
جماعة المنعزلة داخلياً والمنفتحة خارجياً
بقلم: الباحثة كنانة خلف الكردي
دولة للخارج.. واغتراب في الداخل
ليست المشكلة أن تنفتح الدولة على الخارج؛ فالدبلوماسية ضرورة، والشراكات الدولية والإقليمية أدوات لحماية المصالح الوطنية واستعادة المكانة السياسية. المشكلة تبدأ عندما يتسع حضور الدولة خارج حدودها، بينما تضيق مساحتها داخل مجتمعها، فتُحسن إدارة علاقاتها الدولية، لكنها تعجز عن بناء علاقة متينة مع مواطنيها.
إن الدولة التي تبحث عن الاعتراف خارجياً، ولا تستكمل بناء الثقة داخلياً، تُحسن تسويق صورتها قبل أن تحسم أزمة بنيتها.
في السياق السوري، تكتسب هذه المفارقة خطورة مضاعفة. فسوريا الخارجة من سنوات طويلة من الحرب والانقسام لا تحتاج إلى انفتاح دبلوماسي فحسب، بل إلى عقد وطني يعيد وصل الدولة بالمجتمع، ويضمن المشاركة السياسية، ويعالج المظالم، ويؤسس للمواطنة المتساوية. فنجاح الدبلوماسية في فتح الأبواب لا يعوّض إغلاقها في وجه القوى الاجتماعية والسياسية داخل البلاد.
إن الانعزال الداخلي لا يعني بالضرورة الانقطاع عن المجتمع، بل قد يظهر في ضعف قنوات المشاركة، وغياب الحوار الفعّال، ومحدودية الاستماع إلى النقد، وتحويل المطالب المحلية إلى ملفات مؤجلة أو مشكلات أمنية بدل التعامل معها بوصفها استحقاقات سياسية واجتماعية. وعندما تتراجع قدرة المؤسسات على تمثيل المجتمع، تتقدم الوساطات الشخصية والفئوية، وقد تبحث بعض المكونات عن قنوات خارجية لحماية مصالحها أو انتزاع ما عجزت عن تحقيقه في الداخل.
هنا يتحول الانفتاح الخارجي، من أداة لتعزيز السيادة، إلى واجهة قد تخفي هشاشة الداخل؛ وتتحول العلاقات الدولية، من رافعة لبناء الدولة، إلى بديل وهمي عن الإصلاح المؤسسي.
والأخطر أن هذا المسار قد يفتح المجال أمام تعدد مرجعيات القرار، وتضارب الولاءات، وارتهان بعض الملفات الوطنية لحسابات إقليمية. وعندها لا تعود المشكلة في وجود علاقات خارجية، بل في غياب مركز وطني جامع ينظمها وفق المصلحة السورية، ويمنع تحويلها إلى قنوات نفوذ تتجاوز مؤسسات الدولة.
لا يمكن بناء دولة مستقرة بعلاقات خارجية قوية وشرعية داخلية هشة.
إن المطلوب ليس الانكفاء عن العالم، ولا الارتياب من كل شراكة دولية، بل تصحيح المعادلة: انفتاح خارجي يستند إلى توافق وطني، ودبلوماسية تخدم المجتمع، ومؤسسات تحكم بقانون واحد، ومواطنة لا تتفاوت قيمتها باختلاف المنطقة أو الانتماء أو القرب من مراكز القرار.
فسوريا لا تحتاج إلى دولة يراها الخارج أكثر مما يشعر بها الداخل؛ بل إلى دولة يسمع مواطنوها صوتها في العدالة والخدمات والحقوق والمشاركة، قبل أن يسمع العالم خطابها الدبلوماسي.
فالانفتاح الخارجي يمنح الدولة فرصاً، لكن الاندماج الوطني يمنحها الشرعية. ومن دون الداخل، يصبح بريق الخارج هروباً إلى الأمام، لا طريقاً إلى المستقبل.





