أكتوبر 2, 2026
LOGO

د. فاضل حسن شريف

عن تفسير الميسر: قوله جل جلاله “فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا” (النساء 65) يُحَكِّمُوكَ: يُحَكِّمُ فعل، و ضمير، كَ ضمير. أقسم الله تعالى بنفسه الكريمة أن هؤلاء لا يؤمنون حقيقة حتى يجعلوك حكمًا فيما وقع بينهم من نزاع في حياتك، ويتحاكموا إلى سنتك بعد مماتك، ثم لا يجدوا في أنفسهم ضيقًا مما انتهى إليه حكمك، وينقادوا مع ذلك انقيادًا تاماً، فالحكم بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة في كل شأن من شؤون الحياة من صميم الإيمان مع الرضا والتسليم. وجاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله جل جلاله “فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا” (النساء 65) “فلا وربِّك” لا زائدة “لا يؤمنون حتى يحكِّموك فيما شجر” اختلط “بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا” ضيقا أو شكٌا “مما قضيت” به “ويسلِّموا” ينقادوا لحكمك “تسليما” من غير معارضة.

جاء في التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله جل جلاله “فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا” (النساء 65) “حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ”، لأن جميع الأحكام التي تلَّفظ بها محمد ليست منه، وإنما هي من اللَّه وحده، والنبي لسانه وبيانه. “ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيماً” (النساء 65). المعنى انهم لا يؤمنون، حتى يعلموا علم اليقين ان حكمك هو حكم اللَّه بالذات، وان من ردّ عليك فعلى اللَّه يرد. ومحال أن يشعر المؤمن حقا بالضيق والحرج من حكم يعلم انه من عند اللَّه. أجل، قد يريد بينه وبين نفسه أن يكون الأكل مباحا في شهر رمضان مثلا، ولكنه مع ذلك يصوم ويمتنع عن الأكل خوفا من عذاب اللَّه الذي هو أشد وأشق من الصيام، وقد تغلبه نفسه على المعصية، ولكنه يتألم ويتبرم منها، ويلعنها، لأنها استثقلت الحق. وهذا عين الإيمان.

عن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله جل جلاله “فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا” (النساء 65) قوله تعالى: “فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ” (النساء 65) إلخ، الشجر بسكون الجيم والشجور: الاختلاط يقال: شجر شجرا وشجورا أي اختلط، ومنه التشاجر والمشاجرة كأن الدعاوي أو الأقوال اختلط بعضها مع بعض، ومنه قيل للشجر: شجر لاختلاط غصونها بعضها مع بعض، والحرج الضيق. وظاهر السياق في بدء النظر أنه رد لزعم المنافقين أنهم آمنوا بالنبي صلى الله عليه وآله مع تحاكمهم إلى الطاغوت فالمعنى: فليس كما يزعمون أنهم يؤمنون مع تحاكمهم إلى الطاغوت بل لا يؤمنون حتى يحكموك (إلخ). لكن شمول حكم الغاية أعني قوله: “حَتَّى يُحَكِّمُوكَ” (إلخ) لغير المنافقين، وكذا قوله بعد ذلك: “وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ” إلى قوله: “ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ” يؤيد أن الرد لا يختص بالمنافقين بل يعمهم وغيرهم من جهة أن ظاهر حالهم أنهم يزعمون أن مجرد تصديق ما أنزل من عند الله بما يتضمنه من المعارف والأحكام إيمان بالله ورسوله وبما جاء به من عند ربه حقيقة، وليس كذلك بل الإيمان تسليم تام باطنا وظاهرا فكيف يتأتى لمؤمن حقا أن لا يسلم للرسول حكما في الظاهر بأن يعرض عنه ويخالفه، أو في باطن نفسه بأن يتحرج عن حكم الرسول إذا خالف هوى نفسه، وقد قال الله تعالى لرسوله: “لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللهُ” (النساء 105). فلو تحرج متحرج بما قضى به النبي صلى الله عليه وآله فمن حكم الله تحرج لأنه الذي شرفه بافتراض الطاعة ونفوذ الحكم. وإذا كانوا سلموا حكم الرسول، ولم يتحرج قلوبهم منه كانوا مسلمين لحكم الله قطعا سواء في ذلك حكمه التشريعي والتكويني، وهذا موقف من مواقف الإيمان يتلبس فيه المؤمن بعدة من صفات الفضيلة أوضحها: التسليم لأمر الله، ويسقط فيه التحرج والاعتراض والرد من لسان المؤمن وقلبه، وقد أطلق في الآية التسليم إطلاقا. ومن هنا يظهر أن قوله: “فَلا وَرَبِّكَ” إلى آخر الآية، وإن كان مقصورا على التسليم لحكم النبي صلى الله عليه وآله بحسب اللفظ لأن مورد الآيات هو تحاكمهم إلى غير رسول الله صلى الله عليه وآله مع وجوب رجوعهم إليه إلا أن المعنى عام لحكم الله ورسوله جميعا، ولحكم التشريع والتكوين جميعا كما عرفت. بل المعنى يعم الحكم بمعنى قضاء رسول الله صلى الله عليه وآله وكل سيرة سار بها أو عمل عمل به لأن الأثر مشترك فكل ما ينسب بوجه إلى الله ورسوله بأي نحو كان لا يتأتى لمؤمن بالله حق إيمانه أن يرده أو يعترض عليه أو يمله أو يسوءه بوجه من وجوه المساءة فكل ذلك شرك على مراتبه، وقد قال تعالى: “وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ” (يوسف 106).

عن كتاب موسوعة الامام الخوئي للسيد ابو القاسم الخوئي قدس سره: المرجعيّة بدايتها ونهايتها: بدأت المرجعيّة في الإسلام بالرجوع إلى النبيّ صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله والأئمّة عليهم‌السلام، فيما شرّعه الله في هذه الآيات “فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ” (النساء 65) “وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ” (النساء 83) لخلافتهم عن الرسول، وبما أودعهم من علم وقضاء وحكم، ثمّ إلى النوّاب الأربعة في النيابة الخاصّة في الغيبة الصغرى، ثمّ إلى الأمثل من الفقهاء الذين حقّت أهليّتهم للنيابة العامّة في عصر الغيبة الكبرى. وبذلك يحقّ لنا أن نقول: بدأ الدِّين بالوحي والبلاغ، وانتهى إلى الفتوى والتقليد، وبتعبير آخر بدأ بالتمسّك بالرسالة الإلهيّة، وخُتِمَ بالأخذ من الرسالة العمليّة للفقهاء. مقوّمات المرجعية ومراحلها: 1ـ المرجعيّة الدينيّة: وتستلزم القدرة على الاجتهاد والإفتاء، وتيسير الأحكام للمكلّفين. 2ـ المرجعيّة العلميّة: وتتطلّب التأهّل لإدارة الحوزة العلمية، ورفع مستواها، ومحاولة تطوير العلوم الإسلامية، وتحويرها،بما يُلقى عليها من دروس اجتهاديّة حرّة مستجدّة،في مباني الفقه والأُصول، والتفسير، والرِّجال وهي من معدّات الاجتهاد وبما يعدّ لها من أبحاث، ومجتهدين. 3ـ المرجعيّة العامّة: وتتحقّق بالتأهّل لتلك المقوّمات العلميّة والدينيّة،لتكون قاعدة صلدة،قادرة على أداء مسؤوليّاتها،في تقوية الدين والإيمان، والثّبات عليه. 4 ـ المرجعيّة العُليا: وتستقر على ركائز القيادة العامّة،التي تميِّزها الأعلميّة، والاقتدار الفائق على حفظ رقعة الإسلام، وتحصّن المسلمين،في مختلف الأحداث العالميّة التي تهدِّدهم وتهدفهم، وتحاول الإطاحة بهم، وتعمل على نهب ثرواتهم، وسحق‌ مقدّساتهم، والتّلاعب بمقدّراتهم،كما تمكِّنهم من الوقوف صفّاً واحداً، ويداً واحدة على أعدائهم،بالتماسك، والنفر، والجهاد، والوقوف وراء هذه المرجعيّة العليا التي تميّزت بأفضل ما تميّزت به المرجعيّات الأُخرى، وأن تعدّ لهم ما استطاعوا من قوّة، وفي مقدّماتها وحدة الكلمة ووحدة القيادة، والتمسّك بكلمة التوحيد.

جاء في معاني القرآن الكريم: حكم حكم أصله: منع منعا لإصلاح، ومنه سميت اللجام: حكمة الدابة، فقيل: حكمته وحكمت الدابة: منعتها بالحكمة، وأحكمتها: جعلت لها حكمة، وكذلك: حكمت السفيه وأحكمته.

ويقول الشيخ جلال الدين الصغير عن عصمة القضاء: في قوله جلّ تعالى: “فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً” (النساء 65) نجد نفس العصمة ولكنها هذه المرة في ساحة القضاء، فهذا الجزم في وجوب طاعة الرسول صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلم في قضائه والذي لا يتوقف عند الصورة الظاهرية للأحكام بل تجده يمتد حتى أعماق شغاف القلوب، لا يمكن إلا أن يكون صادراً إلا عن اطمئنان بعصمته، لأن امتداد الأمر إلى أن لا يجدوا في أنفسهم أي حرج مما يقضي رسول الله صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله ‌وسلم، ويسلموا له بهذه الطريقة التي نرى توغّلها إلى القناعات الذاتية غير المهموسة،لا بد وأن يعرب عن عصمة القاضي لأن أي خلل في قضائه، وإن أجبر المتقاضين على الاستماع إليه والرضوخ إلى حكمه،إلا انه لا يمكنه أن يولد هذه القناعة الذاتية الجازمة المطالب بها من يؤمن به.