سبتمبر 29, 2026
33333333333333333333

رياض سعد

*العقلانية والاتزان العاطفي في مواجهة الخطوب

ارتبط مفهوم الرجولة في الفكر العراقي و العربي والإسلامي عبر التاريخ بقيم الصبر، والتجلد، والسيطرة على الانفعالات عند حلول النازلات والابتلاءات … ؛  ولم يكن الصبر مجرد خيار أخلاقي، بل عُدَّ معياراً للنضج الإنساني والاتزان النفسي، ودعامة أساسية للكرامة والكبرياء… ؛  فالأزمات والمصائب هي المحك الحقيقي الذي يمايز بين منطق العقل وحكمة الإيمان من جهة، وبين سلوكيات الجزع والاستسلام للعاطفة العاصفة من جهة أخرى.

الرجولة الحقة ليست في الصراخ ولا في الصمت المطلق، بل في القدرة على المواجهة… ؛ و التجلد يعني أن تتماسك عند الفجيعة، وأن تحفظ لسانك وجوارحك عن الفوضى والكلام المبتذل ، وأن تبحث عن الحل… , والكبرياء المحمود يعني ألا ترضى بالذل، لا أن تحتقر الناس… ,  والاتزان يعني أن تعطي العاطفة حقها من غير أن تتحول إلى عبودية للانفعال… ؛  وهذا المعنى يقترب من بعض الفلسفات الرواقية في ضبط الانفعال، لكنه في السياق الإسلامي يرتبط بالاحتساب والأجر ومسؤولية الإصلاح.

نعم , الصبر والتجلد من أبرز القيم الأخلاقية التي تصوغ شخصية الإنسان الواعي، لا سيما عند المصائب والبلايا… ؛  لكن الصبر ليس خمودًا ولا استسلامًا، والتجلد ليس قسوة قلب ولا إنكارًا للمشاعر… ,  إنهما ضبط النفس، وحفظ الاتزان، وتقديم العقل على الانفعال، مع الأخذ بالأسباب والعمل على تجاوز المحنة… ,  أما الكبرياء المحمود فهو عزة النفس عن الذل، لا الكبر على الخلق… ,  والاتزان هو أن يبقى الإنسان سيد انفعاله، لا أن يكون انفعاله سيده.

*حين يتحول الحزن إلى مسخٍ للإنسان

ثمة فرق شاسع بين أن يحزن الإنسان، وبين أن يتحول الحزن إلى أسلوب حياة، وبين أن يتحول التعبير عن الحزن إلى استعراض دائم للجزع والانكسار وإيذاء الجسد.

فالإنسان ليس حجرًا حتى لا يحزن، وليس آلةً حتى لا يتألم، وليس مطلوبًا منه أن يخفي دموعه كي يثبت رجولته… ؛  لكن الإنسان، في المقابل، ليس مطالبًا بأن يحوّل كل مصيبة إلى صراخ وعويل ولطم وضرب للنفس وتمزيق للثياب، وكأن شدة الألم لا تُثبت إلا بمقدار ما يستطيع الإنسان أن يؤذي به جسده.

وهنا تكمن المسألة الأعمق: هل نحن أمام حزن إنساني نبيل، أم أمام ثقافة تجعل الجزع فضيلة، وكلما ازداد الإنسان إيذاءً لنفسه عُدَّ أكثر وفاءً وإخلاصًا؟

إنها مسألة تستحق المراجعة، لا بقصد الإساءة إلى عقيدة أو مذهب، وإنما دفاعًا عن الإنسان وعن العقل وعن المعنى الأخلاقي للدين.

* حين يصبح الجزع هوية

المشكلة الأكبر تبدأ عندما تتكون ثقافة اجتماعية يصبح فيها الجزع بطولة، ويصبح الصراخ معيارًا للصدق، ويصبح إيذاء الجسد علامة على قوة الإيمان.

عندها قد يشعر الإنسان الهادئ بالخجل لأنه لم يصرخ.

وقد يشعر الذي لم يضرب جسده بأنه أقل ولاءً من غيره.

وقد يتحول الحزن من شعور داخلي إلى منافسة اجتماعية: من يصرخ أكثر؟ من يضرب أكثر؟ من يبكي أكثر؟ من يبالغ أكثر؟

وهنا يحدث انقلاب خطير في المعايير.

فبدل أن يكون السؤال:

كيف أصبحت أخلاقك بعد استلهام الدروس من ثورة الحسين؟

يصبح: كم بكيت على الحسين؟

وبدل أن نسأل: ماذا فعلت للمظلوم؟

نسأل: كم لطمت؟

وبدل أن نقول: هل أصبحت أكثر شجاعة في مواجهة الظلم؟

نقول: هل أظهرت حزنك بصورة كافية؟

وهكذا ينتقل الدين من مجال بناء الإنسان إلى مجال قياس المظاهر.

من الإنسان الواعي إلى الإنسان المستعرض

إن أخطر ما يمكن أن تفعله الثقافة الدينية أو الاجتماعية بالإنسان هو أن تجعله يهتم بصورة تدينه أكثر من جوهر أخلاقه.

قد يرتدي الإنسان مظهر التدين، ويصرخ باسم الدين، ويبكي باسم الدين، ويؤذي نفسه باسم الدين، لكنه في حياته اليومية قد يكون ظالمًا أو كاذبًا أو فاسدًا أو قاسيًا.

فما قيمة كل تلك المظاهر إذا لم تنتج إنسانًا أكثر عدلًا؟

إن الدين الذي لا يرفع مستوى الأخلاق يتحول إلى شكل بلا روح.

والحزن الذي لا ينتج رحمة يتحول إلى عادة.

والطقس الذي لا ينتج وعيًا يتحول إلى تكرار ممل وسمج .

والبكاء الذي لا يوقظ الضمير قد يصبح مجرد تفريغ عاطفي وانكسار نفسي .

العراقي لا يحتاج إلى ثقافة الانكسار

العراقي الذي عاش عقودًا من الحروب والحصار والاستبداد والعنف والاضطرابات يحتاج إلى ثقافة تعيد إليه الثقة بنفسه، لا ثقافة تجعله يعتاد صورة الإنسان المكسور.

العراق بحاجة إلى الإنسان الذي يستطيع أن يقول:

أنا حزين، لكنني لست مهزومًا.

لقد فقدت، لكنني لن أفقد نفسي.

لقد ظُلِمت، لكنني لن أصبح ظالمًا.

لقد عانيت، لكنني سأحوّل معاناتي إلى وعي.

أتذكر موتاي، لكنني سأحمي الأحياء.

وهذه، في جوهرها، هي فلسفة الصبر.

لا تهجين للإنسان باسم الدين

إن أي ممارسة اجتماعية أو دينية تؤدي إلى إضعاف الإنسان، أو تسلبه استقلال عقله، أو تدفعه إلى احتقار ذاته، أو تجعله يعتقد أن كرامته تتعارض مع إيمانه، تستحق النقد والمراجعة، مهما كان غطاؤها الديني أو الاجتماعي.

الدين لا ينبغي أن يكون وسيلة لتدجين الإنسان، ولا ينبغي أن يتحول الإنسان إلى مجرد تابع يكرر ما يُطلب منه دون سؤال.

والعقل ليس عدوًا للإيمان.

والكرامة ليست عدوًا للتدين.

والوعي ليس خروجًا على الدين.

والإنسان القوي ليس أقل إيمانًا من الإنسان المنكسر.

بل إن بناء إنسان واعٍ، قادر على التفكير، وتحمل المسؤولية، ومقاومة الظلم، وحماية الضعيف، واحترام المختلف، قد يكون أعمق أثرًا من آلاف المظاهر التي لا تغير شيئًا في سلوكه اليومي.

* الصبر في الذاكرة العراقية و العربية

عند مراجعة جانب من التاريخ العراقي و العربي، ولا سيما تاريخ عرب العراق وبلاد الرافدين، نجد حضورًا قويًا لقيم الصبر والشجاعة واحتمال الشدائد والاعتزاز بالكرامة ورفض الضيم.

كان العربي القديم يرى في الرجل الذي يحتمل المصائب ويحفظ توازنه أمام الناس صورةً من صور القوة والمروءة… ,  ولم يكن ذلك يعني بالضرورة انعدام المشاعر، بل كان يعني السيطرة عليها وعدم السماح لها بتحويل الإنسان إلى كائن فاقد للإرادة.

ومن هنا اشتهرت أوصاف مثل: أباة الضيم، أهل العزم، أهل النجدة، أهل الصبر… ؛ و ارتبطت صورة الرجل، في كثير من الثقافات العراقية و العربية، بمعاني الصبر والشجاعة والاتزان وتحمل الشدائد والثبات أمام الخصوم وعدم اظهار الجزع والضعف … ,  فالرجل الذي تصيبه المصيبة لا يُطلب منه أن يكون بلا مشاعر، وإنما يُطلب منه أن يمتلك مشاعره، وألا تتحول لحظة الانكسار إلى انهيار دائم.

فقد كان العراقي و العربي يأنف من أن يظهر أمام الآخرين في صورة العاجز المستسلم، لأن الكرامة الشخصية كانت جزءًا من مكانته الاجتماعية.

وكانت الكرامة تحتل موقعًا مركزيًا في المنظومة الاجتماعية، ولذلك كان إظهار الانكسار المفرط يُنظر إليه في بعض البيئات باعتباره عارا ؛ أو أمرًا لا ينسجم مع صورة الرجل القادر على حماية نفسه وأهله وجماعته.

ومع تطور المجتمعات، ينبغي أن نحتفظ من هذه الثقافة بجوهرها الإنساني، أي العزة والشجاعة وتحمل المسؤولية، وأن نتجاوز ما ارتبط بها تاريخيًا من ثأر أو عنف أو أعراف لم تعد مناسبة لدولة القانون والتنمية والرقي الحضاري والتقدم البشري .

* بين الصبر والطقوس المبالغ فيها

وفي التراث الإسلامي عمومًا، وفي التراث الشيعي خصوصًا، تحتل مصائب أهل البيت مكانة وجدانية عميقة… ,  والحزن على المفقود والتألم لمأساة كربلاء والتعاطف مع الشهداء مشاعر لا يمكن اختزالها في الجزع أو الضعف.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الحزن من قيمة وجدانية سامية إلى سلوك يستنزف الإنسان ويهدم صورته وكرامته أو يؤذيه جسديًا، أو عندما تصبح شدة التعبير عن الحزن معيارًا للإيمان والولاء.

فليس كل من بكى ضعيفًا، وليس كل من لم يبكِ قاسيًا.

وليست قوة الإيمان بمقدار ارتفاع الصوت، ولا بكمية الدموع، ولا بدرجة إيذاء الجسد.

إنما قيمة الإنسان فيما يصنعه من ألمه، وفي الطريقة التي يحول بها مأساته إلى وعي ومسؤولية وموقف أخلاقي.

*واقعة كربلاء: من البكاء إلى الوعي

إذا كانت كربلاء قد أصبحت رمزًا تاريخيًا وأخلاقيًا ودينيا ، فإن اختزالها في البكاء وحده يضيّق معناها بدل أن يوسّعه.

فكربلاء، في بعدها الأخلاقي، تتحدث عن الإنسان أمام الظلم، وعن الكرامة أمام السلطة، وعن المسؤولية أمام الخوف، وعن رفض تحويل الإنسان إلى تابع فاقد لإرادته.

ومن هنا يمكن أن يكون السؤال الأهم: ماذا فعل الحزن فينا؟

هل جعلنا أكثر وعيًا بالظلم؟

هل جعلنا أكثر رحمة بالفقراء والمظلومين؟

هل جعلنا أكثر دفاعًا عن الإنسان؟

هل جعلنا أكثر قدرة على مواجهة الاستبداد والفساد؟

أم أصبح الحزن مجرد طقس موسمي ينتهي بانتهاء المناسبة؟

إذا كان الحزن لا ينتج وعيًا، ولا أخلاقًا، ولا عدالة، ولا تضامنًا إنسانيًا، فإنه يفقد جزءًا مهمًا من قيمته الأخلاقية.

وتؤكد السيرة المأثورة عن أهل البيت , والشيعة القدامى وقادتهم التاريخيين صوراً ناصعة من الشجاعة، والتجلد، والحكمة، وحسن البلاء في مواجهة الخطوب والمعارك، حيث كان القدوة فيهم نموذجاً أعلى للأدب، والوعي، ومقارعة الظلم بالمنطق والشجاعة.

وينسب للإمام علي بن أبي طالب  – كما أوردت بعض المصادر ونُسبت أيضاً للشاعر أبي تمام – أبياتٌ تجسد هذا المعنى بأبهى صوره البلاغية والفكريّة:

أَتَصْبِرُ لِلْبَلْوَى عَزَاءً وَحِسْبَةً … فَتُؤْجَرُ أَمْ تَسْلُو سُلُوَّ الْبَهَائِمِ؟

خُلِقْنَا رِجَالاً لِلتَّجَلُّدِ وَالأَسَى … وَتِلْكَ الْغَوانِي لِلْبُكَاءِ وَالْمَآتِمِ

تضع هذه الأبيات الفلسفة الأخلاقية لمواجهة الشدائد في إطار ينقسم إلى مسارين: إما صبرٌ واحتسابٌ واعٍ يثيب عليه الله ويحفظ للإنسان كرامته، وإما نسيانٌ وجزعٌ خالٍ من الحكمة والمغزى… ؛  إن الربط بين التجلد والمسؤولية في الخطاب العراقي و العربي القديم يُبرز أهمية الثبات والتسامي عن أفعال الجزع والنوح، اعتباراً بأن الاتزان عند المحن هو جوهر الشخصية الصلبة التي تستوعب الصدمات ولا تنكسر أمامها.

وقد أنف السلوك العراقي والعربي والشيعي الجمعي قديماً من مظاهر الجزع المفرط عند حلول المصائب، كشق الجيوب، والنوح، والعويل، والضرب على الخدود؛ إذ كانت يُنظر إليها كمسلكيات تتنافى مع الوقار، والصبر، والقدرة على التكيف مع صعوبات الحياة.

غير أن أطراً وسلوكياتٍ طارئة – تغذيها العاطفة المفرطة وأحياناً بقلة الوعي – دخلت على بعض الممارسات الاجتماعية والدينية ، لتصرف السلوك الجمعي عن الروح الأصلية لمدرسة الصبر والعقلانية… ؛  إن التعبير عن الحزن واستذكار التضحيات يبتعد عن جوهره الناصع عندما يتحول إلى مظاهر تتنافى مع الوقار أو تمس كرامة الإنسان وصورته الحضارية.

إن النهوض بالمجتمع وإحياء تراثه الأصيل يتطلبان العودة إلى الجذور الفكرية والقيمية السامية، والتي تقوم على الوعي، والعلم، والاتزان النفسي، والاعتزاز بالكرامة، فارتقاء الأمم يُقاس بمدى تمسكها بعقلانيتها وثباتها أمام المحن، واقتدائها الصادق برُموزها في الصبر والتجلد والسمو الأخلاقي.

نعم , قد وردت عن آل البيت روايات ثابتة ومشهورة تدل على صبرهم وشجاعتهم وحسن بلائهم في المعارك والخطوب، وتجلدهم في مواجهة البلايا… ؛  إلا أن بعض أتباعهم، وبخاصة بعض الشيعة في العراق، تأثروا بعوامل خارجية وداخلية دخيلة، فدخلت على بعض ممارساتهم سلوكيات لا تتفق مع تعاليم آل البيت وسيرة قادتهم الأبطال… ؛  فبعد أن كان المؤمن الشيعي يُضرب به المثل في الأدب والوعي والعلم والشجاعة ومقارعة الظالمين ومعارضة الجبارين، صار بعضهم—بتأثير خطابات ومؤسسات دينية مشبوهة—يُدمن الصراخ والعويل واللطم وشق الملابس والضرب على الوجوه، وايذاء الجسم بالآلات الحادة والجارحة ؛ على نحو ما كانت تفعله بعض العادات الجاهلية من الجزع… ؛  وهذه الممارسات ليست جوهر الدين، وإنما هي سلوكيات ثقافية دخيلة تُغلَّف أحيانًا بشعارات دينية لتُمرَّر على السذج والبسطاء من الجمهور العراقي الأصيل وبعض الشيعة في العالم العربي، فيظهرون للعالم بمظهر الضعيف العاطفي البعيد عن العقلانية والواقعية.

بل إن بعض المتطرفين يعلّمون الجمهور التظاهر بالجنون باسم الدين، وتلطيخ الملابس بالطين ، وتحويل الوجوه البيضاء إلى سوداء بالسخام بحجة مواساة آل البيت، مع أن آل البيت لم يعلّموا أتباعهم هذه السلوكيات التي تشوه شخصية المؤمن وتجعله موضع سخرية. إن أصحاب هذا الخط الدخيل لا يهنأ لهم بال وهم يرون العراقيين، ولا سيما الجمهور العراقي الأصيل، مرتاحين سعداء أقوياء واعين أذكياء؛ لذا يعملون آناء الليل وأطراف النهار على إضعاف الوعي الجمعي وتشويه الهوية، لتحقيق مخططات مشبوهة وأهداف خفية.

فالذين يجعلون كربلاء مجرد مناسبة للبكاء قد يختزلون واحدة من أكبر المآسي الأخلاقية في التاريخ الإسلامي في بعدها العاطفي، بينما تحمل في جوهرها أسئلة تتعلق بالحرية والعدالة والكرامة والمسؤولية.

*من مواساة أهل البيت إلى إيذاء الإنسان

يمكن للإنسان أن يعبر عن حزنه، وأن يرثي، وأن يبكي، وأن يستذكر المأساة، وأن يشارك في مجالس العزاء، وأن يستعيد التاريخ بكل ما فيه من ألم.

لكن ينبغي أن يبقى السؤال حاضرًا:

هل يحتاج الحزن إلى إيذاء الجسد حتى يكون صادقًا؟

إذا أصبح الجواب نعم، فنحن أمام إشكال أخلاقي وفكري يحتاج إلى مراجعة.

فالإنسان الذي كرمه الله بعقله وجسده ليس من المنطقي أن يجعل إيذاء نفسه الطريق الوحيد لإثبات محبته.

كربلاء أكبر من أن تختزل في التطبير والتطيين والتسخيم

إن مأساة كربلاء، بما لها من مكانة عميقة في الوجدان الشيعي والإسلامي، لا ينبغي اختزالها في طقس أو حركة جسدية أو ارتفاع صوت.

فالمأساة، قبل كل شيء، سؤال أخلاقي عن الإنسان والسلطة والظلم والكرامة.

وإذا كانت الغاية من استذكار المأساة هي حفظ الكرامة ومقاومة الظلم، فإن تحويل الإنسان إلى جسد مضروب ومنهك ومشوّه لا يبدو منسجمًا مع تلك الغاية.

الأجدر أن تكون المواساة طريقًا إلى الرحمة، والوعي، والعمل، ومساعدة المحتاج، والدفاع عن المظلوم، وإغاثة الإنسان.

فإذا خرج الإنسان من مجلس العزاء أكثر رحمةً وعدلًا وشجاعةً، فقد تحول الحزن إلى قيمة.

أما إذا خرج أكثر كراهيةً وعنفًا وانغلاقًا، فإن علينا أن نسأل عن الثمرة الأخلاقية التي أنتجها ذلك الحزن.

نعم , ليست المشكلة في الحزن.

المشكلة حين يصبح إيذاء الجسد معيارًا لصدق الحزن.

وليست المشكلة في إحياء ذكرى المأساة.

المشكلة حين تتحول المأساة إلى مؤسسة لإنتاج العجز والانكسار والذل والفوضى والضعف بدل إنتاج الوعي والكرامة.

* بين الحزن المشروع والجزع المذموم

ينبغي التمييز بين الحزن المشروع والجزع المذموم… ,  فالبكاء رحمة، والحزن على الميت طبيعي، فالحزن قد يجعل الإنسان يبكي، لكنه لا يسلبه كرامته. أما الجزع فقد يحوله إلى أسير لمصيبته، فيكرر الصراخ والنواح ويؤذي نفسه ومن حوله، وكأن الألم لا يصبح حقيقيًا إلا إذا ظهر بأعلى درجات الفوضى.

ولهذا فإن المطلوب ليس قتل المشاعر، وإنما تهذيبها.

اذ ان شق الجيوب، واللطم، وإدماء الرؤوس، وتحويل الشعائر إلى مسرح للفوضى العاطفية، كل ذلك لا يمثل جوهر الإسلام ولا سيرة آل البيت … ؛ المطلوب هو حزن منضبط، ووعي ناقد، وعمل مثمر… ,  فالمؤمن القوي هو الذي يحوّل المصيبة إلى درس، والدمعة إلى رحمة، والألم إلى مسؤولية.

*من الإنسان المقهور إلى الإنسان الواعي       

إن المجتمع المتوازن لا ينبغي أن يربي الرجل على البكاء عند كل مصيبة، ولا على منع البكاء في كل مصيبة؛ بل ينبغي أن يربيه على إدارة مشاعره.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمعات هو أن تتحول المأساة إلى هوية دائمة، وأن يتحول الألم إلى وسيلة لإنتاج إنسان يعيش داخل الماضي ولا يستطيع بناء المستقبل.

العراق، بما يحمله تاريخه الحديث من حروب واستبداد وفقد وتهجير وعنف، يحتاج إلى ثقافة تتعلم من المأساة دون أن تعيش أسيرة لها.

نحتاج إلى إنسان عراقي يستطيع أن يحزن، لكنه لا يستسلم.

ويستطيع أن يبكي، لكنه لا ينهار.

ويستطيع أن يتذكر ضحاياه، لكنه لا يتحول إلى ضحية أبدية.

ويستطيع أن يختلف، لكنه لا يحول الاختلاف إلى كراهية.

ويستطيع أن يرفض الظلم، لكنه لا يستبدل ظلمًا بظلم آخر.

الصبر قوة وليست استعراضًا

ولذلك فإن القيمة الحقيقية للصبر ليست في المظهر الخارجي، ولا في مقدار الصراخ، ولا في مقدار الصمت.

قد يكون الصامت أكثر ألمًا من الصارخ، وقد يكون الباكي أكثر قوة من المتجمد، وقد يكون الذي يرفض إيذاء نفسه أكثر تعبيرًا عن كرامته من الذي يحول جسده إلى ساحة للعقاب.

القوة الحقيقية هي أن يظل الإنسان إنسانًا في أصعب الظروف.

أن يحافظ على عقله حين يضطرب الآخرون.

وعلى أخلاقه حين تنتشر الفوضى.

وعلى كرامته حين تحاول المصيبة أن تسحقه.

وعلى إنسانيته حين يصبح الانتقام أسهل من التسامح.

وهنا تتضح قيمة المعنى الذي تختزنه الأبيات المنسوبة للإمام علي : التجلّد ليس إنكارًا للألم، بل تحويل للألم إلى قدرة على الاحتمال.

خاتمة

إن الصبر والتجلد ليسا دعوة إلى الجمود ولا إلى قسوة القلب، بل هما دعوة إلى الاتزان. والكبرياء المحمود ليس كبرًا، بل عزة نفس… ,  والاتزان ليس إنكارًا للمشاعر، بل حكمتها. وهكذا نفهم بيت الإمام علي أو أبي تمام: «خُلقنا رجالًا للتجلد والأسى» أي لتحمل المسؤولية وضبط النفس، لا للتباهي بالجزع، ولا للسخرية من الآخرين… ,  الرجولة الحقة أن تواجه البلوى بعقل واعٍ، وقلب رحيم، ويد عاملة، لا بصراخ يهدم، ولا بلطم يشوه، ولا تعميم يظلم.

ربما آن لنا أن نعيد طرح السؤال بصورة مختلفة:

ماذا نريد من حزننا؟

هل نريد أن نبقى أسرى للمأساة؟

أم نريد أن نحول المأساة إلى وعي؟

هل نريد أن نؤذي أجسادنا؟

أم نريد أن نحمي الإنسان؟

هل نريد أن نرفع أصواتنا؟

أم نريد أن نرفع مستوى أخلاقنا؟

هل نريد أن نبكي على الموتى؟

أم نريد أن نحافظ على حياة الأحياء وكرامتهم؟

إن الصبر ليس جفاف القلب، والدموع ليست عارًا، والرجولة ليست قسوة، والحزن ليس ضعفًا.

لكن تحويل الحزن إلى إذلال للنفس، وتحويل الألم إلى إيذاء للجسد، وتحويل الطقس إلى معيار للإيمان، وتحويل الإنسان إلى تابع فاقد لقدرته على التفكير؛ كل ذلك يستحق مراجعة عقلانية وشجاعة.

فالمصيبة الحقيقية ليست أن يبكي الإنسان.

المصيبة أن يبكي كثيرًا ولا يتعلم شيئًا.

وليست المشكلة أن يحزن.

المشكلة أن يعيش عمره كله أسيرًا لحزنه.

وليست القوة أن يخفي الرجل دموعه.

القوة أن يمسح دموعه، ثم يقف.

فذلك هو التجلّد الذي يصنع الإنسان، لا التجلّد الذي يقتل الإنسان من الداخل.