
د. فاضل حسن شريف
ورد ذكر شفاعة الملائكة في القرآن الكريم في عدة مواضع مقترناً بشروط وضوابط دقيقة تُبين عقيدة التوحيد، وتُوضح أن الشفاعة ليست ملكاً للملائكة يتصرفون فيها باستقلال، بل هي ملك لله وحده ولا تقع إلا بإذنه ورضاه. المواضع القرآنية لشفاعة الملائكة: وردت شفاعة الملائكة في القرآن لتبين مكانتهم العالية كعباد مكرمين، مع التأكيد على عدم قدرتم على الشفاعة لأحد تلقائياً: 1. شفاعة الملائكة مشروطة بالإذن والرضا: “وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى” (النجم 26) 2. اقتصار الشفاعة على من ارتضى الله قوله وعمله: “يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ” (الأنبياء 28) 3. استغفار حملة العرش والملائكة للمؤمنين: “الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ” (غافر 7) الضوابط القرآنية لشفاعة الملائكة: يتلخص المفهوم القرآني لشفاعة الملائكة في ثلاثة أركان أساسية: الإذن بالشفاعة: لا يجرؤ ملك على التقدم بالشفاعة لأحد إلا بعد صدور الإذن من الله تعالى. الرضا عن المشفوع له: لا يشفع الملائكة إلا لمن ارتضى الله دينه وعمله. الخشية والعبودية: الملائكة عباد مكرمون لا يسبقون الله بالقول ولا يعصون له أمراً، وشفاعتهم تصدر عن خضوع وامتثال لأمر الباري لا عن دالة أو سلطة مستقلة.
تحتلّ شفاعة الملائكة في المفهوم والتربية العقائدية عند أهل البيت عليهم السلام مكانةً جليلةً، حيث تُعرض ضمن منظومة التوحيد المطلق، والعبودية التامة لله عز وجل، وبما يتوافق تماماً مع الضوابط القرآنية (الإذن والرضا). تتنوع صور هذه الشفاعة في الروايات والزيارات والأدعية المأثورة عنهم، ويمكن تقسيمها إلى عدة أبعاد أساسية: 1. شفاعة الملائكة مشروطة بالتوحيد والولاية: تؤكد أحاديث أهل البيت أن شفاعة الملائكة ليست مطلقة، بل هي لمن ارتضى الله دينه وأخلص له بالتوحيد وأمر بالولاية والطاعة. عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام في تفسير قوله تعالى: “وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ”، قال: (لا يشفعون إلا لمن ارتضى الله دينه). وتدل الروايات على أن الملائكة تُعدّ من الشفعاء الذين يمنّ الله عليهم برتبة الشفاعة يوم القيامة، بجانب الأنبياء والأوصياء والعلماء والشهداء، ولكن شفاعتهم موجهة لأهل الإيمان والتقوى. 2. استغفار الملائكة كصورة من صور الشفاعة الدنيوية: تُبيّن نصوص أهل البيت أن شفاعة الملائكة لا تقتصر على موقف القيامة فقط، بل تبدأ في الدنيا عن طريق الاستغفار والدعاء للمؤمنين والتائبين: استغفار حملة العرش: ورد في أدعية الصحيفة السجادية للإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام في دعائه للملائكة: (وَحَمَلَةُ عَرْشِكَ الَّذِينَ لاَ يَفْتُرُونَ مِنْ تَسْبِيحِكَ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ إِذَا نَظَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ تَزْفَرُ عَلَى أَهْلِ مَعْصِيَتِكَ: سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ… وَأَشْيَاعُ الرُّسُلِ وَحُرَّاسُ وَحْيِكَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ)، مشيراً إلى دورهم الدائم في الاستغفار لأهل الأرض. الاستغفار لزوار الحسين عليه السلام والعلماء ومتعلمي العلم: وردت روايات مستفيضة تنص على أن الملائكة تستغفر وتصلي على طالب العلم، وعلى زائر الإمام الحسين عليه السلام، وتدعوا لهم بالمغفرة وقضاء الحوائج، وهو شكل من أشكال الشفاعة والدعاء المستجاب.
3. نزول الملائكة ومشاركتهم في الشفاعة يوم القيامة: في المأثور عن أهل البيت في وصف عرَصات القيامة، تُصوَّر الشفاعة كمراتب وتجليات لرحمة الله تعالى: يُؤذن للملائكة بالشفاعة بعد الأنبياء والأوصياء، فيشفعون لمن استحق المغفرة بفضل الله ورحمته ممن لم يرتكب موجبات الحرمان الأبدي. ورد عن النبي صلى الله عليه وآله في روايات أهل البيت: (يَشْفَعُ النَّبِيُّونَ وَالْمَلَائِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: بَقِيَتْ شَفَاعَتِي)، مما يُظهر أن شفاعتهم هي مظهر من مظاهر الرحمة الإلهية وفي طول إرادة الله تعالى. 4. التواضع الإلهي وعدم تجاوز الحدود: تُشدد أدعية ومناجيات أهل البيت على أن الملائكة رغم قُربهم وعظَمَتِهم خائفون وجلون من الله، لا يتجرؤون على الشفاعة إلا لمن أُذن لهم فيه: في دعاء أبا حمزة الثمالي المروي عن الإمام زين العابدين عليه السلام: (وَكَيْفَ لا يَبْكِي مَنْ لا يَدْرِي إِلى ما يَكُونُ مَصِيرُهُ، وَأَرى نَفْسِي تُخادِعُني، وَأَيَّامي تُخاتِلُني، وَقَدْ خَفَقَتْ عِنْدَ رَأْسِي أَجْنِحَةُ الْمَوْتِ)، مبيناً أن التوسل والشفاعة طريق نجاتهما القبول والإذن الإلهي.
في كتاب (التبيان في تفسير القرآن) للشيخ أبي جعفر الطوسي (ت 460 هـ)، يُعالج الشيخ الطوسي مسألة شفاعة الملائكة بعناية عقائدية ولغوية فائقة، متسقاً مع الأصول الكلامية والمذهب الإمامي. وتتجلى معالجة الشيخ الطوسي لشفاعة الملائكة في عدة مواضع رئيسية من التفسير، أبرزها عند تفسير آيات سورة الأنبياء وآية سورة النجم: 1. تفسير قوله تعالى: “وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ” (الأنبياء 28) في هذا الموضع، يقدم الشيخ الطوسي تحليلاً عميقاً لشروط شفاعة الملائكة وضوابطها: شرط الشفاعة (الرضا بالدين): يُبيّن الشيخ الطوسي أن معنى “إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ” (الأنبياء 28) أي: لا يشفع الملائكة إلا لمن ارتضى اللهُ دينَه وإيمانه. فالشفاعة مختصة بأهل التوحيد والإيمان، ولا تنال أهل الكفر والشِرك بحال. الرد على عبادة المشركين للملائكة: يشير الطوسي إلى أن الآية نزلت رداً على المشركين الذين زعموا أن الملائكة بنات الله وأنهم يعبدونهم لليشفعوا لهم عند الله، فأكّد القرآن أن الملائكة لا يملكون الشفاعة ابتداءً، ولا يشفعون تلقائياً، بل شفاعتهم مقيدة بإذن الله ورضاه عن المشفوع له. خوف الملائكة وخشيتهم: عند قوله تعالى “وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ”، يوضح الطوسي أن الملائكة مع جلالة قدرهم وعصمتهم حذرون خائفون من عقاب الله، فلا يتجرؤون على التقدم بالشفاعة لأحد إلا بحدود ما أُذن لهم. 2. تفسير قوله تعالى: “وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى” (النجم 26) يقف الشيخ الطوسي في تفسير هذه الآية عند نفي التأثير المستقل للملائكة: بيان العجز الذاتي ونفي الاستقلال.
تبيّن روايات أهل البيت عليهم السلام أن الشفاعة يوم القيامة نِعمةٌ وإكرامٌ يمنّ الله تعالى بهما على المقرّبين والصالحين لإظهار مقامهم وكرامتهم لديه. وقد وردت النصوص الشريفة في بيان ترتيب مراتب الشفعاء وتفاضل منازلهم في محشر القيامة، حيث تتدرّج مراتب الشفاعة بحسب القرب الإلهي وعظم المقام.
تتضح مراتب الشفعاء وتسلّسلهم وفق المأثور عن النبي وأهل بيته عليهم السلام كما يلي: 1. المقام المحمود: رسول الله صلى الله عليه وآله: يتصدّر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مراتب الشفعاء قاطبة، وشفاعته هي الشفاعة العظمى المعبّر عنها بـ “المقام المحمود” في قوله تعالى: “عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً”. يفتح الله تعالى له باب الشفاعة أولاً، وتستظل تحت شفاعته جميع المراتب التالية. ورد عن الإمام محمد الباقر عليه السلام: (لَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَعْظَمُ الشُّفَعَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ). 2. الأنبياء والترسلون والأئمة المعصومون عليهم السلام: تأتي في المرتبة التالية شفاعة الأنبياء والأنبياء أولي العزم، وتتصل بها وتتقدّمها في الأمة الإسلامية شفاعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والأئمة الطاهرين والأوصياء عليهم السلام. أُنزل هؤلاء منزلة القرب المباشر بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وشفاعتهم تشمل شيعتهم ومحبي أهل بيته ممن خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ولم يخرجوا عن ربقة الإيمان. ورد في الحديث الشريف عن أمير المؤمنين عليه السلام: (لَنَا شَفَاعَةٌ، وَلِأَهْلِ مَوَدَّتِنَا شَفَاعَةٌ). 3. الملائكة المقربون: تأتي شفاعة الملائكة (ومنهم حملة العرش والملائكة المقربون) في طول شفاعة النبي والأئمة والأنبياء، إذ يشفعون لمن أُذن لهم فيه من أهل التوحيد والإيمان. ورد في الحديث المشهور عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بيان هذا الترتيب: (يَشْفَعُ النَّبِيُّونَ وَالْمَلَائِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ). شفاعة الملائكة هي امتثال لأمر الله ودعاء يُستجاب للمؤمنين الذين ارتضى الله دينهم. 4. العلماء العاملون والفقهاء: يُرفع قدر العلماء والفقهاء الذين حرسوا دين الله وعلّموا الناس وهدوهم إلى الصراط المستقيم، فتُقبل شفاعتهم فيمن أخذ عنهم واهتدى بهديهم. ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام في بيان فضلهم على الشهداء في الشفاعة: (إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بَعَثَ اللَّهُ الْعَالِمَ وَالْعَابِدَ، فَإِذَا وَقَفَا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قِيلَ لِلْعَابِدِ: انْطَلِقْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَقِيلَ لِلْعَالِمِ: قِفْ تَشْفَعْ لِلنَّاسِ بِحُسْنِ تَأْدِيبِكَ لَهُمْ). 5. الشهداء في سبيل الله: يجيء الشهداء في مرتبة سامية يعقبون فيها العلماء، جزاءً لبذلهم أرواحهم ودماءهم في نصرة الحق. تُقبل شفاعة الشهيد في أهل بيته وأقاربه ومن أفضى إليهم بمعروف. ورد في النص المأثور عن النبي صلى الله عليه وآله: (ثَلَاثَةٌ يَشْفَعُونَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَيُشَفَّعُونَ: الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ العُلَمَاءُ، ثُمَّ الشُّهَدَاءُ). 6. عموم المؤمنين والصلحاء والقرآن والصيام: تتسع دائرة الشفاعة لتشمل سائر الصالحين والمؤمنين، فيشفع المؤمن لإخوانه وأرحامه وجيرانه، بل ورد أن القرآن الكريم والصيام والأعمال الصالحة تشفع لصاحبها يوم القيامة. الضابطة العامة للشفاعة في مدرسة أهل البيت: تؤكد الروايات أن هذا الترتيب ليس استقلالياً عن الإرادة الإلهية، بل كل الشفعاء عبادٌ مكرمون يأتمرون بأمر الله، ولا تنال شفاعتهم من استخف بالصلاة، أو أشرك بالله، أو ظلم العباد، بل هي مختصة بأهل الإيمان والتوحيد.


