سبتمبر 27, 2026
LOGO

دراسة تقدير موقف بمنهج المدرسة السلوكية

محمد ابو النواعير

تقدير الموقف

تقوم هذه الدراسة على فرضية مركزية مفادها أن القضية الحسينية مع كونها ذات بعد وجداني وتاريخي عالمي عابر للحدود، الا ان خصوصيتها الحدثية والظرفية في العراق، وما قدمه العراقيين خلال قرون طويلة من دماء وتضحيات وارواح، جعلها تتحول (في جزء منها) الى قضية وطنية عراقية، تحمل في مكوناتها مقومات وجودها واستمرارها وتمسك جمهور الشعب بها.

ومع ان الإمام الحسين (ع) يمثل رمزاً دينياً وإنسانياً عابراً للحدود، وقضية كربلاء تجاوزت منذ نشأتها حدود الجماعة والمكان لتصبح نموذجاً للعدالة والتضحية ومقاومة الظلم، إلا أن ما منح هذه القضية، داخل العراق تحديداً، طابعاً وطنياً متجذراً ليس مجرد وقوع واقعة الطف على أرض العراق قبل 1330 عام، ولا مجرد قداسة المكان، وإنما السلوك الجمعي التضحوي العراقي المتراكم عبر الأجيال، وما صاحبه من بذل للدم والمال والوقت والجهد، يضاف له تحول هذا السلوك الى أنماط أخرى من التعلق والانصهار والايمان بالحسين وقضيته، حيث نجد أنماط مستمرة من الزيارة والخدمة والرثاء وإحياء الذكرى وحماية المكان وضيافة الزوار، تتكرر بشكل دوري تراكمي خلال قرون طويلة.

وبذلك يمكن التمييز بين مستويين متداخلين: عالمية الرمز الحسيني، وعراقية التجربة الاجتماعية المتولدة حوله، هذه التجربة الاجتماعية، عملت على خلق رواسب ذهنية وانفعالية في الوعي الجمعي المتشكل باستمرار، مما حولها إلى قضية وطنية عراقية، حتى بات الذاكر للقضية الحسينية، سيقاد وعيه لا شعوريا نحو مفردات عراقية: التضحية العراقية، السجون والقتل والتعذيب الذي أصاب زوار الحسين من العراقيين ، كرم الضيافة العراقية، تحقيق حالة الإيواء والحماية لزوار الامام عليه السلام؛ فالعراقيون لا يمتلكون الحسين بوصفه رمزاً دينياً، ولا تنحصر قضيته في قومية أو شعب أو حدود جغرافية؛ لكن المجتمع العراقي، بفعل استمرارية سلوكه الجمعي تجاه كربلاء والحسين، أصبح أحد أهم الحوامل التاريخية والاجتماعية لذاكرة القضية، ومن ثم فإن (عراقية القضية الحسينية) لا تعني احتكارها، وإنما تعني أن العراق منحها بيئة وطنية حاضنة أعادت إنتاجها بصورة مستمرة حتى أصبحت جزءاً من ذاكرته الاجتماعية وهويته الثقافية، وهذا ما قاد لتوافر اشتراطات تحولها (في جنبتها العراقية) إلى قضية وطنية عراقية راسخة، لا يمكن تجاوزها.

هذه القضية اذا جرى ترسيخها كحالة دينية بالدرجة الأولى- وطنية بالدرجة الثانية، في المخيال العراقي، فان ذلك سيمنح القضية الحسينية حصانة جماهيرية تستمر ابد الدهر، ضد أي عملية من عمليات او محاولات سلخ الحسين ع وقضيته عن الوجدان العراقي، سواء بالغزو العقلي والثقافي الناعم، او بالايذاء البشري المباشر.

أولا: المدخل السلوكي ــ من الرمز إلى السلوك

ينطلق المنهج السلوكي في دراسة الظواهر السياسية والاجتماعية من ملاحظة السلوك الفعلي للأفراد والجماعات، لا من الحكم المسبق على قيمة الأفكار التي يؤمنون بها؛ ولذلك فإن السؤال السلوكي هنا ليس:  (ماذا يعني الحسين في الفكر الديني؟) وإنما: ماذا فعل العراقيون عبر الزمن تجاه قضية الحسين؟ وما الذي أنتجه هذا السلوك المتكرر؟

ومن هذه الزاوية ستظهر لنا سلسلة سلوكية يمكن تمثيلها بالصيغة الآتية:

رمز تاريخي، قاد الى: ذاكرة جماعية، قادت الى: سلوك جمعي متكرر: قاد الى: تضحية كبيرة مستمرة، قادت الى : انتقال بين الأجيال، لتتحول هذه في النهاية الى : هوية وذاكرة وطنية.

فالرمز لا يتحول إلى مكوّن من مكونات الهوية بمجرد وجوده في الوعي؛ وإنما يترسخ عندما يتحول الاعتقاد به إلى ممارسة اجتماعية قابلة للتكرار والتوارث، وهذا ينسجم مع الاتجاه السلوكي في العلوم السياسية الذي يركز على الفعل الجماعي والمشاركة والسلوك الفعلي بوصفها مداخل لفهم الظواهر السياسية والاجتماعية.

وفي الحالة الحسينية العراقية، لا تقف الممارسة عند إحياء ذكرى تاريخية، وإنما تتخذ أشكالاً واسعة: تضحية، تعرض مستمر للظلم من قبل المخالفين، ومن قبل السلطات الظالمة على مر التأريخ، دماء قدمها العراقيون من اجل القضية الحسينية، اعدامات اقامتها حكومات الظلم من اجل سلخ العراقي عن هذه القضية، تهجير، مصادرة أموال، قطع الكفوف، فبقي العراقي صامدا: يقيم المجالس، المواكب، الزيارة، المشي، الضيافة، التبرع، الخدمة، الإنفاق، تحمل المشقة، واستمرار نقل هذه الممارسات من الآباء إلى الأبناء.

وتقدم زيارة الأربعين مثالاً بالغ الدلالة على ذلك؛ إذ تصف اليونسكو ممارسة تقديم الخدمات والضيافة للزائرين بأنها ممارسة اجتماعية منتشرة في مناطق وسط وجنوب العراق، تقوم على التطوع والتعبئة الاجتماعية، وتعدها عنصراً معرفاً للهوية الثقافية العراقية، كما توثق مشاركة العائلات والمتطوعين والطواقم الطبية وأصحاب المواكب وأصحاب المنازل في تقديم الخدمات مجاناً للزائرين.

وعليه، فإن ما يهم التحليل ليس فقط عدد المؤمنين بالقضية، وإنما حجم السلوك الاجتماعي، وتجذره باعماق الوعي والمخيال الاجتماعي والديني عند العراقيين، والذي نجح خلال قرون طويلة، من إعادة انتاجه.

ثانياً: تضحية العراقيين خلال التاريخ، بوصفها آلية لتوطين القضية وطنياً

مع ان القضية الحسينية تتجاوز، في بعدها الرمزي، مفهوم الانتماء القومي؛ فالحسين (ع) لم يقدم نفسه بوصفه ممثلاً لقومية حديثة، كما أن معنى كربلاء لا يستند إلى حدود الدولة الحديثة، الا ان خصوصية الدماء العراقية التي اريقت من اجل هذه القضية ومن اجل تثبيتها وترسيخها وديمومتها، خلال قرون طويلة، هي التي جعلت من القضية الحسينية لها خصوصية وتجذر وانصهار في الوعي الجماهيري العراقي العام، مما حولها (في جنبة منها)، الى قضية وطنية عراقية بامتياز، بحيث باتت تعد من الثوابت الوطنية العليا، حتى باتت اليوم تخصص لها الدولة العراقية مقدارا كبيرا من الاهتمام والإمكانات والميزانيات والنفقات، الداعمة لها، باعتبارها باتت جزءا لا يتجزء من مكونات القضية الوطنية العراقية، وهذا قاد إلى ان أصبحت تمثل ذاكرته وممارسته الاجتماعية المتجذرة في التجربة العراقية، وهنا تكتسب التضحية أهميتها في تكوين الوعي الوطني.

فالقضية التي تبقى في مستوى الفكرة يمكن أن تكون عابرة للجماعات؛ أما القضية التي تدفع جماعة اجتماعية إلى تحمل الكلفة بصورة مستمرة فتدخل في عملية مختلفة من بناء الهوية، والتضحية هي أعلى أشكال الكلفة الاجتماعية؛ لأنها تعني أن الفرد أو الجماعة لا يكتفيان بالإيمان بالرمز، وإنما يدفعان اثمانا مادية وجسدية وزمانية من اجله.

وفي الحالة العراقية، تراكمت هذه الكلفة عبر أجيال، وباشكال وصور وتمثلات مختلف:  صورة خدمة وزيارة وإنفاق واستضافة ومشاركة ومخاطرة، فضلاً عن الدماء التي ارتبطت تاريخياً بإحياء الشعائر والزيارة في مراحل مختلفة من تاريخ العراق الحديث والمعاصر، ومن منظور سلوكي، يمكن القول إن التضحية هي المتغير الذي ينقل الرمز من مجال الاعتقاد إلى مجال الهوية.

فالعراقي لا يقول فقط: (هذه قضية أؤمن بها)، وإنما يترجم ذلك إلى فعل: يضحي، يقدم نفسه وعياله قرابين لهذه القضية، يقدم دمه، يضحي بحياته، يتمسك بها باصرار وعناد كبيرين، يتحدى السلطة الظالمة، يقدم جسده درعا ضد المفخخات والإرهاب؛ ومن جانب الايثار والخدمة: يفتح منزله، ينفق ماله، يقدم الطعام والماء، يقطع المسافات، يتحمل التعب، ويعيد ممارسة الطقس عاماً بعد عام، وبذلك يتحول الانتماء من موقف ذهني إلى سلوك جمعي متكرر، يترسخ بالتراكم والتقادم بصيرورة اجتماعية، تحوله الى هوية وطنية راسخة ترتبط باسمه : كعراقي.

وهذا يتوافق مع تصور عالم الاجتماع انطوني سميث لدور الأساطير والذكريات والرموز في تشكيل الجماعات؛ فهو يرى أن الرموز والذكريات التاريخية تستطيع تعبئة الجماعة وتعريفها، وأن الارتباط بالأماكن المقدسة والذاكرة الموطنة جغرافياً يمثل أحد عناصر بناء التضامن الجماعي، والذي يقود الى تشكل جزء من الهوية الوطنية.

ثالثاً: من الذاكرة الحسينية إلى الذاكرة الوطنية العراقية

تقدم نظرية موريس هالبفاكس حول الذاكرة الجماعية مدخلاً مهماً لفهم هذه العملية، فالذاكرة ليست مجرد مخزون فردي للأحداث، وإنما تتشكل داخل أطر اجتماعية؛ والجماعة تعيد إنتاج الماضي من خلال طقوسها ومؤسساتها وعلاقاتها وأفعالها المتكررة، وتؤكد الدراسات أن الذاكرة الجمعية تربط الماضي بالحاضر والمستقبل، وتؤثر في الهوية والسلوك والاتجاهات.

وبهذا المعنى، فإن كربلاء لم تبقَ حادثة تاريخية في الوعي العراقي، وإنما تحولت إلى ذاكرة هوية وممارسة، جعلها بمرور الضغوط والاحداث خلال الزمن، تتحول الى جزء من الفضاء الوطني العمومي العراق العام.

وهنا تظهر خصوصية العراق: فالبلد لا يحتضن فقط المكان الذي وقعت فيه الواقعة، بل يحتضن منظومة اجتماعية واسعة تعيد إنتاج ذكراها سنوياً؛ ومن ثم فإن العلاقة بين العراق والحسين لا تقوم على الجغرافيا وحدها، بل قامت أيضا على على الجغرافيا + الذاكرة + السلوك + التضحية.

وتتوافق هذه النتيجة أيضاً مع الدراسات التي تناولت كربلاء بوصفها فضاءً تتداخل فيه الذاكرة والمكان والطقوس والهوية، وتبين كيف تسهم الممارسات الطقسية والأماكن المقدسة في إعادة إنتاج الذاكرة والهوية الجمعية بصورة متكررة، وتحولها الى مقوم هوياتي مشترك، تنضوي تحته القناعة الشعبية؛ وهنا يمكن تحديد الفارق بين (الرمز العالمي) و(القضية الوطنية)

الرمز العالمي: الحسين بوصفه نموذجاً للتضحية والعدالة ومقاومة الظلم.

القضية الوطنية العراقية: العلاقة التاريخية والسلوكية التي نسجها العراقيون مع هذا الرمز، وحولوا من خلالها كربلاء إلى جزء من ذاكرتهم وممارستهم الاجتماعية.

وهذا هو جوهر التوطين الوطني للقضية، فالقضية الوطنية لا تُصنع عادةً بقرار إداري، بل هي تتكون عبر التراكم، حيث تنصهر وتعيد تشكيل نفسها بشكل مستمر؛ فالحادثة التي تقع اليوم، قد تكون مهمة جداً، لكنها لا تصبح بالضرورة قضية وطنية، ولكي تصبح كذلك، تحتاج إلى أن تدخل في الذاكرة الجماعية وتُعاد روايتها عبر الأجيال.

وهذا قريب من فكرة الذاكرة الاجتماعية/الجماعية عند موريس هالبفاكس، وكذلك من المدرسة الإثنو-رمزية عند أنطوني سميث التي تركز على الأساطير والرموز والذكريات والأماكن المقدسة بوصفها مواد يمكن أن تتشكل منها الهوية الجماعية للشعب، حيث تشير الأدبيات الحديثة إلى أن الرموز والطقوس والذاكرة الاجتماعية والأماكن المقدسة تؤدي غالبا دوراً في تشكيل الجماعات القومية.

وهنا يمتلك الحسين شرطاً قوياً جداً، ليكون جزءا من القضية الوطنية العراقية الراسخة:

أكثر من ثلاثة عشر قرناً من الاستمرارية في الذاكرة والممارسة.

رابعا: التحول من الحدث إلى الذاكرة

مع ان الامام الحسين عليه السلام جاء من الحجاز الى العراق، إلا ان تحوله الى رمز وطني في العراق (إضافة لعنوانه كامام مفترض الطاعة عند الشيعة)، جاء عبر تحول قضيته من حدث زماني ماضي، الى ذاكرة معاشة بتجذر وتجدد مستمر في الوعي والمخيال العراقي، فالواقعة التاريخية تصبح ذات أثر وطني عندما لا تبقى (حادثة في الماضي)، وإنما تتحول إلى ذاكرة حاضرة، مستمرة، متجددة.

مثلاً:

كربلاء، أصبحت تعني: عاشوراء، المجالس، الزيارة، الشعائر، الدماء، الاعتقالات، المطاردة، الاعدامات، التهجير، حيث تتم إعادة صياغتها دوما عبر : الأدب، الشعر، المواكب، الخدمة، الذاكرة العائلية، مما ساهم في انتقالها من جيل إلى جيل، وهنا لم يعد الحدث مجرد: (شيء حدث سنة 61 ه)، بل أصبح: (شيئاً نفعله ونتذكره ونرويه ونورثه)، وهنا تكون السيرورة التاريخية عاملا مهما في صناعة الوعي بفكرة وطنية.

وهذا بالضبط أحد الأسباب التي جعلت قصة كربلاء ذات دور مركزي في تشكل الهوية الشيعية تاريخياً؛ فالدراسات الحديثة عن تطور قصة كربلاء تبيّن كيف انتقلت من واقعة تاريخية إلى سردية ذات وظيفة هوياتية وطقسية واسعة في تشكل الوعي الشيعي.

لقد قدم الحسين نفسه التضحية، ثم أصبح العراقيون يقدمون تضحياتهم في سبيل حفظ ذاكرته وإحياء قضيته، وهذا ينتج علاقة رمزية شديدة القوة:

تضحية الحسين، ولّدت ذاكرة، الذاكرة ولّدت ممارسة، الممارسة ولّدت تضحية اجتماعية متكررة.

وهنا يمكن أن تصبح (التضحية الحسينية) و(التضحية العراقية) متصلتين داخل الذاكرة الجماعية، دون القول إن العراقيين يملكون الحسين أو أن الحسين شخصية عراقية بالمعنى القومي الحدي.

يضاف لذلك، ان من مميزات القضية الوطنية واهم اشتراط من اشتراطات وجودها، هي امتلاكها للقابلية على الانتقال الرمزي عبر الأجيال؛ القضية الوطنية الحقيقية يجب أن تكون قادرة على الإجابة عن السؤال: هل ورثها الأبناء عن الآباء؟ فإذا كان الرمز يظهر ويختفي بحسب الظروف السياسية، فهو رمز سياسي، وديمومته ستكون بمقدار تفاعل الفئة الاجتماعية مع ظرفية الحالة السياسية ، وتداعياتها الزمانية والمكانية، أما إذا بقي عبر أجيال متعاقبة، وأصبح جزءاً من التربية والعائلة والمدينة واللغة والمناسبات، فإنه يتحول إلى ذاكرة جمعية راسخة، تعبر نطاق الممارسة الاجتماعية الظرفية، الى وعي وطني كامل يحاول الإحاطة بها؛ وهذا متحقق بصورة واضحة في الحالة الحسينية.

ان من اهم شروط تحقق القضية الوطنية اليوم، هو إيجاد مشترك هوياتي جامع، يخلق حالة من التضامن الداخلي بشكل مقصود او غير مقصود، فالقضية الوطنية تستطيع أن تجعل أفراداً مختلفين يشعرون بأن بينهم شيئاً مشتركاً.

ولهذا فإن الهوية الوطنية ليست مجرد (صفات مشتركة)، وإنما أيضاً شعور بالانتماء معاً، وتشير الأدبيات المعاصرة إلى التمييز بين إحساس الفرد بأنه (ينتمي إلى) جماعة، وإحساس أعضاء الجماعة بأنهم (ينتمون معاً)؛ وأوضح تجلي لهذا الامر نتلمس اثاره الواضحة في زيارة اربعينية الامام الحسين عليه السلام، وذلك بوصفها ظاهرة تنتج:

تضامناً اجتماعياً واسعاً عبر العائلة، والمدينة، والعشيرة، والطبقة الاجتماعية، والمهنة، والعمر، وغيرها من الفوارق.

وقد يبدو للوهلة الأولى أن القول بعراقية القضية الحسينية يتعارض مع طبيعتها العالمية، إلا أن هذا التعارض يزول إذا ميزنا بين أصل الرمز ومجال انتشاره، وبين الحاضنة التاريخية والاجتماعية للرمز.

فالحسين (ع) ليس رمزاً عراقياً حصراً؛ والدليل السلوكي نفسه يؤكد ذلك، إذ يشارك في الزيارة والخدمة الحسينية أناس من بلدان متعددة. كما تشير الدراسات المعاصرة إلى أن كربلاء تؤدي دوراً مركزياً في إعادة إنتاج هوية دينية عابرة للحدود، وأن فضاءها المقدس يرتبط بشبكات واسعة من الزيارة والذاكرة والممارسة، لكن هذا الانتشار العالمي لا يلغي الخصوصية الدقيقة والمتشابكة (اجتماعيا وجدانيا عقائديا تاريخيا) بالتجربة العراقية؛ بل يبرزها.

فالزائر القادم من خارج العراق يدخل إلى بيئة عراقية سبق أن بنت منظومة اجتماعية كاملة لاستقبال القضية وممارستها. والعائلة العراقية، والموكب العراقي، والمضيف العراقي، والمدينة العراقية، والطريق العراقي إلى كربلاء، كلها أصبحت أجزاء من البنية الاجتماعية التي يتم من خلالها استقبال هذا الرمز العالمي.

ومن ثم فإن العلاقة يمكن توصيفها بالمعادلة التالية:

عالمية القيمة + عراقية المكان + عراقية الممارسة + عراقية التضحيات = خصوصية وطنية عراقية للقضية الحسينية.

وهنا لا يصبح العراق مالكاً للقضية، وإنما يصبح حاضنتها الوطنية التاريخية.

النتيجة:

إن أفضل توصيف للقضية الحسينية في السياق العراقي ليس أنها (قضية عراقية حصراً) من حيث مضمونها، ولا أنها (قضية دينية فقط)،  من حيث مجالها، وإنما أنها قضية إنسانية ودينية عابرة للحدود اكتسبت، بفعل التراكم التاريخي للسلوك والتضحية العراقية، خصوصية وطنية عراقية راسخة.

فالحدود لم تصنع عراقية القضية؛ بل السلوك الجمعي هو الذي صنعها.

والمكان وحده لم يجعل كربلاء قضية وطنية؛ الذاكرة التي أعاد العراقيون إنتاجها حول المكان هي التي فعلت ذلك.

والإيمان وحده لم يحول الحسين إلى مكوّن من الذاكرة العراقية؛ بل التضحية المتكررة، وما رافقها من دم ومال ووقت وجهد وخدمة، هي التي نقلت القضية من مستوى الاعتقاد إلى مستوى الهوية الاجتماعية.

وعلى الله قصد السبيل .

د. محمد أبو النواعير

دكتوراه في النظرية السياسية/ المدرسة السلوكية الامريكية المعاصرة في السياسة.