
باب المندب يتذكر… تسعة شهداء من الحشاء.. أسماء في ذاكرة الوطن.
عدنان عبدالله الجنيد.
في ذكرى ثورة 21 سبتمبر ارتقى تسعة من أبناء الحشاء.. فكان الدم المتزامن مع ذكرى الثورة ميثاق آل الجنيد المتجدد للوفاء للوطن ورفض الوصاية الخارجية وصون السيادة اليمنية.. اللهم تقبل منا هذا القربان
في معركة الحصار بالحصار، والتصعيد بالتصعيد، وعلى امتداد الجبهة الممتدة في تعز، وعلى مقربة من باب المندب، حضرت الحشاء بذاكرة ثقيلة ووفاء لا ينسى؛ تسعة من أبنائها ارتقوا في ذكرى 21 سبتمبر، فوهبوا الوطن دماءهم الغالية، وكأن الحشاء قالت بدم أبنائها: وهبناك الدماء الغالية، فهل يغلى عليك دماؤنا؟
غاب الشهداء عن المشهد، لكن أسماءهم بقيت حاضرة في ذاكرة الوطن، شاهدة على مرحلة يمنية شديدة التعقيد، اختلطت فيها الجغرافيا بالسياسة، والممرات البحرية بصراع السيادة، والذاكرة الشعبية بأسئلة المستقبل.
ولأن الشهادة تزامنت مع ذكرى ثورة 21 سبتمبر، فإن آل الجنيد يرون في هذا التزامن ــ في وجدانهم العائلي ــ ميثاقًا متجددًا للوفاء للوطن، وتجديدًا للعهد برفض الوصاية الخارجية والدفاع عن القرار والسيادة اليمنية.
هنا، لا يصبح باب المندب مجرد ممر بحري على الخريطة، بل عنوانًا لجغرافيا اليمن وموقعه الاستراتيجي، فيما تعود ذكرى ثورة 21 سبتمبر لتفتح من جديد سؤالًا ظل حاضرًا في الوعي اليمني: كيف يصنع اليمن قراره الوطني بعيدًا عن الوصاية الخارجية؟
عهد الحشاء يتجدد في جبهة تعز:
ارتبط اسم الحشاء في الذاكرة المحلية بالصمود وبحضور أبنائها في محطات مختلفة من التاريخ اليمني. وفي الروايات المتداولة عن أسرة آل الجنيد، يحضر اسم صفي الدين رضوان الجنيد بوصفه أحد رموز مرحلة تاريخية ارتبطت بمواجهة النفوذ الخارجي والتحصينات في المنطقة.
وتروي الذاكرة المحلية أن صفي الدين رضوان الجنيد واجه اليهود في تلك المرحلة، وأنه اتجه إلى شراء الحصون وتثبيت مواقع القوة والتحصين، في تعبير عن وعي بأهمية الأرض ومواقعها في حماية المجتمع ومواجهة الأخطار التي كانت تحدق به.
لم تكن الحصون في تلك الرواية مجرد حجارة، بل كانت جزءًا من معادلة حماية الأرض؛ فحين أدرك الرجل أهمية الجغرافيا، جعل من التحصين وسيلة لحماية المجتمع وصون موقعه.
واليوم تستعيد الأسرة هذه الذاكرة في سياق مختلف؛ فالأحفاد يعيشون زمنًا جديدًا، والجبهة تغيرت، والقوى المتصارعة تبدلت، لكن سؤال السيادة بقي حاضرًا.
فإذا كان الجد قد حمل هاجس الأرض والتحصين في زمنه، فإن الأحفاد يحملون اليوم ــوفق الرواية المحلية ـ هاجس الدفاع عن الوطن في جبهة تعز، لتبدو الحكاية وكأنها تعود من جديد، لا بتكرار الزمن، وإنما بتجدد المسؤولية.
الأجداد واجهوا أخطار عصرهم، والأحفاد يواجهون أخطار عصرهم؛ وبين الزمنين بقيت الحشاء تحمل ذاكرتها وتمضي.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة رحيل عدد من أبناء الأسرة في جبهة تعز باعتباره فصلًا جديدًا من حكاية عائلة ارتبط حضورها، في روايتها المحلية، بقضايا الأرض والاستقلال ورفض الوصاية.
الشهداء في سطور.. دماء ترسخ الذاكرة وتفتح باب المندب:
لم تكن الأسماء التسعة في لحظة التشييع مجرد أسماء عابرة؛ فلكل اسم حكاية، ولكل عائلة ذاكرة، ولكل شهيد سيرة تستحق أن تحفظ بعيدًا عن الاختزال.
1- الشهيد جمال عبدالناصر الجنيد.. أبو مسيرة
يجتمع في اسم جمال عبدالناصر الجنيد معنى الجمال، ودلالة عبدالناصر المرتبطة بالنصرة والمعونة، بينما كان لقبه أبو مسيرة عنوانًا لحضوره في صفوف المسيرة القرآنية، وفق الرواية المحلية.
ومن مشرف في مديرية الحشاء إلى موقعه القيادي في جبهة تعز، تقدم سيرته صورة رجل انتقل من جغرافيا القرية إلى مسؤولية الميدان، وحاول بحسب من عرفوه أن يجسد ما آمن به من مبادئ في الواقع والعمل.
كان أبو مسيرة اسمًا يرتبط بالمسيرة، وحين أصبحت الجبهة امتحانًا للعهد، اختار أن تكون سيرته امتدادًا لما حمله من قناعة ومسؤولية.
2-الشهيد هاشم وجيه الدين.. كرم في الميدان
يجتمع في اسم هاشم وجيه الدين معنى هاشم المرتبط بالكرم والشهامة، ووجيه الدين بما يحمله من دلالة المكانة والوقار.
وتروي الذاكرة المحلية أن من أبرز صفاته إيثاره للمجاهدين واهتمامه بهم، وتقديمه حاجاتهم على حاجته، ليصبح الكرم عنده سلوكًا لا وصفًا، وموقفًا لا مجرد معنى في الاسم.
وفي الجبهة، حيث تختبر المواقف أصحابها، بقيت صورته في ذاكرة رفاقه مرتبطة بالاهتمام بالآخرين وبذل ما يستطيع من أجلهم.
3-الشهيد بشار مصلح الجنيد.. بشارة الإصلاح
يحمل اسم بشار مصلح الجنيد دلالتي البشارة والإصلاح؛ اسمًا يجمع بين إشراقة الأمل وفعل الإصلاح.
ورغم أن سيرته التفصيلية تحتاج إلى توثيق أوسع من أسرته ورفاقه، فإن حضوره في قائمة الشهداء يجعل من اسمه جزءًا من ذاكرة الحشاء وجبهة تعز، ومن مسؤولية الأحياء أن يحفظوا تفاصيل حياته قبل أن تختزلها الذاكرة في لحظة الرحيل.
4- الشهيد المعتصم بالله الجنيد.. ثبات الاسم والمعنى
يحمل اسم المعتصم بالله الجنيد معنى الاعتصام والثبات واللجوء إلى الله.
وبعد رحيله، أصبح اسمه جزءًا من ذاكرة أسرته وقريته وأصدقائه، فيما يبقى أجمل الوفاء أن تتحول ذكراه إلى سيرة موثقة تحفظ للجيل القادم صورة الإنسان ومواقفه وأحلامه، لا مجرد تاريخ وفاته.
5- الشهيد باسم الجنيد.. الاسم الذي بقي
يبقى باسم الجنيد شاهدًا على شاب من أبناء المنطقة، ويستحق أن تحفظ تفاصيل حياته ومساره في سجل مستقل، لأن الشهادة على التاريخ لا تكتمل من دون معرفة الإنسان الذي كان وراء الاسم.
6- الشهيد محمد الجنيد.. صفحة من ذاكرة الحشاء
يحمل محمد الجنيد اسمًا أصيلًا في الذاكرة اليمنية، وتبقى سيرته ومسيرته بحاجة إلى توثيق من أسرته ورفاقه، حتى لا تختزل حياته في خبر الرحيل.
7- الشهيد أكرم المشرقي.. كرم الاسم وكرم الذكرى
يحمل اسم أكرم المشرقي معنى الكرم، ويضاف إلى قائمة أبناء الحشاء الذين ارتبطت أسماؤهم بهذه المرحلة.
ويبقى الوفاء الحقيقي أن يُروى عنه ما كان عليه في حياته، وأن تحفظ ملامح شخصيته وأخلاقه ومواقفه للأجيال.
8- الشهيد فارس العتابي.. اسم يحمل معنى الفروسية
يحمل اسم فارس العتابي دلالة الفروسية والشجاعة في الثقافة العربية، غير أن الفروسية الحقيقية لا يثبتها الاسم وحده، وإنما تثبتها السيرة والمواقف.
ومن هنا تأتي أهمية توثيق حياته كما عرفها أهله ورفاقه، لتبقى صورته الإنسانية حاضرة في الذاكرة.
9- الشهيد فايز المريسي.. اسم آخر في سجل الذاكرة
ينضم فايز المريسي إلى هذه القافلة من أبناء المنطقة، ويبقى توثيق سيرته ومواقفه ومكانته الاجتماعية مسؤولية من عرفوه، حتى لا يضيع الإنسان خلف الحدث.
إن حفظ أسماء هؤلاء لا ينبغي أن يتوقف عند لحظة التشييع؛ فالتاريخ الحقيقي يبدأ عندما تتحول الأسماء إلى سير موثقة، والصور إلى شهادات، والذكريات إلى وثائق للأجيال.
21 سبتمبر.. من جبل صبر الأشم المطل على باب المندب إلى الحشاء.. ثورة تتوارثها الذاكرة:
في ذكرى 21 سبتمبر، تستعيد اليمن محطة سياسية ما زالت آثارها حاضرة في المشهد اليمني. وفي الرواية المحلية للحركة التي قادت تلك الأحداث، ارتبطت الثورة برفض الوصاية الخارجية والمطالبة بقرار وطني مستقل.
وكان لجبل صبر ومحيطه حضور في تلك المرحلة، وتروي الذاكرة المحلية أن آل الجنيد كان لهم دور بارز في إنجاح ثورة 21 سبتمبر في جبل صبر، كما كان لأبناء المناطق الجنوبية من تعز والضالع حضور في محطات مختلفة من التاريخ اليمني.
وفي السرد العائلي والتاريخي الذي تتناقله الأسرة، يحضر اسم صفي الإسلام أحمدبن محمد بن عبدالرحمن الحضرمي بوصفه حاملًا لإرث السيادة، وتربط الرواية المحلية اسمه بمناصرة ثورة الشرجبي ضد الأتراك، كما تحضر قرية المقدار في هذا السياق باعتبارها إحدى ساحات ذلك التاريخ.
ثم جاء الاحتلال البريطاني، لتواصل الأجيال ــوفق الذاكرة المحلية ـ حضورها في مواجهة الاحتلال والدفاع عن الأرض.
وهنا تبدو العبارة أكثر قدرة على اختصار المسافة بين الأمس واليوم:
ما أشبه الليلة بالبارحة؛ أجداد قاوموا الاحتلال البريطاني، وأحفاد يواجهون تحديات الاستكبار والنفوذ الخارجي، وبينهما ذاكرة يمنية لم تتخل عن سؤال السيادة.
واليوم تتقاطع الجغرافيا اليمنية مع الممرات البحرية الدولية، وفي مقدمتها باب المندب، فتغدو السيادة قضية تتجاوز الشعارات؛ إنها حماية القرار الوطني، والحفاظ على وحدة البلاد، وصون مواردها وممراتها ومؤسساتها، ورفض أن يتحول اليمن إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
خمسة شهداء.. سر الذاكرة وإرث يتوارثه الأبناء:
تتحدث الرواية العائلية عن تكرار حضور خمسة شهداء من آل الجنيد في أكثر من محطة، حتى تكرر هذا العدد بحسب الرواية المتداولة نحو ست مرات في تاريخ الأسرة.
وهنا تتداخل الذاكرة العائلية مع الرمز الديني؛ فيُقرأ الرقم خمسة بوصفه إحالة وجدانية إلى أصحاب الكساء، وتجديدًا للعهد مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام، كما يُقرأ بوصفه رمزًا لتجدد العهد والارتباط بالموروث الديني.
وتذهب قراءة رمزية أخرى إلى أن خمسة شهداء من الأسرة يشكلون ــ في المخيال العائلي ــ امتدادًا لخمسة أحرف في اسم الجنيد، وكأن الاسم نفسه يتحول إلى ذاكرة متجددة تحمل إرث الأجداد إلى الأبناء.
ومن زاوية أخرى، ترى الرواية المحلية أن تكرار هذا العدد يجسد ارتباط الأسرة بما تسميه وحدة الساحات في محور المقاومة والجهاد، وأن دماء الشهداء أصبحت في الوعي العائلي رمزًا لوحدة القضية وتواصل المواقف بين الجبهات.
ومهما اختلفت القراءات، يبقى المؤكد أن خمسة شهداء من أسرة واحدة في أكثر من محطة ظاهرة تستحق التوثيق والدراسة الاجتماعية والتاريخية، لا بوصفها دليلًا على تفسير غيبي محدد، وإنما بوصفها جزءًا من الطريقة التي تصنع بها الأسر اليمنية ذاكرتها وتتناقل إرثها بين الأجيال.
خمسة شهداء.. إرث جهادي تتوارثه الأجيال.
خمسة شهداء.. ذاكرة عائلة تضع أبناءها أمام مسؤولية التاريخ.
خمسة شهداء.. رقم تحول في الوجدان العائلي إلى علامة على تجدد العهد.
أما السؤال الذي يفرض نفسه، فلا ينبغي أن يكون سؤالًا عن مزيد من الدماء، بل سؤالًا عن المستقبل: كيف تتحول تضحيات اليمنيين إلى دولة أكثر سيادة، ووطن أكثر أمنًا، ومستقبل يضع حدًا لدورات الحرب؟
فالشهادة لا ينبغي أن تكون دعوة إلى استمرار المأساة، بل مسؤولية على الأحياء كي يصنعوا من الألم طريقًا يحفظ الوطن.
عهد للشهداء.. وعهد لليمن:
تبقى أسماء الراحلين في ذاكرة أهلهم، ويبقى واجب الأحياء أن يحفظوا سيرتهم ويوثقوا شهاداتهم ويصونوا حق الأجيال في معرفة ما جرى.
وفي ذكرى 21 سبتمبر، يظل العهد الأكبر لليمن نفسه: وطن مستقل القرار، مصان السيادة، موحد الأرض، محفوظ الكرامة، بعيد عن الوصاية الخارجية، وقادر على أن يصنع مستقبله بيده.
أما العهد للشهداء، فهو أن تبقى ذكراهم حاضرة في الوعي، وأن يتحول إرثهم إلى مسؤولية أخلاقية ووطنية، وأن يمضي الأحياء في طريق يحفظ كرامة اليمن ويصون مقدساته.
على العهد ماضون، وعلى الوفاء ثابتون، وعلى طريق السيادة مستمرون، حتى يأتي اليوم الذي تتحرر فيه المقدسات، وتستعيد الأرض كرامتها، ويصبح اليمن سيد قراره، عزيزًا بأهله، مصانًا بوحدته، محفوظًا بكرامة أبنائه.
اللهم تقبل منا هذا القربان، وارحم شهداء اليمن، واحفظ أهلهم، واجعل دماءهم في ذاكرة الوطن شاهدًا على الوفاء، لا سببًا لمزيد من الفقد، واكتب لليمن وأبنائه مستقبلًا يسوده الأمن والسلام والكرامة والسيادة.



