أكتوبر 2, 2026
LOGO

د. فاضل حسن شريف

عن تفسير الميسر: قال الله تعالى “وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ” ﴿يوسف 84﴾ كظيم اسم، كظيم: ممتلئ من الغيظ، و الممسك على حزنه لا يُظهره و لا يشكوه. كَظيمٌ: كئيب حزين. وأعرض يعقوب عنهم، وقد ضاق صدره بما قالوه، وقال: يا حسرتا على يوسف وابيضَّتْ عيناه، بذهاب سوادهما مِن شدة الحزن فهو ممتلئ القلب حزنًا، ولكنه شديد الكتمان له. وجاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قال الله تعالى “وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ” (يوسف 84) “وتولى عنهم” تاركا خطابهم “وقال يا أسفى” الألف بدل من ياء الإضافة أي يا حزني “على يوسف وابيضت عيناه” انمحق سوادهما وبدل بياضا من بكائه “من الحزن” عليه “فهو كظيم” مغموم مكروب لا يظهر كربه.

جاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قال الله تعالى “وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ” ﴿يوسف 84﴾ ” وتولى عنهم ” أي: انصرف وأعرض عنهم بشدة الحزن لما بلغه خبر حبس ابن يامين وهاج ذلك وجده بيوسف لأنه كان يتسلى به ” وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ” أي: يا طول حزني على يوسف عن ابن عباس وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: لقد أعطيت هذه الأمة عند المصيبة ما لم يعط الأنبياء قبلهم إنا لله وإنا إليه راجعون ولوأعطيها الأنبياء لأعطيها يعقوب إذ يقول: يا أسفي على يوسف. ” وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ” والبكاء ولما كان البكاء من أجل الحزن أضاف بياض البصر إليه وسئل الصادق عليه السلام ما بلغ من حزن يعقوب على يوسف قال: حزن سبعين حرى ثكلى قيل كيف وقد أخبر أنه يرد عليه فقال: أنسى ذلك وقيل: إنه عمي ست سنين عن مقاتل وقيل: إنه أشرف على العمى فكان لا يرى إلا شيئا يسيرا ” فهو كظيم ” والكظيم هاهنا بمعنى الكاظم وهو المملوء من الهم والحزن الممسك للغيظ لا يشكوه لأهل زمانه ولا يظهره بلسانه ولذلك لقب موسى بن جعفر عليه السلام الكاظم لكثرة ما كان يتجرع من الغيظ والغم طول أيام خلافته لأبيه في ذات الله تعالى وقال ابن عباس: وهو المغموم المكروب. و سئل الصادق عليه السلام ما بلغ من حزن يعقوب على يوسف قال‌ حزن سبعين حرى ثكلى قيل كيف و قد أخبر أنه يرد عليه فقال أنسى ذلك‌ و قيل إنه عمي ست سنين عن مقاتل و قيل إنه أشرف على العمى فكان لا يرى إلا شيئا يسيرا”فَهُوَ كَظِيمٌ” (يوسف 84) و الكظيم هاهنا بمعنى الكاظم و هو المملوء من الهم و الحزن الممسك للغيظ لا يشكوه لأهل زمانه و لا يظهره بلسانه و لذلك لقب موسى بن جعفر عليه السلام الكاظم لكثرة ما كان يتجرع من الغيظ و الغم طول أيام خلافته لأبيه في ذات الله تعالى و قال ابن عباس و هو المغموم المكروب‌ (“قََالُوا” (يوسف 85) أي قال ولد يعقوب لأبيهم”تَاللََّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ” (يوسف 85) أي لا تزال تذكر يوسف”حَتََّى تَكُونَ حَرَضاً” (يوسف 85) أي دنفا فاسد العقل عن ابن عباس و ابن إسحاق و قيل قريبا من الموت عن مجاهد و قيل هرما باليا عن قتادة و الضحاك”وْ تَكُونَ مِنَ اَلْهََالِكِينَ” (يوسف 85) أي الميتين و إنما قالوا ذلك إشفاقا عليه و تعطفا و رحمة له و قيل إنهم قالوا ذلك تبرما ببكائه إذ تنغص عيشهم بذلك‌.”قََالَ” ﴿يوسف 86﴾ يعقوب في جوابهم”إِنَّمََا أَشْكُوا بَثِّي” ﴿يوسف 86﴾ أي همي عن ابن عباس و قيل حاجتي عن الحسن”وَ حُزْنِي إِلَى اَللََّهِ” ﴿يوسف 86﴾ المعنى إنما أشكو حزني و حاجتي و اختلال حالي و انتشارها إلي الله في ظلم الليالي و أوقات خلواتي لا إليكم و قيل البث ما أبداه و الحزن ما أخفاه و روي عن النبي صلى الله عليه وآله أن جبرائيل أتاه فقال يا يعقوب إن الله يقرأ عليك السلم و يقول أبشر و ليفرح قلبك فو عزتي لو كانا ميتين لنشرتهما لك اصنع طعاما للمساكين فإن أحب عبادي إلي المساكين‌ أ و تدري لم أذهبت بصرك و قوست ظهرك لأنكم ذبحتم شاة و أتاكم مسكين و هو صائم فلم تطعموه شيئا فكان يعقوب بعد ذلك إذا أراد الغذاء أمر مناديا ينادي ألا من أراد الغذاء من المساكين فليتغذ مع يعقوب و إذا كان صائما أمر مناديا فنادى ألا من كان صائما فليفطر مع يعقوب رواه الحاكم أبو عبد الله الحافظ في صحيحه.

جاء في التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قال الله تعالى “وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ” ﴿يوسف 84﴾ اعتزل الناس ليندب وحده من لن ينساه أبدا، يندبه بهذه الصرخة الحزينة: “يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ” وزاده فراق ولده بنيامين حزنا على حزن، وبكاء على بكاء “وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ”. أصيبتا بالقرحة من آثار البكاء، فهو يتنفس منهما بالدموع، كما يتنفس من رئتيه بالآهات والحسرات “فَهُو كَظِيمٌ ” يتجرع الغيظ ويتجلد، ولكن على حساب جسمه وأعصابه.

وعن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قال الله تعالى “وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ” ﴿يوسف 84﴾ قوله تعالى:” وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ” قال الراغب في المفردات،: الأسف الحزن والغضب معا، وقد يقال لكل واحد منهما على الانفراد وحقيقته ثوران دم القلب شهوة الانتقام فمتى كان ذلك على من دونه انتشر فصار غضبا، ومتى كان على من فوقه انقبض فصار حزنا – إلى أن قال – وقوله تعالى:”فلما آسفونا انتقمنا منهم” أي أغضبونا قال أبوعبد الله الرضا: إن الله لا يأسف كأسفنا ولكن له أولياء يأسفون ويرضون فجعل رضاهم رضاه وغضبهم غضبه. قال: وعلى ذلك قال: من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة. انتهى. وقال: الكظم مخرج النفس يقال: أخذ بكظمه، والكظوم احتباس النفس ويعبر به عن السكوت كقولهم: فلان لا يتنفس إذا وصف بالمبالغة في السكوت، وكظم فلان حبس نفسه قال تعالى: “إذ نادى وهو مكظوم” وكظم الغيظ حبسه قال تعالى: “والكاظمين الغيظ”، ومنه كظم البعير إذا ترك الاجترار وكظم السقاء شده بعد ملئه مانعا لنفسه. انتهى. وقوله: “وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ” ابيضاض العين أي سوادها هو العمى وبطلان الإبصار وربما يجامع قليل إبصار لكن قوله الآتي: “اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا” (يوسف 93) يشهد بأنه كناية عن ذهاب البصر. ومعنى الآية:”ثم تولى” وأعرض يعقوب عليه السلام “عنهم” أي عن أبنائه بعد ما خاطبهم بقوله: بل سولت لكم أنفسكم أمرا”وقال: يا أسفى” ويا حزني “على يوسف وابيضت عيناه” وذهب بصره”من الحزن” على يوسف “فهو كظيم” حابس غيظه متجرع حزنه لا يتعرض لبنيه بشيء.

وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قال الله تعالى “وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ” ﴿يوسف 84﴾ حينما تذكّر يعقوب هذه الأُمور إبتعد عن أولاده واستعبر ليوسف ” وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ” أمّا الاُخوة فإنّهم حينما سمعوا باسم يوسف، ظهر على جبينهم عرق الندامة وإزداد خجلهم واستولى عليهم الحزن لمصير أخويهم بنيامين ويوسف، واشتدّ حزن يعقوب وبكاؤه على المصائب المتكرّرة وفقد أعزّ أولاده ” وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ” لكن يعقوب كان ـ في جميع الأحوال مسيطراً على حزنه ويخفّف من آلامه ويكظم غيظه وأن لا يتفوّه بما لا يرضى به الله سبحان وتعالى “فهو كظيم”. يفهم من هذه الآيات أنّ يعقوب لم يكن فاقداً لبصره، لكنّ المصائب الأخيرة وشدّة حزنه ودوام بكائه أفقده بصره، وكما أشرنا سابقاً فإنّ هذا الحزن والألم والعمى كان خارجاً عن قدرته وإختياره، فإذاً لا يتنافى مع الصبر الجميل.

يشتهر بالامام موسى بن جعفر الصادق عليه السلام بالكاظم. الكظم هو شدة الهم والغم والحزن غير الظاهر”كَاظِمِينَ” (غافر 18)، و”وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ” (ال عمران 134)، و”ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ” (النحل 58) (الزخرف 17)، و”مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ” (يوسف 84)، و”إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ” (القلم 48) حيث الانسان يكظم غيضه وهمه وحزنه ولا يظهره. وكان كلام باب الحوائج الامام الكاظم عليه السلام مرتبطا بالقرآن الكريم كما جاء في وصية الامام موسى الكاظم عليه السلام الى هشام بن الحكم تضمنت أداة النداء يا في عشرات العبارات منها (يَا هِشَامُ‏ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى‏ بَشَّرَ أَهْلَ الْعَقْلِ وَ الْفَهْمِ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ‏”فَبَشِّرْ عِبادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَ أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ” (الزمر 17-18)‏).

جاء في کتاب عاشوراء بين الصّلح الحسني والكيد السّفياني للسيد جعفر مرتضى العاملي: عن البكاء: فإن القرآن قد صرح بأنّ النبي يعقوب عليه‌ السلام قد بكى على ولده النبي يوسف عليه‌ السلام ـ الذي كان حياً ـ حتّى ابيضّت عيناه من الحزن، بل هو قد كاد أن يهلك من ذلك، قال تعالى: “وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قَالُواْ تَالله تَفْتؤُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حتّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ” (يوسف 84-85).