
بعد أربع سنوات على انتفاضة 2022.. لماذا لا يزال النظام الإيراني يتصرف كمن يواجه انفجاراً وشيكاً؟
بقلم: حسن محمودي
في كل ذكرى لانتفاضة عام 2022، يسعى النظام الإيراني إلى ترسيخ رواية واحدة مفادها أن تلك الاحتجاجات أصبحت جزءاً من الماضي، وأن الدولة استعادت السيطرة الكاملة على الشارع. لكن السلوك العملي للسلطات يروي قصة مختلفة تماماً. فقبل حلول الذكرى بوقت طويل، تنتشر الأجهزة الأمنية في المدن، وتُفرض إجراءات مشددة حول المقابر وأماكن التجمع، وتتعرض عائلات الضحايا والناشطين للمضايقات والاعتقالات، فيما تُنظم تجمعات مؤيدة للسلطة في محاولة للاستحواذ على الفضاء العام ومنع أي تعبير مستقل.
هذه الإجراءات لا تعكس ثقة نظام يعتقد أنه تجاوز الأزمة، بل تكشف عن قلق عميق من احتمال تجددها.
لقد اندلعت انتفاضة 2022 بعد مقتل مهسا أميني إثر توقيفها من قبل ما يُعرف بشرطة الأخلاق. غير أن اختزال تلك الانتفاضة في قضية الحجاب وحدها يتجاهل الأسباب الأعمق التي دفعت ملايين الإيرانيين إلى الاحتجاج. فقد تحولت قضية الحجاب الإلزامي إلى رمز يومي لهيمنة السلطة، لكنها لم تكن سوى الشرارة التي أشعلت تراكمات طويلة من الغضب الشعبي الناتج عن الفقر والفساد والتمييز الاجتماعي والقومي وتراجع الأمل لدى الشباب وانسداد آفاق الإصلاح السياسي.
وسرعان ما تجاوزت شعارات الاحتجاج حدود المطالب الاجتماعية المحدودة. فالمتظاهرون لم يطالبوا بإصلاح بعض السياسات أو تخفيف القيود الاجتماعية فحسب، بل وجهوا انتقادات مباشرة إلى رأس السلطة السياسية والدينية، ورفعوا شعارات تطعن في شرعية النظام برمته. وقد عكس ذلك انتقال قطاعات واسعة من المجتمع الإيراني من مرحلة المطالبة بالإصلاح إلى مرحلة البحث عن بديل سياسي شامل.
واللافت أن السلطات الإيرانية نفسها بدت أكثر إدراكاً لهذه الحقيقة من كثير من المراقبين في الخارج. فوسائل الإعلام الرسمية ومسؤولو النظام تعاملوا مع ذكرى الانتفاضة باعتبارها محطة يمكن أن تتحول إلى نقطة انطلاق لموجة احتجاج جديدة، وليس مجرد مناسبة لإحياء ذكرى أحداث سابقة. ولهذا تصاعد الحديث الرسمي عن “الخلايا المنظمة” و”الحرب الإعلامية” و”الشبكات المعادية”، في اعتراف غير مباشر باستمرار وجود بيئة احتجاجية واسعة داخل المجتمع.
كما أن التردد الذي أظهرته مؤسسات النظام في تمرير عدد من القوانين المثيرة للجدل خلال السنوات الأخيرة يعكس حالة مشابهة من الحذر. فمشاريع التشدد في تطبيق الحجاب، وتشديد الرقابة على الإنترنت، وتوسيع بعض القوانين الأمنية، واجهت تأجيلاً ومراجعات متكررة وصراعات بين مؤسسات الحكم المختلفة. ولا يعكس ذلك نزعة إصلاحية بقدر ما يكشف عن خشية من أن يؤدي الإفراط في القمع إلى نتائج عكسية تزيد من حالة الاحتقان الشعبي.
وفي المقابل، لم تتراجع الأسباب التي فجرت انتفاضة 2022، بل ازدادت حدة في كثير من المجالات. فالتضخم وارتفاع تكاليف المعيشة يواصلان استنزاف دخول المواطنين، فيما تتكرر الاحتجاجات العمالية والمطلبية في قطاعات متعددة تشمل المعلمين والعمال والمتقاعدين والممرضين وسائقي الشاحنات والعاملين في قطاع النفط. كما أن الخلافات بين أجنحة النظام باتت أكثر وضوحاً، وسط تبادل للاتهامات بشأن الفساد وسوء الإدارة دون تقديم حلول حقيقية للأزمات المتراكمة.
ومن العوامل المهمة أيضاً استمرار نشاط «وحدات المقاومة» التابعة لمنظمة مجاهدي خلق داخل إيران. فقد أظهرت السنوات الأخيرة قدرة هذه الوحدات على تنفيذ أنشطة احتجاجية وإعلامية متنوعة في مدن مختلفة رغم الرقابة الأمنية المشددة. وتكمن أهمية هذه الأنشطة في بعدها المعنوي والسياسي، إذ تسعى إلى كسر صورة السيطرة المطلقة التي يحاول النظام ترسيخها، وإلى التأكيد أن الاعتراض المنظم ما زال قائماً وقادراً على الحركة.
لهذا يبدو خوف النظام الإيراني من عودة الاحتجاجات أمراً مفهوماً. فالانتفاضة لم تنته لأن أسبابها اختفت أو لأن مطالبها تحققت، وإنما تراجعت تحت وطأة القمع والعنف. وبين انتفاضة أُخمدت بالقوة وأزمة جرى حلها سياسياً فارق كبير. فالمشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي فجرت موجة الغضب قبل أربع سنوات لا تزال قائمة، بل تفاقمت في كثير من الأحيان. ومن هنا، فإن ما تخشاه السلطات في طهران ليس ذكرى الانتفاضة بحد ذاتها، بل احتمال أن يتحول ذلك الغضب الكامن مرة أخرى إلى حركة شعبية واسعة يصعب احتواؤها.




