سبتمبر 28, 2026
LOGO

د. فاضل حسن شريف

عرض الحوادث الثلاثة ومحاورها القرآنية: 1. غزوة الخندق (الأحزاب) – 5 هـ: وقعت عندما حاصرت القبائل العربية المدينة المنورة، ووثّقها القرآن في سورة الأحزاب. المحور القرآني: التركيز على تمحيص القلوب وشدة الابتلاء، وكشف مواقف المنافقين وثبات المؤمنين. الآية: “إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا” (الأحزاب 10-11) الدرس الإيماني: الثبات عند الشدة، بيّنت الآيات أن النصر جاء بريح وجنود لم يروها، وردّ الله كيد الأحزاب دون قتال. 2. فتح مكة – 8 هـ: تجلّى فيه دخول المسلمين مكة سلمًا بعد نقض قريش للعهد، ورُسِمت ختامياته في سورة النصر والتمهيد له في سورة الفتح. المحور القرآني: بيان عظمة النصر وتدفق الناس في الدين، مع التوجيه لكيفية استقبال النعم. الآية: “إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا” (النصر 1-3) الدرس الإيماني: التواضع والشكر، مقابلة الفتوحات العظام بالاستغفار والتسبيح لا بالفخر والكبرياء. 3. غزوة حنين – 8 هـ: وقعت عقب فتح مكة ضد قبيلتي هوازن وثقيف، وتُعدّ من المواقع القليلة التي ذُكر اسمها صراحة في القرآن الكريم في سورة التوبة. المحور القرآني: معالجة آفة العُجب بالكثرة، والتذكير بأن النصر لا يأتي إلا من عند الله. الآية: “لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ” (التوبة 25-26) الدرس الإيماني: صدق التوكل، الأسباب المادية والكثرة العددية لا تغني شيئًا إن زال التوكل الخالص على الله، والسكينة هي مصدر الثبات.

تتُشكل حوادث الخندق، وفتح مكة، وحنين محطات بارزة في التراث الإسلامي وروايات أهل البيت عليهم السلام، حيث تُبرز النصوص والرويات المروية عنهم دورهم المحوري في ثبات الأمة، ونصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتأصيل القيم الإيمانية والقتالية. 1. غزوة الخندق (الأحزاب) – 5 هـ: تُعدّ غزوة الخندق في الروايات والمدونات التاريخية لأهل البيت نقطة التحول الكبرى في الميزان العسكري والفكري للإسلام. بروز الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: تتفق الروايات المصدرية على أن الموقف الحاسم في الغزوة كان خروج الإمام علي لمبارزة عمرو بن عبد ود العامري بعد أن عبر الخندق ودعا للمبارزة وهابته الرجال. الأحاديث والآثار المروية: قوله صلى الله عليه وآله وسلم عند خروج علي لمبارزته: (برز الإيمان كله إلى الشرك كله). قوله صلى الله عليه وآله وسلم بعد قتله لعمرو: (ضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين) (وفي رواية: من عمل أمتي إلى يوم القيامة). القراءة التربوية عند أهل البيت: يُشدد الشراح والمفسرون من مدرسة أهل البيت على أن هذه الحادثة أثبتت أن النصر المعنوي والحسم الميداني تحققا بالجمع بين الثبات العقائدي والعمل الفدائي، مما كسر شوكة الأحزاب وأسقط هيبتهم.

2. فتح مكة – 8 هـ: يُسلّط منهج أهل البيت الضوء في فتح مكة على بعدين رئيسيين: تطهير المقدسات وإرساء قواعد الرحمة والتسامح. تطهير الكعبة المشرفة: تروي المصادر أن الإمام علي بن أبي طالب صعد على كتفي النبي صلى الله عليه وآله وسلم لتكسير الأصنام المنصوبة على ظهر الكعبة وفي داخلها، تحقيقاً للفتح الروحي والتطهير العقائدي للبقعة المباركة. حمل الراية وإبطال نغمة الانتقام: عندما دخل المسلمون مكة، أخذ سعد بن عبادة الراية وقال: (اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة)، فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الإمام علي بـأن يأخذ الراية منه وينادي: (اليوم يوم المرحمة، اليوم تصان الحرمة)، لتثبيت خط العفو والصفح. القراءة التربوية عند أهل البيت: تُبرز الروايات فتح مكة كنموذج لأخلاق النصر، حيث لم يكن الهدف التشفي أو الانتقام بل هداية الناس واستنقاذهم، وهو ما تجلى في إعلان الأمان العام للجميع. 3. غزوة حنين – 8 هـ: تُبرز المرويات في حادثة حنين التباين بين من اغتر بالكثرة المادية وبين من ثبت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند الصدمة الأولى والكمين المفاجئ. الثبات والصمود عند انقشاع الجيش: تروي المصادر أنه عندما باغتت قبيلتا هوازن وثقيف جيش المسلمين بالنبال وانفضّ معظم الجيش، ثبت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عدد قليل جداً من خواص بني هاشم والصحابة (في مقدمتهم الإمام علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن الحارث). المواجهة الميدانية: تذكر الروايات التاريخية أن الإمام علي قتَل قائد مجوسي /فرسان هوازن (أبا جرول) ورايته، مما يسر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم إعادة تنظيم الصفوف ولمّ شمل المسلمين وتحويل التراجع إلى نصر ساحق. القراءة التربوية عند أهل البيت: تُطرح هذه الحادثة كدرس في نفي العُجب بالأسباب الظاهرة، حيث تُبيّن أن النصر لا يرتبط بالعديد والعتاد بقدر ارتباطه بصدق التوكل، والسكينة الإلهية، وثبات القيادة والصفوة.

تعدّ هذه الحوادث الثلاث (الخندق، فتح مكة، حنين) من المحطات البارزة في كتاب (التبيان في تفسير القرآن) للشيخ أبي جعفر الطوسي (ت 460 هـ)، وهو شيخ الطائفة ومن أوائل المفسرين الذين جمعوا بين التفسير المأثور، التحليل اللغوي، والاعتبار العقدي والروائي. يعتمد الشيخ الطوسي في عرضه لهذه الحوادث على المنهج التحليلي للآيات مع دمج المرويات وأسباب النزول. 1. غزوة الخندق (سورة الأحزاب): تناول الشيخ الطوسي غزوة الخندق عند تفسيره لبدايات سورة الأحزاب (الآيات 9-25)، وركّز على جانبين: التمحيص الإيماني والموقف الميداني الحاسم. بيان الابتلاء وهول الحصار: يشرح الطوسي قوله تعالى: “إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أسْفَلَ مِنكُمْ” بالتقسيم الجغرافي لقوات الأحزاب، فقادَة بني قريظة وبنو النضير جاءوا من أعلى الوادي (المشرق)، وغطفان وأهل نجد وقريش جاءوا من أسفله (المغرب). ويبيّن أن (زلازل القلوب) بلغ أقصاه حتى ظهر النفاق وصرح المنافقون بشكوكهم، بينما ثبت المؤمنون الصادقون. مبارزة الإمام علي لعمرو بن عبد ود العامري: يُورد الشيخ الطوسي في تفسيره أن الحسم الميداني للبلاء وتشتيت الأحزاب كان بمبارزة الإمام علي بن أبي طالب لعمرو بن عبد ود، حيث يُبيّن أن عبور عمرو وسؤاله المبارزة أدخل الرعب في نفوس الكثيرين، فخرج إليه علي وقتله، وكان قتله لعمرو وهدم معنويات المشركين السبب الأساسي في انكسار شوكة الأحزاب قبل أن تُرسل عليهم الريح والجنود الخفية.

2. فتح مكة (سورتا الفتح والنصر): يتطرق الشيخ الطوسي لفتح مكة عند تفسير سورة الفتح (في التمهيد والصلح) وسورة النصر (في تمام الفتح ودخول الناس في الدين). مفهوم (الفتح المبين): يرى الطوسي أن قوله تعالى: “إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا” (الفتح 1) ينصرف في أصل النزول إلى صلح الحديبية، ولكنه يُسمّى فتحاً لأنه كان المقدمة والسبب المباشر لـ فتح مكة الأعظم، حيث أمن الناس واختلطوا، فظهرت محاسن الإسلام ودخل الناس فيه. بشارة سورة النصر وإبطال نغمة الانتقام: عند تفسير سورة النصر “إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ”، يذكر الطوسي أن المراد بالفتح هنا هو فتح مكة إجماعاً. ويشير إلى أن الفتح ارتبط بالرحمة، حيث أورد المأثور في أخذ الإمام علي للراية من سعد بن عبادة عندما قال سعد: (اليوم يوم الملحمة)، لينادي علي بأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (اليوم يوم المرحمة)، لتأكيد منهج العفو العام. 3. غزوة حنين (سورة التوبة) يعرض الشيخ الطوسي أحداث حنين عند تفسير الآيتين 25 و 26 من سورة التوبة: “لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ” (التوبة 25). تحليل سبب التراجع والعُجب: يُبيّن الطوسي المعنى اللغوي والتفسيري لقوله “إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ” (التوبة 25)، موضحاً أن المسلمين كانوا زهاء اثني عشر ألفاً (عشرة آلاف ممن شهدوا الفتح وألفان من طلقاء مكة)، فقال بعضهم: (لن نُغلب اليوم من قلّة)، فنَكَلوا عن التوكل الخالص. فلما باغَتَهم كمين هوازن وثقيف في وادي حنين، انهزم جم غفير من الجيش وضاق عليهم الوادي. الثبات ونزول السكينة: يُسجل الشيخ الطوسي في (التبيان) أن الذين ثبتوا مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عند الصدمة الأولى كانوا نفراً يسيراً جداً من بني هاشم وخاصتهم، وفي مقدمتهم الإمام علي بن أبي طالب الذي قاتل بين يدي النبي وقتل حامل راية هوازن (أبا جرول)، والعباس بن عبد المطلب الذي كان ينادي في الناس بأمر النبي حتى ثابوا ورجعوا، فأنزل الله السكينة وأيدهم بالجنود.