
بين ذكرى الثورة وذكرى الشهيد
وفاء الكبسي
ليست الذكريات كلها من لونٍ واحد؛ فهناك ذكرى تفتح في الروح نوافذ الفرح، وذكرى تعيد إلى القلب وجع الغياب، وذكرى ثالثة تجمع بين الاثنين، فتجعلنا نبتسم لما تحقق، ونحزن لمن غاب، ونمضي وفي القلب من كليهما عهدٌ لا يسقط.
وهكذا يقف سبتمبر هذا العام أمامنا بذكريين متجاورتين؛ ذكرى ثورة 21 سبتمبر المجيدة، وذكرى استشهاد شهيد الإسلام والإنسانية السيد حسن نصرالله.
لكل واحدةٍ منهما مقامها، ولكل واحدةٍ حقها علينا.
أما 21 سبتمبر، فهي ذكرى تُستعاد بالفخر.
ذكرى يومٍ ارتفع فيه صوت اليمن عاليًا في وجه الوصاية، واستعاد شعبه ثقته بقدرته على أن يصنع قراره، وأن يرفض أن يكون وطنه ساحةً تُدار من خارج حدوده.
ليست الثورة في ذاكرتنا مجرد تاريخٍ يُكتب في التقويم، وإنما محطةٌ نستعيد عندها معنى العزة، ونقرأ من خلالها سنواتٍ من الصمود والتضحيات، ونستحضر رجالًا ونساءً حملوا أثمان الموقف، ومضوا في طريقٍ لم يكن معبّدًا بالراحة، وإنما بالتحدي والصبر والثبات.
وفي ذكرى 21 سبتمبر، يحق لليمن أن يفرح بذكرى عزيزة، وأن يستعيد مشهد شعبٍ أراد أن يكون سيد قراره، وأن ينظر إلى هذه المحطة بوصفها صفحةً مفصليةً من تاريخه الحديث.
إنها ذكرى الثورة؛ فلها الفخر الذي يليق بها، والفرح الذي تستحقه، والحديث الذي يليق بمقامها، وبمقام قائدها الهمام الحكيم، السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي.
ثم يأتي الموعد الآخر من سبتمبر، فتتغير نبرة القلب.
ذكرى استشهاد السيد حسن نصرالله.
هنا لا نحتفل؛ هنا نُحيي ذكرى رجلٍ رحل جسدًا، وبقي حاضرًا في وجدان محبيه، وفي ذاكرة من عرفوا صوته ومواقفه.
نستعيده لا لنفتح جرحًا أُغلق؛ فالجرح لم يُغلق أصلًا.
نستعيده لأن بعض الغياب لا يتحول إلى نسيان، ولأن بعض الرجال حين يرحلون يتركون خلفهم مساحةً لا يملؤها أحد.
كان السيد حسن نصرالله بالنسبة إلى اليمنيين أكثر من شخصيةٍ سياسية أو قائدٍ مقاوم؛ كان صوتًا وقف إلى جانب اليمن منذ اليوم الثاني للعدوان، فلم ينتظر أن تهدأ الحرب ليقول كلمته، بل قالها واليمن تحت النار.
وقف مع قضية اليمن ومظلوميته، وتحدث عن شعبه، وحمل صوته في زمنٍ كان الصمت فيه أسهل، وأكثر إغراءً لمن اختاروا الوقوف على هامش المأساة.
ولهذا، حين تأتي ذكرى استشهاده، لا نستطيع أن نتعامل معها كذكرى عابرة.
نؤبّنه لأننا فقدناه، ونستعيد سيرته لأننا لم نفقد أثره.
نختلف في شعور المناسبة، لكننا لا نختلف في معنى الوفاء.
في الأولى، نستعيد ذكرى ثورةٍ ولدت من إرادة شعب؛ فنرفع الرأس ونقول: ما زالت الثورة مستمرةً حتى تحقيق النصر والحرية والاستقلال واسترداد الحقوق.
وفي الثانية، نستعيد ذكرى شهيدٍ ترك خلفه سيرةً وموقفًا وصوتًا؛ فنخفض أصواتنا أمام ألم الفقد، ونقول: ما غاب عن العين لا يغيب عن الوجدان، وما غاب جسده لا يغيب أثره.
وهكذا لا تتعارض المناسبتان؛ لأن لكل واحدةٍ منهما مساحتها التي لا ينبغي أن تُنتزع منها.
نفرح في ذكرى الثورة كما يليق بالثورة، ونحزن في ذكرى الشهيد كما يليق بالشهادة.
وفي المسافة بين الفرح والحزن، يبقى الوفاء هو اللغة التي تجمعهما.
فالـ21 من سبتمبر يذكّرنا بما صنعه اليمنيون حين قرروا أن يرفضوا الوصاية والخنوع والانحناء، وذكرى السيد حسن نصرالله تذكّرنا بقيمة الرجال الذين وقفوا مع قضايا الأمة حتى آخر الطريق.
وبين الذكريين، يمضي اليمن.
لا ينسى شهداءه، ولا يتنازل عن ذاكرته، ولا يسمح للسنوات أن تمحو وجوه من وقفوا إلى جانبه.
سبتمبر ليس شهرًا عابرًا في ذاكرة اليمن؛ فيه ذكرى ثورةٍ نحتفي بها، وذكرى شهيدٍ نفي له.
نفتح للثورة أبواب الفخر،
وللشهيد أبواب الوفاء،
ولليمن أبواب المستقبل.
سلامٌ على 21 سبتمبر، يومًا مجيدًا في ذاكرة اليمن.
وسلامٌ على روح السيد حسن نصرالله في ذكرى استشهاده.
ذكرىٌ ترفع الرأس، وذكرى تُوجع القلب؛ وبينهما وطنٌ يعرف كيف يفرح بانتصاراته، وكيف يحفظ لمن وقفوا معه عهده.
ولكل ذكرى مقامها… ولكل مقامٍ وفاؤه.
#اتحاد_كاتبات_اليمن