
إيهاب مقبل
في جانب الكرخ من بغداد، يقف مجمع الدورة السكني المعروف بـ«حي الصحة» أمام تحديات عمرانية وإنشائية تزداد أهمية مع مرور نحو أربعة عقود على تنفيذ أبنيته. فالمجمع الذي صُمم ليكون أحد مشاريع السكن متعدد الأسر منخفض الكثافة، أصبح اليوم بحاجة إلى تقييم جدي لحالة أبنيته ومدى قدرتها على الاستمرار بأمان في ظل ما قد يطرأ عليها من تقادم أو تغيرات في الاستخدام والصيانة.
وتشير دراسة منشورة في مجلة اتحاد الجامعات العربية للدراسات والبحوث الهندسية إلى أن مجمع الدورة السكني «حي الصحة» يقع في جانب الكرخ، وكان مخططاً له أن يمتد بنحو 1500 متر من الشمال إلى الجنوب و650 متراً من الشرق إلى الغرب، على مساحة تبلغ 98.5 هكتار. كما كان مخططاً أن يضم 3823 وحدة سكنية تستوعب نحو 21400 نسمة، إلا أن المشروع لم ينفذ بالكامل، ونُفذ منه نحو ثلثي المشروع.
وتوضح الدراسة أن المبنى السكني في حي الصحة يتكون من أربعة طوابق، وأن كل شقة تشغل طابقين، فيما اتسم توزيع الأبنية بالنمط الخطي. كما يظهر المجمع في جدول الدراسة ضمن مشاريع السكن منخفض الارتفاع، مع تسجيل فترة التنفيذ ضمن «عقد الثمانينات».
من الثمانينيات إلى اليوم
وضع أبنية حي الصحة ضمن مشاريع الثمانينيات يعني أن جزءاً مهماً من عناصرها الإنشائية والخدمية يعمل منذ عقود. ومع تقدم عمر أي منشأ خرساني، تصبح أعمال الفحص والصيانة الدورية أكثر أهمية، خصوصاً عندما تظهر في بعض الأبنية مظاهر تلف تحتاج إلى تحديد أسبابها ومدى تأثيرها في العناصر الحاملة.
ولا يعني مرور الزمن وحده أن المبنى أصبح غير صالح للسكن، كما لا يمكن اعتماد عمر البناء لتحديد سنة محددة لانهياره. فالعمر المتبقي لأي مبنى يرتبط بحالته الإنشائية الفعلية، ونوعية المواد، ومستوى الصيانة، وظروف التعرض للرطوبة، وحالة الخرسانة وحديد التسليح، والأحمال الواقعة على العناصر الإنشائية، وأي تغييرات أو إضافات طرأت على المبنى خلال سنوات استخدامه.
لكن استمرار التدهور الإنشائي، إذا ثبت وجوده، من دون معالجة يمكن أن يحول المشكلة من أضرار موضعية قابلة للإصلاح إلى أضرار أكثر تعقيداً تتطلب تدخلاً إنشائياً واسعاً.
الحديد المتآكل والخرسانة المتساقطة.. إشارات تستحق التحقيق
من أبرز العلامات التي تستوجب اهتماماً هندسياً ظهور حديد التسليح المتآكل أو المكشوف، إلى جانب انفصال أجزاء من الغطاء الخرساني، ولا سيما عندما تظهر هذه الأضرار في الأعمدة أو العناصر التي تدخل في منظومة نقل الأحمال.
فالتآكل لا يمثل مشكلة شكلية فقط؛ إذ يمكن أن يؤدي إلى تمدد نواتج التآكل داخل الخرسانة، وما يرافق ذلك من تشققات وانفصال للغطاء الخرساني، بينما يحتاج تحديد تأثير الضرر في قدرة العنصر الإنشائية إلى فحص متخصص يحدد مقدار التلف وحالة التسليح والخرسانة.
ولهذا فإن ظهور أضرار كبيرة في الأعمدة الحاملة لا ينبغي التعامل معه على أنه مجرد تشوه بصري، وفي الوقت نفسه لا يصح تحويله مباشرة إلى توقع بأن الانهيار سيحدث خلال أيام أو أشهر. الحكم في هذه الحالة يحتاج إلى معاينة ميدانية وحسابات وفحوص مختبرية تحدد مستوى الخطورة لكل مبنى على حدة.
الإضافات فوق الأسطح تفتح سؤال الأحمال
وتزداد أهمية الفحص عندما تكون بعض الأبنية قد شهدت إضافات أو إنشاء غرف فوق الأسطح أو تغييرات في الاستخدام الأصلي للمبنى. فأي إضافة إنشائية تعني أحمالاً جديدة ينبغي مقارنتها بالتصميم الأصلي وقدرة العناصر الحاملة على استيعابها.
ومن هنا، فإن التعامل مع الإضافات بوصفها مسألة شكلية فقط قد لا يكون كافياً؛ إذ ينبغي التأكد هندسياً من تأثيرها في البلاطات والكمرات والأعمدة والأساسات، فضلاً عن تأثيرها في مسار الأحمال داخل المبنى.
السنوات المقبلة.. ماذا ينتظر أبنية حي الصحة؟
مع اقتراب أبنية حي الصحة من إكمال أربعة عقود على إنشائها، تبرز تساؤلات بشأن قدرتها على مواصلة الخدمة خلال السنوات المقبلة، خصوصاً في الأبنية التي تظهر فيها مظاهر تلف أو تدهور في بعض أجزائها وعناصرها الإنشائية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر عند الحديث عن المباني التي تعتمد في إنشائها على عناصر مسبقة الصنع أو نظم إنشائية تتضمن فواصل ووصلات بين أجزاء المبنى، إذ تمثل هذه المناطق نقاطاً تحتاج إلى متابعة وفحص مع مرور الزمن. فتعرض الفواصل والوصلات للرطوبة وتسرب المياه أو التآكل والتلف قد يؤثر في كفاءتها، فيما يتطلب تحديد مدى تأثير أي ضرر فيها فحصاً هندسياً يدرس تفاصيل الربط بين العناصر وحالة المواد المحيطة بها.
ومع مرور نحو أربعة عقود على التنفيذ، فإن ظهور تشققات أو انفصال في أجزاء من الخرسانة أو انكشاف حديد التسليح، بالتزامن مع وجود أضرار في مناطق التقاء العناصر أو الفواصل، يستدعي التعامل مع الحالة باعتبارها ملفاً إنشائياً يحتاج إلى تقييم، وليس مجرد مشكلة صيانة سطحية.
العمر المتبقي.. ماذا يحدث إذا استمر الإهمال؟
ولا يتعلق السؤال بعمر أبنية حي الصحة فقط، بل بالمدة التي يمكن أن تواصل فيها أداء وظيفتها بأمان إذا استمر وضعها الحالي من دون صيانة أو تدعيم. فاستمرار الرطوبة والتآكل وتدهور الخرسانة والعناصر الإنشائية قد يؤدي تدريجياً إلى تقليص العمر الخدمي لبعض العناصر، فيما يمكن أن تصل الأبنية الأكثر تضرراً إلى مرحلة تتطلب تدخلاً إنشائياً كبيراً قبل بلوغ نهاية عمرها الخدمي.
ومن الناحية الهندسية، تختلف سرعة التدهور من بناية إلى أخرى ومن عنصر إلى آخر، ولذلك لا يمكن اعتبار عام واحد موعداً مؤكداً لانهيار جميع الأبنية. لكن إذا استمر الإهمال وغياب الصيانة والتدعيم، فإن عام 2045 يمكن اعتباره أفقاً زمنياً حرجاً ينبغي ألا تصل إليه الأبنية المتضررة من دون تقييم ومعالجة، خصوصاً أن استمرار التآكل وتلف الخرسانة والفواصل والوصلات قد يقلص العمر الخدمي للعناصر بصورة تدريجية.
ولا يعني ذلك أن جميع أبنية حي الصحة ستنهار في عام 2045، أو أن هذا التاريخ يمثل موعداً هندسياً ثابتاً للانهيار، وإنما يمثل تقديراً زمنياً احترازياً لخطورة استمرار التدهور من دون تدخل. فقد تصل بعض الأبنية الأكثر تضرراً إلى مرحلة تستوجب التدعيم أو الإخلاء قبل ذلك، في حين قد تستمر أبنية أخرى لفترة أطول إذا كانت حالتها الإنشائية أفضل أو خضعت لأعمال معالجة وصيانة.
وهنا يصبح السؤال الأكثر أهمية: كم سنة يمكن أن تبقى كل بناية في الخدمة بأمان إذا استمر معدل التدهور الحالي من دون صيانة؟ والإجابة لا يمكن أن تكون رقماً واحداً ينطبق على كامل حي الصحة، بل تحتاج إلى تقييم مستقل لكل بناية، يحدد حالة عناصرها الحاملة ومعدل تدهورها والعمر الخدمي المتبقي لها.
من الصيانة إلى التدخل الإنشائي
استمرار التدهور في الأبنية التي تعاني بالفعل من أضرار إنشائية قد يجعل السنوات المقبلة أكثر كلفة من الناحية الإنشائية، وقد يدفع بعض الأبنية من مرحلة الصيانة الاعتيادية إلى مرحلة تتطلب تدخلاً أكثر تعقيداً، سواء من خلال المعالجة أو التدعيم أو إعادة التأهيل.
وفي الحالات التي تظهر فيها أضرار مؤثرة في الأعمدة أو العناصر الحاملة أو مناطق التقاء العناصر، فإن تحديد مستوى الخطورة لا يمكن أن يعتمد على المعاينة البصرية وحدها. فالفحص المتخصص هو الذي يمكن أن يحدد طبيعة الضرر ومداه، وما إذا كان قد أثر في قدرة العنصر على الاستمرار في أداء وظيفته، وما إذا كانت المعالجة المطلوبة موضعية أم تستوجب تدخلاً إنشائياً أوسع.
وبذلك، فإن القضية لا تتعلق بعمر أبنية حي الصحة وحده، وإنما بما تركته عقود من الاستخدام والصيانة على حالتها الإنشائية، ومدى قدرة عناصرها المختلفة على مواصلة أداء وظائفها. ويبقى تحديد العمر المتبقي لكل بناية مرتبطاً بنتائج تقييم إنشائي ميداني يحدد مستوى الضرر وحالة العناصر الحاملة والفواصل والوصلات، وما إذا كانت الأبنية تحتاج إلى صيانة أو تدعيم أو إعادة تأهيل.
المطلوب.. مسح إنشائي شامل
ومع بلوغ أبنية حي الصحة عمراً يقارب أربعة عقود، فإن الخطوة الأكثر إلحاحاً ليست انتظار ظهور أضرار أكبر، بل إجراء مسح إنشائي منظم للأبنية، يبدأ بالمعاينة البصرية للعناصر الحاملة، وفحص التشققات والتقشر وانكشاف حديد التسليح وآثار الرطوبة، وصولاً إلى الفحوص غير المتلفة والمخبرية عند الحاجة.
وينبغي أن يشمل التقييم مناطق التقاء العناصر والفواصل والوصلات، إذا كان نظام البناء المستخدم في المشروع يعتمد عليها، إلى جانب الإضافات المنفذة فوق الأسطح، وحالة شبكات تصريف المياه، ومصادر الرطوبة، وأي تغييرات طرأت على المباني منذ إنشائها.
كما ينبغي، عند توفر الوثائق، مقارنة الوضع الإنشائي القائم بالمخططات والتصاميم الأصلية للمباني، بما يسمح بتحديد أي تغييرات في الأحمال أو الاستخدام أو الإضافات التي طرأت على المبنى خلال سنوات الخدمة. وتعد عملية تقييم الحالة الحالية خطوة أساسية قبل تقدير العمر الخدمي المتبقي أو تحديد نوع التدخل المطلوب.
وبذلك يتحول ملف حي الصحة من مجرد نقاش حول «عمر الأبنية» إلى ملف هندسي واضح: ما حالة كل بناية؟ وما حجم الضرر؟ وما العناصر التي تحتاج إلى معالجة؟ وهل تكفي الصيانة أم أن الحالة تتطلب تدعيماً أو إعادة تأهيل؟ وأي الأبنية تحتاج إلى تدخل عاجل؟
فبعد عقود من الخدمة، لا تكمن القضية في عدد السنوات التي مضت فقط، وإنما في عدد السنوات التي يمكن أن تبقى فيها الأبنية صالحة للخدمة بأمان في ظل معدل التدهور القائم. والإجابة عن هذا السؤال هي التي يمكن أن تحدد ما إذا كانت بعض الأبنية تحتاج إلى تدخل الآن، أو إلى برنامج صيانة مكثف، أو إلى تدعيم وإعادة تأهيل قبل أن تتفاقم الأضرار وتتحول إلى مشكلة إنشائية أكبر.
مرفق فيديو: ماذا حدث لمنطقة الدورة؟.. مواطن يتحدث عن العشوائيات، قناة سامراء الفضائية
انتهى



