
سورية… 30 باباً للفوضى
التحذير الاستشرافي: عندما يتحول الخلاف داخل الصف إلى صراع على السلطة
بقلم: الباحثة كنانة خلف الكردي
أُسْتَاذَة مُحَاضِرَة فِي الاستراتيجية الإدارية والتنظيمية لمكاتب القيادات العليا في الدولة في الجامعة الأمريكية في إسطنبول
أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول في مراحل الانتقال ليس خصماً يقف على حدودها، بل خلافاً يبدأ داخل الصف الواحد، ثم يتحول إلى صراع على النفوذ، ثم إلى صراع على الشرعية، قبل أن ينتهي بصراع على الدولة نفسها.
وهنا تكمن المسألة السورية الأكثر حساسية: هل تنجح مرحلة الانتقال في بناء دولة يتسع فيها الاختلاف، أم يتحول الاختلاف إلى أبواب جديدة للفوضى؟
فالاغتيالات، في السيناريو الأسوأ، قد لا تأتي دائماً من خصم خارجي؛ يمكن أن تبدأ داخل الفريق الواحد عندما تتصارع مراكز النفوذ، أو عندما يصبح الخلاف على المستقبل أكبر من الاتفاق على الماضي. وقد يحدث انقلاب من داخل دائرة الولاء نفسها، لا لأن البيعة كانت بالضرورة كاذبة، بل لأن المصالح تتغير، والمسارات السياسية تتباعد، ويكتشف بعض الحلفاء أن المشروع الذي التفوا حوله لم يعد هو المشروع الذي يريدون السير فيه.
وهنا يصبح السؤال أخطر من الولاء نفسه: من يقود؟ وإلى أين؟
حتى الاتفاقات التي تُبرم في لحظات التوافق قد تفقد قوتها عندما يتغير الواقع. فما يُتفق عليه في مرحلة انتقالية قد يصطدم لاحقاً بتوازنات جديدة، أو مصالح متناقضة، أو قيادات ترى أن ما قبل الاتفاق ليس هو ما بعده. وإذا لم تتحول التفاهمات إلى مؤسسات وقواعد واضحة وملزمة، فقد تصبح مجرد هدنة سياسية قابلة للانهيار.
والتاريخ السياسي يعلمنا أن التهميش لا يبقى صامتاً إلى الأبد.
قد يبدأ التهميش بإقصاء شخص، ثم يمتد إلى مجموعة، ثم يتحول إلى شعور جماعي بأن هناك من يملك الدولة وهناك من يقف خارجها. عندها يتحول الصمت إلى شجب، والشجب إلى احتجاج، والاحتجاج إلى تعبئة، وقد يتحول بعض الذين كانوا شركاء في مشروع الأمس إلى طلاب حرية جديدة وثورة جديدة على كل شيء.
وهنا تكمن المفارقة الأخطر: أن يتحول بعض أبناء المرحلة السابقة إلى معارضة المرحلة اللاحقة.
أما العفو والتسامح، فهما ضرورة لبناء مجتمع خارج من الحرب، لكن العفو الذي لا يرافقه مسار واضح للعدالة قد ينتج جرحاً جديداً. فإذا شعر الضحايا أن القتلة أو المتورطين في الانتهاكات عادوا إلى مواقع النفوذ من دون مساءلة، فإن التسامح قد يتحول في الوعي العام إلى مظلومية جديدة، والمظلومية قد تتحول إلى غضب، والغضب قد يصبح بيئة خصبة للعنف والإرهاب.
التسامح لا يعني النسيان، والعدالة لا تعني الانتقام.
ثم نصل إلى الباب الأكثر حساسية: المناطق.
حين تضعف الثقة بالمركز، تبدأ المطالب غالباً من بوابة الإدارة والخدمات والتمثيل السياسي. ثم تتوسع إلى المطالبة بصلاحيات أكبر، وبعدها قد يظهر خطاب الإدارة الذاتية، وقد يجري توظيف القومية أو الطائفة أو المذهب أو الخصوصية المحلية في إنتاج مشروعية سياسية جديدة.
المشكلة ليست في اللامركزية بوصفها نموذجاً إدارياً؛ بل في اللحظة التي تتحول فيها اللامركزية إلى بديل عن الدولة.
فإذا شعرت منطقة أنها مهمشة، ومنطقة أخرى أنها مهددة، وثالثة أنها محرومة من مواردها، ورابعة أنها غير ممثلة في القرار، فإن الدولة قد تبدأ بالتآكل من أطرافها قبل أن يظهر أي إعلان رسمي عن الانقسام.
وقد تكون المناطق الشرقية إحدى أكثر ساحات الاختبار حساسية. فالخيبة المتراكمة، إذا لم تُعالج سياسياً واقتصادياً ومؤسساتياً، يمكن أن تنتج خطاباً يقول: لماذا نبقى داخل معادلة لا نرى أنفسنا فيها؟
وهنا يصبح السيناريو الأخطر ليس إعلان الانفصال غداً، وإنما نشوء فكرة الانفصال بوصفها حلاً ممكناً.
وعندما تصبح فكرة الانفصال قابلة للتداول، حتى لو لم تتحول إلى مشروع مكتمل، تكون الدولة أمام إنذار استراتيجي لا يجوز تجاهله.
الأمر نفسه ينطبق على الجنوب والساحل والشمال والشرق: أي منطقة يمكن أن تتحول، إذا تراكمت فيها المظالم وفقدت الثقة بالمركز، إلى بيئة سياسية تبحث عن صيغة خاصة بها وهنا تتشكل الصورة الأوسع.
قد لا تسقط سورية دفعة واحدة.
قد تبقى الحكومة قائمة، والوزارات قائمة، والجيش قائماً، والعلم واحداً، لكن القرار يبدأ بالتوزع بين مراكز متعددة؛ قيادة سياسية هنا، نفوذ أمني هناك، قوة عسكرية في مكان آخر، زعامة اجتماعية في منطقة، وشبكات مصالح اقتصادية عابرة للمؤسسات.
دولة واحدة على الخريطة، متعددة مراكز القرار في الواقع.
وهذا أحد أخطر أشكال التفكك؛ لأن الانقسام المعلن يمكن رؤيته والتعامل معه، أما الدولة التي تتآكل مؤسساتها بصمت فقد تكتشف انهيارها بعد أن يصبح إصلاحها أكثر كلفة.
لهذا فإن التحذير الاستشرافي لا يتعلق بسيناريو واحد، بل بسلسلة من المخاطر المتداخلة: اغتيالات داخلية، انقلاب داخل دائرة الولاء، انهيار التفاهمات، صراع مراكز النفوذ، تهميش سياسي، احتجاجات شعبية، عودة خطاب الثورة، إفلات من العقاب، نشوء مراكز أمنية وعسكرية متوازية، توظيف الطائفية والقومية والمناطقية، صراع على الموارد، احتقان اقتصادي، تدخلات خارجية، إدارات منفردة، ومطالبات متصاعدة بالحكم الذاتي وصولاً إلى الانفصال.
هذه ليست نبوءة بأن سورية ستذهب إلى الفوضى، وليست حكماً بأن أياً من هذه السيناريوهات سيقع إنها خريطة إنذار مبكر.
فالاستشراف الحقيقي لا ينتظر الكارثة حتى يثبت أنه كان على حق؛ بل يبحث عن الإشارات الصغيرة قبل أن تتحول إلى أزمات كبرى.
ولهذا تحتاج سورية إلى معادلة سياسية دقيقة: عدالة بلا انتقام، عفو بلا إفلات من العقاب، مشاركة بلا محاصصة، لامركزية بلا تفكيك، أمن بلا مراكز قوى، ونظام سياسي يسمح بالاختلاف من دون أن يحول الاختلاف إلى مشروع اقتتال.
فالاختلاف ليس خطراً على الدولة.
الخطر أن يفقد السوريون الدولة باعتبارها المساحة المشتركة التي تتسع للجميع.
لأن سورية قد لا تواجه أخطر لحظاتها عندما يأتي الخطر من الخارج، بل عندما يبدأ كل فريق بالاعتقاد أنه وحده القادر على إنقاذها.
وعندما يصبح لكل جماعة مشروعها، ولكل منطقة أمنها، ولكل قيادة تفسيرها للشرعية، يصبح السؤال الحقيقي ليس: من انتصر؟
بل:هل بقيت الدولة؟
والدولة التي لا تُنصف أبناءها، ولا تستوعب اختلافهم، ولا تمنع التهميش، ولا تضبط مراكز القوة، قد لا تنهار في يوم واحد.
قد تبدأ بالسقوط يوم يبدأ أبناؤها ببناء بدائل عنها.






