
من توتاليتارية الأسد إلى اختبار سلطة الشرع
بقلم: الباحثة كنانة خلف الكردي
لم تكن التوتاليتارية في عهد آل الأسد مجرد استبداد سياسي، بل منظومة متكاملة لإخضاع الدولة والمجتمع، احتكرت القرار، وأفرغت المؤسسات من استقلالها، وحوّلت الخوف إلى أداة حكم، والولاء إلى معيار للنجاة، والصمت إلى شرط غير معلن للعيش. لم يكن المطلوب من السوري أن يكون مواطناً يمتلك حقوقه، بل تابعاً لا ينازع السلطة حقها في تقرير مصيره.
لكن سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024 لا يعني تلقائياً سقوط البنية السياسية والثقافية التي أنتجت الاستبداد. فإسقاط الحاكم شيء، وبناء دولة تمنع إعادة إنتاج حكم الفرد شيء آخر تماماً.
هنا تبدأ المقارنة مع الحكم السوري الحالي بقيادة الرئيس أحمد الشرع. ليست المسألة مساواة التجربتين، ولا منح السلطة الجديدة حصانة لمجرد أنها جاءت بعد نظام قمعي، بل طرح السؤال الأهم: هل تؤسس سوريا لدولة المؤسسات، أم تعيد إنتاج مركزية السلطة بأدوات مختلفة؟
لقد فتح سقوط النظام السابق المجال أمام تحولات سياسية ودبلوماسية، واتسعت إمكانات التعبير مقارنة بعقود حكم الأسد. غير أن المرحلة الانتقالية تواجه تحديات جوهرية تتعلق بتركيز الصلاحيات التنفيذية، واستقلال القضاء، والتمثيل السياسي، وضمان مشاركة السوريين بمختلف مكوناتهم في تقرير مستقبل البلاد. وقد أثارت الصلاحيات الواسعة الممنوحة للرئاسة بموجب الإعلان الدستوري لعام 2025 نقاشاً حول التوازن بين السلطات وحدود الرقابة عليها.
كما أظهرت أعمال العنف والانتهاكات التي طالت مدنيين في الساحل والسويداء خلال عام 2025 أن شرعية الدولة لا تُقاس بقدرتها على فرض السيطرة وحدها، بل بقدرتها على حماية المواطنين، ومحاسبة المتجاوزين، ومنع الإفلات من العقاب، بصرف النظر عن هوية الفاعلين وانتماءاتهم.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه سوريا هو استبداد يتخفّى خلف شعارات الاستقرار والضرورة الوطنية. فحين يُعامل النقد باعتباره تهديداً، وتُؤجَّل المشاركة السياسية إلى أجل غير محدد، وتتحول المرحلة الانتقالية إلى مبرر دائم لتركيز القرار، يصبح تغيير الوجوه أقل أهمية من استمرار منطق الحكم نفسه.
سوريا لا تحتاج إلى استبداد أقل قسوة، بل إلى دولة مختلفة في جوهرها: مؤسسات لا أشخاص، وقانون لا انتقائية، ومواطنة لا ولاءات، ومحاسبة لا حصانات. دولة تضمن حقوق العرب والكرد وسائر المكونات، ولا تسمح لأي جماعة أو تيار باحتكار القرار الوطني.
الفارق الحقيقي بين عهد الأسد والحكم الجديد لن تصنعه الشعارات، بل حدود السلطة، واستقلال المؤسسات، وحقوق المواطن في الاعتراض والمحاسبة.
فالثورة التي أسقطت الاستبداد لا تكتمل بتبديل الحاكم، بل ببناء نظام سياسي يمنع عودة الاستبداد، مهما تغيّرت لغته أو تبريراته. لقد دفع السوريون ثمناً باهظاً كي يتحرروا من الخوف؛ ومن حقهم اليوم أن يطالبوا بدولة لا يخاف فيها المواطن من السلطة، ولا تخشى فيها السلطة مواطناً يسأل ويحاكم أداءها بالقانون.





