
د. فاضل حسن شريف
تحظى الخيل في تراث وأحاديث أهل البيت عليهم السلام بمكانة رفيقة لمكانة الحديد، فإذا كان الحديد يمثل القوة المادية الصلبة والتصنيع العسكري، فإن الخيل تمثل القوة الاستراتيجية التكتيكية، وسرعة المناورة، والردع النفسي، وفروسية القيم. تتحدد معالم قوة الخيل وأبعادها في مدرسة آل البيت عبر المحاور التالية: 3. الخيل في حركة القائم عجل الله فرجه: تحضر الخيل في الروايات الخاصة بآخر الزمان وقيام الإمام المهدي كرمز للحركة السريعة والتمكين الميداني: فرسان الحق: تشير النصوص (في غيبة النعماني وبحار الأنوار) إلى أصحاب الإمام المهدي يوصَفون بـ “فرسان بالنهار، نُهّاد بالليل”، حيث تجتمع فيهم القوة البدنية والتكتيكية (الفروسية على الخيل) مع القوة الروحية. سرعة حسم المعارك: ترمز الخيل والجياد المسوَّمة في حركة التغيير الشامل إلى الخفة، والقدرة على الانتشار، والوصول السريع لنصرة المستضعفين وإقامة القسط. 4. الضوابط الفقهية والرعاية (باب الخيل والسبق والرمي): خصص فقهاء أهل البيت أبواباً كاملة في الفقه (كأبواب السبق والرمي والجهاد): مشروعية المسابقة والمراهنة المحدودة: أُبيحت المسابقة بالخيل (السبق) وتخصيص الجوائز فيها لغاية حث المجتمع على التدريب المستمر، وإتقان ركوب الخيل، ورفع مستوى الجاهزية البدنية والعسكرية. الاهتمام بالسلالات القوية: الحث على اقتناء الجياد والصافنات من الخيل، واعتبار الإنفاق عليها نوعاً من الإعداد الممدوح الذي يُثاب عليه صاحبه. تُمثل الخيل في منظومة أهل البيت القوة المرنة والمتحركة التي تُكمل بأس الحديد، فهي أداة الردع الاستراتيجي، وسيلة المناورة الميدانية، وميدانٌ تتجلى فيه أخلاقيات الفارس المسلم الذي يجمع بين القوة البدنية والعسكرية وبين الرحمة والرفق والعدالة.
يتناول العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي قدس سره في تفسيره “الميزان في تفسير القرآن” مفهوم أدوات القوة والإعداد العسكري والمادي في القرآن الكريم عند تعرضه للآيات التي ذكرت عناصر الإعداد والقوة، وفي مقدمتها الحديد (كما في سورة الحديد) والخيل والمرابط (كما في سورة الأنفال وسورة العاديات وغيرها)، حيث يقدم تحليلاً يربط بين البعد المادي للبأس والبعد المقاصدي والتكليفي للتربية الإيمانية وحفظ المجتمع.أولاً: أدوات القوة في “الحديد” عند العلامة الطباطبائييتعرض العلامة الطباطبائي لمفهوم الحديد كأداة قوة وركيزة للعدل والسلطان عند تفسيره لقوله تعالى:”وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ” (الحديد 25).ويبيّن في هذا الصدد عدة نقاط جوهرية:معنى “أنزلنا الحديد”:يرى الطباطبائي أن “الإنزال” هنا لا يعني النزول المادي المباشر من السماء فحسب، بل يشير إلى الإيجاد التكويني وإبراز القدرة من العوالم العالية إلى عالم الشهادة والمادة، حيث جعل الله هذه المادة المادية متاحة للأنبياء والمجتمعات البشرية لإقامة الحياة وإحراز القوة.الاقتران بين الكتاب والـميزان والحديد:يلفت صاحب “الميزان” النظر إلى أن الآية جمعت بين ثلاثة عناصر: الكتاب (الذي يحمل الشريعة والتعليم)، والميزان (رمز العدل والقسط في التعاملات)، والحديد (رمز البأس والقوة). ويستنتج من ذلك أن الكتاب والميزان لا يستقيم أمرهما في الأرض ولا يُحفظ نظام العدل المجتمعي إلا بقوة تُردع الظالمين وتدفع العدوان، فالبأس الشديد في الحديد هو الدرع الحامي لإقامة القسط.البأس الشديد والمنافع:يُوضح العلامة أن “البأس الشديد” يتجلى في صناعة آلات الحرب والسلاح والدفاع التي تحمي الأمة وترهب الأعداء، في حين تمثل “المنافع للناس” الاستخدامات المدنية والعمرانية والصناعية للحديد التي تُبنى بها الحضارات، ليكون الحديد بذلك أداة قوة دفاعية وبنائية في وقت واحد.الابتلاء والنصرة:يعتبر الطباطبائي أن جعل البأس في الحديد يهدف أيضاً إلى التمييز والابتلاء الإلهي “وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ”، فالجهاد بالسلاح والقوة المادية هو محك الإيمان الصادق وتمحيص للمجتمع المؤمن.
ثانياً: أدوات القوة في “الخيل والإعداد” عند العلامة الطباطبائي يتناول العلامة مفهوم الإعداد العسكري والوسائل المادية للقوة (ومنها الخيل) عند تفسيره لقوله تعالى: “وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ” (الأنفال 60). ويجلّي الطباطبائي في تفسير هذه الآية وما يماثلها أبعاداً استراتيجية وتربوية:عمومية لفظ “القوة”:يشير صاحب “الميزان” إلى أن قوله تعالى “مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ” جاء عاماً ومطلقاً ليشمل كل ما يتوقف عليه الامتناع والانتصار في الحرب ودفع العدوان، سواء كانت سلاحاً، أو حصوناً، أو خططاً، أو وسائط نقل، أو أدوات اتصال وتجهيز.تخصيص “رباط الخيل”:يرى العلامة الطباطبائي أن تخصيص “رباط الخيل” بالذكر بعد العموم في الآية مرده إلى أن الخيل كانت في عصر التنزيل عماد القوة السيارة والسريعة في الكر والفر والتكتيك العسكري. ويستفاد من هذا التخصيص وجوب إعداد أرقى وأحدث وسائط السرعة والمناورة العسكرية في كل عصر بما يتناسب مع متطلباته.غاية الإعداد (الترهيب الوقائي): يعلّل الطباطبائي الغاية من إعداد القوة والخيل في قوله “تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ” (الأنفال 60) بأن المقصود الأساسي ليس إعطاء إشارة للحرب أو العدوان، بل إيجاد قوة ردع إستراتيجية تمنع العدو من التفكير في الغزو أو المساس بكرامة الأمة والمجتمع الإسلامي.القوة المادية والروحية:ينبه الطباطبائي إلى أن الإعداد المادي (كالحديد والخيل) في المدرسة القرآنية متصل اتصالات وثيقاً بالإيمان والتوكل، فالإعداد المادي واجب تكليفي وعقلي لا يكتمل إلا بالاستقامة والاتكال على الله، والقوة المادية مجرد سبب أقامه الله لحفظ الحق.الخلاصة عند العلامة الطباطبائييتلخص موقف العلامة الطباطبائي في “الميزان” بأن القرآن الكريم ينظر إلى أدوات القوة المادية (كالحديد والحيادية والسلاح ووسائط النقل كالخيل) باعتبارها وسائل حتمية وواجبة لإقامة العدل وحفظ الوحي الشريف. فالشريعة بلا قوة تحميها تبقي عرضة للاندثار، والقوة بلا شريعة وميزان تحول إلى طغيان وفساد، ومن هنا جاء التكامل بين الكتاب والميزان والحديد في المنظومة القرآنية.



