
بيوتر فيرخوفينسكي السوري
بقلم: الباحثة كنانة خلف الكردي
ليس أخطر السياسيين من يسعون إلى السيطرة على الدولة، بل من يحوّلون المجتمع إلى ساحة صراع مفتوح، ويجعلون أبناءه يستنزفون بعضهم بعضاً، بينما تتآكل الثقة وتتعطل المؤسسات. هنا تبرز شخصية بيوتر ستيبانوفيتش فيرخوفينسكي، في رواية الشياطين لفيودور دوستويفسكي، بوصفها نموذجاً أدبياً كاشفاً لآليات التلاعب السياسي، وصناعة الأعداء، وتوظيف الفوضى لخدمة النفوذ.
فيرخوفينسكي لا يحتاج إلى أن ينتصر على خصومه بقدر ما يحتاج إلى أن يجعلهم عاجزين عن الاتفاق. فحين يتحول الخلاف إلى تخوين، والنقد إلى خصومة، والاختلاف إلى تهديد وجودي، تصبح السياسة أسيرة الانفعالات، ويتراجع العقل أمام التعبئة، وتُستبدل البرامج بالصراخ، والكفاءة بالولاء، والحجة بالاتهام.
هذه هي هندسة الاستقطاب: لا إلغاء الاختلاف، بل تحويله إلى عداوة؛ ولا إقناع المجتمع برواية واحدة، بل إغراقه في روايات متضاربة، بحيث يفقد أفراده القدرة على التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين الخصم السياسي والعدو الذي يُفترض استئصاله.
صناعة العدو بوصفها أداة للسلطة
يعتمد منطق فيرخوفينسكي على استثمار التناقضات القائمة، وتضخيم المظالم، وانتقاء الوقائع، وتحويل المخاوف إلى أدوات تعبئة. وكلما اتسعت دائرة الشك، ازدادت صعوبة التسوية، وأصبح كل تنازل موضع اتهام، وكل محاولة للحوار دليلاً على الضعف.
ولا يشترط نجاح هذه الآلية وجود عقل مدبّر واحد؛ فقد تنتجها أيضاً نخب انتهازية، ومؤسسات ضعيفة، وخطابات تحريضية، ومنصات إعلامية تكافئ الإثارة على حساب الحقيقة. لكن النتيجة واحدة حين تتضافر هذه العوامل: مجتمع منشغل بمعاركه الداخلية، ودولة تتراجع قدرتها على أداء وظائفها، وقوى تستثمر في استمرار الأزمة بدلاً من حلها.
إن أخطر ما يحققه هذا النموذج هو جعل الفوضى تبدو وكأنها قرار المجتمع نفسه، فيما تتراكم نتائجها على حساب مصالحه ومستقبله.
سوريا: من خلافات المجتمع إلى تهديد الدولة
في الحالة السورية، تكتسب هذه القراءة أهمية خاصة بعد سنوات الصراع وما خلّفته من جراح وانقسامات وفقدان للثقة. فالخلافات السياسية والقومية والمناطقية لا تهدد وحدة البلاد بذاتها؛ إنما يبدأ الخطر حين تتحول إلى أدوات لنزع الشرعية عن الآخرين، أو احتكار تمثيل جماعات بعينها، أو تصوير التعايش باعتباره استحالة سياسية.
إن استثمار التوترات العربية الكردية، أو تأجيج الخصومات بين المناطق، أو تحويل النقد إلى معركة ولاء، يضعف فرص بناء دولة تستوعب مواطنيها على أساس المساواة. وفي المقابل، فإن تجاهل المظالم، أو تقييد النقد المشروع، أو انتقائية تطبيق القانون، يترك شقوقاً يمكن أن تتسع وتُستغل سياسياً.
فلا تُحمى الدولة بإسكات المجتمع، ولا تُصان الوحدة بإنكار الاختلاف، ولا تُبنى الشرعية بالشعارات وحدها.
كيف يُهزم منطق الفوضى؟
تبدأ المواجهة بمؤسسات عادلة، ومساءلة لا تستثني أحداً، وإعلام يتحقق قبل أن يحرّض، ومجال سياسي يسمح بالمعارضة من دون تحويلها إلى عداوة. كما تتطلب معالجة المظالم بجدية، وحماية التعددية، ومنع احتكار الهوية الوطنية أو استخدامها أداة للإقصاء.
الخطر الحقيقي ليس أن يختلف السوريون، بل أن يفقدوا القدرة على الاختلاف من دون أن يتحولوا إلى أعداء.
تكشف شخصية فيرخوفينسكي أن صناعة الأعداء قد تصبح وسيلة لتفكيك الثقة وتعطيل السياسة وإدامة الصراع. والدرس السوري الأهم أن استعادة الدولة تبدأ حين يصبح القانون أقوى من الولاء، والمواطنة أوسع من الهوية الضيقة، والحوار بديلاً عن التخوين.
فالأوطان لا تنهار دائماً بضربة خارجية؛ قد تتآكل حين يُقنع أبناؤها بعضهم بأن الآخر أخطر من الخراب نفسه و النخب المثقفة والمائعة هي التي تُمهد الطريق دون أن تدري ظهور الشياطين الحقيقيين والراديكاليين الدمويين.





