سبتمبر 24, 2026
IMG_1330-1

ثوار 2011… أُقصي أصحاب النص وبقيت الحكاية

بقلم: الباحثة كنانة خلف الكردي
هناك لحظات في التاريخ لا يجوز أن تُروى من شرفة المتأخرين.

وثوار عام 2011 واحدٌ منها ففي تلك السنة لم تخرج الجموع إلى الشوارع بحثاً عن مقاعد في سلطة، ولا عن حصص في مؤسسات، ولا عن أسماء تُعلّق على أبواب المكاتب. خرجت وهي تحمل مطلباً بدا بسيطاً في عبارته، عظيماً في ثمنه: الكرامة والحرية والحق في أن يكون للإنسان صوتٌ في وطنه كان هؤلاء هم أصحاب الصفحة الأولى لكن المفارقة الأكثر قسوة أن الذين كتبوا الصفحة الأولى وجد بعضهم نفسه لاحقاً خارج الكتاب كله.لماذا؟
لأن السياسة، حين تدخلها المصالح بلا ضابط، تستطيع أن تفعل ما لا تفعله الذاكرة: أن تعيد ترتيب المقاعد، وأن تمنح الواجهة لمن يملك أدوات النفوذ والذاتية والمعرفة ، وأن تدفع أصحاب التجربة إلى الصفوف الخلفية بل وقد يتم اعتبارهم اعداء للدولة والمصلحة الوطنية
وهنا لا يعود السؤال: من شارك في صناعة اللحظة؟ بل يصبح السؤال الأكثر إيلاماً : من بقي يملك حق الحديث باسمها؟
حين تتقدم الحسابات على أصحاب الحكاية
لم يكن إقصاء كثير من ثوار 2011 نتيجة عامل واحد، ولا يمكن اختزاله في رواية واحدة. لكن مسار السنوات كشف بوضوح أن الصراع لم يكن فقط بين قوى متعارضة، بل كان داخل المجال السياسي نفسه صراعاً على التمثيل والنفوذ والرواية والجماعة.
تقدمت أحياناً لغة المحاصصة على لغة المبادئ، وأصبحت بعض المنابر أكثر انفتاحاً على أصحاب العلاقات ومراكز القوة من أصحاب المعرفة المباشرة.
وهكذا وجد من خرج إلى الشارع نفسه يسأل: كيف أصبحنا غرباء عن قضية كنا في بدايتها جزءاً من صوتها؟
لم تكن المشكلة أن كل من شارك في 2011 كان مؤهلاً للقيادة، فالمشاركة في حدث تاريخي لا تمنح صاحبها تلقائياً كفاءة سياسية أو حقاً دائماً في السلطة.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول عدم الكفاءة الفردية إلى ذريعة لمحو جيل بأكمله من الذاكرة السياسية والثورية بشهادات غير حقيقية وتواريخ سوداوية
النقد حق، أما المحو فشيء آخر.
أصحاب الميدان في مواجهة أصحاب الذاتية
في البدايات، كان الميدان هو الذي يصنع المشهد. ثم أصبحت الذاتية هي التي تعيد تفسير الميدان.
وهنا وقعت واحدة من أكثر المفارقات قسوة.
فمن وقف في الشارع، وواجه الخوف، ودفع ثمن موقفه، لم يكن بالضرورة هو نفسه الذي امتلك لاحقاً القدرة على الوصول إلى المؤسسات والمنابر الدولية والإعلامية.
ومن امتلك أدوات التفاوض والإدارة والعلاقات، لم يكن بالضرورة حاضراً في لحظة التأسيس بالقدر نفسه وبين الاثنين نشأت فجوة، انها فجوة بين من عاشوا اللحظة ومن أصبحوا يتحدثون عنها ويتصدرون مشهدها
وهذه الفجوة، إن لم تُفهم بموضوعية، تتحول إلى ظلم مضاعف: ظلم التجربة، ثم ظلم الذاكرة ، ثم ظلم الاتهامات وعدم الثقة والخ..
أقسى الإقصاء… أن يأتي من القريب
الخصم حين يقصيك، تعرف سبب المواجهة.
لكن حين يأتي الإقصاء من أشخاص أو دوائر يفترض أنها تنتمي إلى المسار نفسه، يصبح الألم أكثر عمقاً.
هذا عميل وهذا خائن وهذا غير كفئ وهذا غير ثقة وهذا لا يملك تزكية وهذا لا يعرف أحد وهذا بلا مؤهلات وشعارات وشهادات في حين الطرف الاخر لا يملك اي منها فقط ذاتية الاصطفاف والمعرفة السابقة
لقد حمل كثير من أبناء تلك المرحلة سنواتٍ من الغربة والنزوح والاعتقال والفقد، وتركوا خلفهم بيوتاً ومدناً وأحلاماً ، ثم وجد بعضهم نفسه عند عتبة المشهد الجديد بلا مكان وبلا عمل وبلا صوت بل وبلا وجود أصلاً وغير معروف فقط بما نقل عن فلان وما قال عنه فلان والخ.. صك عدم التوظيف جاهز لديهم
لا يبحث هؤلاء بالضرورة عن مكافأة سياسية على الماضي. ولا ينبغي أن تتحول التضحيات إلى امتيازات أبدية.لكن ما يطلبه المنطق الأخلاقي والتاريخي هو ألا يصبح دفع الثمن سبباً إضافياً لمحو تضحيات صاحبه.
فالذين خسروا أعواماً من حياتهم لا يحتاجون إلى تماثيل، بل إلى اعتراف بأنهم كانوا جزءاً من الحكاية ،والاعتراف ليس منّة، إنه حق الذاكرة.
لا أحد يملك حق احتكار الثورة
الثورة ليست ملكاً لحزب، ولا لجماعة، ولا لشخص ولا لمنطقة ولا لمن بقي في الداخل ولا لمن خرج هرباً من بطش الظالم
والتاريخ لا يُختصر في أسماء الذين بقوا في الواجهة وتصدروا المشهد
إنصاف ثوار 2011 لا يعني تبرئة كل ما فعلوه، ولا يعني منحهم صكاً مفتوحاً للصواب، ولا يعني تحويلهم إلى طبقة سياسية فوق النقد.
على العكس؛ التاريخ الجاد يضع الجميع تحت المساءلة لكن المساءلة شيء، وإعادة كتابة الأصل شيء آخر ، فليس من حق أحد أن يحذف من المشهد أولئك الذين كانوا جزءاً من لحظة التأسيس لمجرد أن الزمن أنتج لاعبين جدداً بمسميات وذاتيات وحلقة معرفة ضيقة
إن الوطن الذي يريد بناء دولة حقيقية يحتاج إلى ذاكرة عادلة، لا إلى ذاكرة انتقائية.
التاريخ لا يُكتب بمن بقي في الصورة قد تغيب أسماء من الشاشات وقد تُغلق أبواب المؤسسات في وجوههم وقد تتبدل التحالفات بين من ناصروهم ومن باعوكم
وقد يصعد أشخاص إلى الواجهة بينما يتراجع آخرون إلى الظل ، لكن ذلك كله لا يغيّر حقيقة أن هناك جيلاً خرج في 2011 حاملاً حلماً ، ودفع كثير من أبنائه أثماناً باهظة .وقد يختلف السوريون في تقييم المسارات والنتائج والأخطاء، لكن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى إنكار للأصل فالتاريخ ليس ملكاً لمن بقي في الصورة التاريخ ملكٌ للحقيقة.
والحقيقة أن أصحاب النص الأول لا يصبحون غرباء عن نصهم لأن آخرين جلسوا لاحقاً على مقاعد التأليف والتكليف
أُخرجوا من المشهد… ولم يُخرجوا من التاريخ ربما استطاعت السياسة أن تُبعد الغالبية من ثوار 2011 عن المنصات والواجهات المؤسسية والإعلامية
وربما استطاعت المصالح أن تدفعهم إلى الهامش. وربما استطاع بعض المتقدمين أن يعيدوا ترتيب المشهد بما يخدم حاضرهم.
لكن هناك شيئاً لا تستطيع أي سلطة أو مؤسسة أو جماعة مصادرته: الذاكرة.نعم ذاكرة ثوار 2011
فالذين خرجوا ذات يوم مطالبين بالكرامة قد يختلف الناس معهم، وقد يُنتقدون، وقد يُساء تقييم بعض خياراتهم، لكن لا يمكن محو حقيقة أنهم كانوا جزءاً مهماً وأصيلاً من تلك اللحظةوما بعدها التي غيّرت مسار سوريا.
لذلك، فإن استعادة أصحاب النص ليست دعوة إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، ولا مطالبةً بإقصاء جيل لصالح جيل.إنها دعوة إلى شيء أبسط وأعمق:
ألا تُبنى سوريا الجديدة على ذاكرةٍ مبتورة.
فالدولة التي تريد أن تبدأ من جديد لا تحتاج إلى محو الذين سبقوها ،تحتاج إلى أن تنظر في المرآة كاملة ، وأن تقول بوضوح:
هؤلاء كانوا هناك.
وهؤلاء دفعوا الثمن.
وهؤلاء، مهما غابوا عن المشهد والوظائف والمناصب ، لكنهم لن يغيبوا عن التاريخ.