
د. فاضل حسن شريف
يتناول الدكتور فاضل حسن شريف في تحليلاته الدلالية والفقيهة الفرق بين الفرض والواجب، فكلاهما يُعبر عن الإلزام والإيجاب الشرعي الذي يُثاب فاعله ويُعاقب تاركه، إلا أن بينهما تمييزاً دقيقاً في قوة الدليل، وأصل الدلالة اللغوية، ودرجة الإلزام: الفرض (الإلزام القطعي المقطوع به) المفهوم: هو ما ثبت إيجابه بدليل شرعي قطعي الثبوت والدلالة (كالقرآن الكريم أو السنة المتواترة)، ولا تحتمل شبهة التأويل أو الشك. الأصل والصفة: مأخوذ من “الَفَرْض” وهو القطع، والتقدير، والتحديد الدقيق الذي لا يحتمل الزيادة أو النقصان، فالفرض أمرٌ حاسم ومحدد حدّاً لا يتغير. الاستعمال القرآني: جاء في معرض التحديد الإلهي الحاسم والحكم القطعي النافذ: “سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا” (النور 1) أي قَدَّرْنَا أحكامها وألزمنا بها لزوماً قطعياً. “فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ” (البقرة 237) إشارة إلى التقدير والتحديد النافذ. الواجب (الإلزام الظني أو الثابت بالسقوط واللثوق) المفهوم: هو ما ثبت إيجابه بدليل ظني الثبوت أو الدلالة (كأخبار الآحاد أو القياس)، وهو أدنى مرتبة من الفرض عند فريق من الأصوليين والفقهاء (كالحنفية)، بينما يرى الجمهور أنهما مترادفان في أحكام التكليف العملية مع وجود الفارق الدلالي. الأصل والصفة: مأخوذ من “الوجوب” وهو السقوط والوقوع، يُقال “وجبت الشمس” أي سقطت وغابت، و”وجب الحائط” أي سقط. فالواجب فيه معنى الوقوع واللثوق بالذات والتأكيد. الاستعمال القرآني: ورد أصله اللغوي في سياق السقوط والوقوع والتمكن: “فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا” (الحج 36) أي إذا سقطت جنوب الهدايا على الأرض بعد النحر وثبت وقوعها. خلاصة الفرق: الفرض هو الإلزام الأشد قوة وثبوتاً، لأنه قائم على القطع والتحديد والدليل اليقيني (كالصلوات الخمس وصوم رمضان)، بينما الواجب قائم على الثبوت والوقوع بالدليل الظني أو ما يتصل بالتطبيقات والتفاصيل الواجبة في الأداء. فالفرض أصل التكليف الحاسم، والواجب ما ثبت لزومه ووقع على المكلف.
يوضح الدكتور فاضل حسن شريف في تحليلاته الدلالية واللغوية الفرق بين المصيبة والكارثة، فكلاهما يُعبر عن وقوع حدث مكروه أو بلاء ينزل بالإنسان، إلا أن بينهما تمييزاً دقيقاً في الشمول، وعمق الأثر، ونسبة الفعل، والقصد البياني: المصيبة (ما يصيب الإنسان بقدر وتوجيه) المفهوم: هي كل ما يصيب العبد من مكروه أو ضر في نفسه، أو ماله، أو أهله، صَغُرَ ذلك أم كَبُرَ، وهي مرتبطة بالقدر والابتلاء الإلهي. الأصل والصفة: مأخوذة من “الصَّوْب” وهو إصابة السهم للهدف، فالمصيبة كالسهم الذي يُصيب موقعه بدقة وتحديد، وتكون موجهة لفرد أو جماعة محددة كابتلاء واختبار أو تمحيص. الاستعمال القرآني: وردت بكثرة في القرآن الكريم للتذكير بالصبر والرجوع إلى الله والرضا بالقضاء: “الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ” (البقرة 156). “مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا” (الحديد 22). الكارثة (المأساة العظمة الشاملة والمجهدة) المفهوم: هي الحادثة العظيمة والشديدة جداً التي تتجاوز قدرة الفرد أو المجتمع على تحمّلها، وتخلّف دماراً شاملاً أو ثقلاً فادحاً يجهد النفوس والأرض. الأصل والصفة: مأخوذة من “الكَرْب” و”الكَرْث” (كَرَثَهُ الأمرُ أي أثقله وأجهده وبلغ منه المشقة)، فالكارثة تتسم بالشمولية وعظم الهول (كالزلازل العظيمة، الفيضانات المدمرة، أو الأزمات العامة)، وتحمل معنى القهر والشدة المتناهية التي تعجز أمامها الطاقات. الاستعمال والدلالة: الكارثة أخصّ من حيث الشدة والعموم، إذ لا يُطلق لفظ الكارثة لغوياً على الأمور الفردية الصغيرة (كبكاء طفل أو فقدان متاع بسيط)، بينما يُطلق عليها “مصيبة”. خلاصة الفرق: المصيبة هي اللفظ الأعمّ لكل ما يصيب الإنسان من مكروه ودواعي الابتلاء (سواء كان صغيراً أو كبيراً، خاصاً أو عاماً)، بينما الكارثة هي الحدث الجلل والشديد الذي يتسم بالعموم والدمار الواسع والإجهاد الثقيل الذي يعجز عن تدبيره الأفراد. فكل كارثة هي مصيبة، وليس كل مصيبة كارثة.
يبرز الدكتور فاضل حسن شريف في تحليلاته الدلالية واللغوية الفرق بين اللعن والشتيمة، فكلاهما يُعبر عن كلام فيه إيذاء أو ذم أو طرد، إلا أن بينهما تمييزاً دقيقاً في المقصد الشرعي، والبنية اللغوية، والأثر الإيماني: اللعن (الطرْد والإبعاد عن الرحمة) المفهوم: هو الدعاء على الشخص أو القوم بالطرْد والإبعاد عن رحمة الله تعالى والخير، أو الإخبار بذلك عن الله. الأصل والصفة: مأخوذ من “اللَّعْن” وهو الطرد والإبعاد، فاللعن ليس مجرد كلام جارح، بل هو حكم وقضاء بالقطيعة عن الخير والإحسان الإلهي. وهو جائز بحق من لعنهم الله ورسوله من الكفار والمشركين والظالمين بالعموم، ومحرم بحق المؤتمنين والمؤمنين. الاستعمال القرآني: جاء في معرض العقوبة الإلهية والإبعاد عن الرحمة: “إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا” (الأحزاب 64). “أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ” (البقرة 159). الشتيمة / الشتم (التعيير والسب بالمقابح) المفهوم: هو مواجهة الغير بالكلام القبيح، والتنقص، والتعيير بالعيوب (سواء كانت فيه أو اختلاقاً عليه)، بقصد الإهانة والإيذاء النفسي. الأصل والصفة: مأخوذ من “الشَّتْم” وهو الكراهة وقبح الوجه، فالشاتم يوجه كلاماً يثير الكراهة وينقص من قدر المخاطب، وهو خلق مذموم ومحرم في جميع الأحوال تجاه المؤمنين والمعاهدين. الاستعمال القرآني والبياني: نهى القرآن الكريم حتى عن سبّ وآلهة المشركين منعاً للمفسدة الأعظم: “وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ” (الأنعام 108) حيث جاء السب والشتم هنا في معنى التعيير والتنقص القبيح. خلاصة الفرق: اللعن هو دعاء أو حكم بالطرد والإبعاد عن رحمة الله ويكون مقترناً بموقف عقدي أو شرعي حاسم، بينما الشتيمة (السب) هي توجيه الكلام القبيح والتنقص والتعيير بغير وجه حق لإهانة الشخص وإيذائه، فاللعن أصله عقابي غائي يتعلق بالرحمة، والشتيمة أصلها أخلاقي يتعلق بقبح القول واللسان.
