصارا، وليس كل قصف دليلا على امتلاك زمام المبادرة. أحيانا تكون الضربة الأولى هي بداية المأزق، ويكون الاستعراض العسكري مجرد خطوة تقود صاحبها إلى نتائج لم يحسب حسابها. وفي الحالة اليمنية، تبدو السعودية وهي تعيد استخدام لغة التصعيد وكأنها تستدعي إلى الواجهة قصة براقش، لكن هذه المرة بملامح سياسية وعسكرية مختلفة: «على نفسها جنت براقش».
الضربات التي تطال عددا من المحافظات اليمنية، ومحاولة تقديمها إعلاميا باعتبارها انتصارا أو رسالة قوة، لا يمكن أن تحجب حقيقة المشهد. فاليمن الذي واجه حربا طويلة وحصارا قاسيا لم يعد كما كان قبل سنوات. لقد تغيرت طبيعة المواجهة، وتغيرت معها أدواتها وحساباتها، وأصبح من الصعب التعامل مع اليمن باعتباره ساحة يمكن فرض الإرادة عليها بالغارات والتهديدات.
المشكلة أن الرياض تبدو وكأنها تراهن مرة أخرى على المعادلة القديمة: قصف جوي، ضجيج إعلامي، وتحريك أدوات محلية، ثم انتظار انهيار الخصم. لكن هذه المعادلة جربت طويلا ولم تحقق الهدف الذي أعلنه أصحابها. ولذلك فإن العودة إليها اليوم لا تبدو انتصارا بقدر ما تبدو تكرارا لخطأ سبق أن أثبتت التجربة فشله.
وإذا كانت السعودية تعتقد أن الضربات ستمنح مرتزقتها قوة على الأرض أو ستغير موازين القوى، فإن الوقائع تقول إن المعارك لا تحسمها الحملات الإعلامية. القوة الحقيقية تقاس بالقدرة على الصمود، وبامتلاك القرار، وبالقدرة على تحمل تبعات المواجهة، وهذه عناصر أثبت اليمنيون خلال السنوات الماضية أنهم يمتلكون منها الكثير.
الأخطر من ذلك أن التصعيد لا يبقى محصورا في المكان الذي تبدأ منه القذيفة. فكل عمل عسكري يحمل معه احتمالات الرد، وكل تصعيد يفتح الباب أمام تصعيد مضاد، ومن يعتقد أنه يستطيع التحكم بمسار الأحداث بمجرد إطلاق شرارة المواجهة قد يكتشف لاحقا أن النار خرجت من نطاق السيطرة.
وهنا تظهر مفارقة براقش مرة أخرى.
فبراقش لم تكن بحاجة إلى عدو حتى تهلك، فقد قادها سلوكها إلى نهايتها. وكذلك فإن أخطر ما يمكن أن تفعله السعودية هو أن تجعل من اليمن ساحة جديدة لاختبار القوة، متناسية أن القوات المسلحة اليمنية باتت تمتلك خبرة قتالية كبيرة، وأنها أعلنت مرارا أن أي اعتداء لن يمر بلا تبعات.
لقد تغيرت قواعد اللعبة. لم يعد اليمن ينتظر ما ستفعله العواصم الأخرى حتى يحدد موقفه، ولم يعد القرار اليمني مرهونا بما تريده الرياض أو غيرها. ولذلك فإن محاولة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء لن تنتج سوى المزيد من التوتر، وربما تدفع المنطقة كلها نحو مسار لا يخدم أحدا.
أما الرهان على تسويق الضربات باعتبارها انتصارا، فهو رهان على الصورة لا على الحقيقة. قد تنجح البيانات في صناعة رواية مؤقتة، وقد تستطيع بعض المنصات الإعلامية تضخيم أثر الضربات، لكن الواقع الميداني والسياسي هو وحده الذي يحدد في النهاية من حقق أهدافه ومن دفع ثمن خياراته.
السعودية أمام حقيقة لا يمكن تجاهلها: اليمن ليس بلدا يمكن إخضاعه بالقوة، ولا شعبا يمكن دفعه إلى الاستسلام بمجرد تكثيف الضربات. وكلما اتسعت دائرة التصعيد، ازدادت احتمالات أن تتحول المعركة من ورقة ضغط إلى عبء استراتيجي.
لقد كان من الممكن أن تكون لغة الحوار والتهدئة أكثر فائدة للمنطقة من لغة القصف، وكان يمكن للرياض أن تدرك أن أمنها واستقرارها لا ينفصلان عن أمن اليمن واستقراره. لكن الإصرار على الخيار العسكري يعيد إنتاج الأزمة بدلا من حلها.
وفي السياسة، ليست الحكمة أن تعرف كيف تبدأ المعركة، وإنما أن تعرف كيف تنهيها، وما إذا كانت النتائج التي ستدفع ثمنها تستحق أصلا أن تبدأها.
لذلك، فإن السعودية وهي تختار طريق التصعيد، مطالبة بأن تنظر جيدا إلى المرآة قبل أن تنظر إلى اليمن. فقد يكون الخطر الحقيقي ليس فيما تريد أن تفعله بالخصم، بل فيما يمكن أن يترتب على أفعالها نفسها.
وبين براقش القديمة وبراقش السياسية المعاصرة، يبقى الدرس واحدا: من يصر على إشعال النار في محيطه، قد يكتشف متأخرا أن النار لا تعرف الحدود التي رسمها لها.
وإذا كانت السعودية تريد أن تسوق ما جرى باعتباره نصرا، فإن الأيام وحدها ستكشف إن كان ما حدث خطوة نحو تحقيق أهدافها، أم خطوة أخرى نحو تكرار المثل الذي لا يزال حاضرا في الذاكرة العربية:على نفسها جنت براقش.

#ملتقى-رائدات -الفكر-الحر