
مطاقع التواصل وسخرية السوشيال ميديا
بقلم: الباحثة كنانة خلف الكردي
لم تعد منصّات التواصل الاجتماعي مجرد فضاء لتبادل الأفكار والترفيه، بل تحولت في بعض جوانبها إلى ساحات مفتوحة لانتهاك الخصوصية، والتشهير، وتحويل آلام الآخرين إلى محتوى قابل للتداول والربح. وفي ظل سباق المشاهدات والإعجابات، باتت كرامة الإنسان أحياناً أقل قيمة من مقطع مثير، أو تعليق ساخر، أو لحظة إذلال تُنتج تفاعلاً واسعاً.
حين يصبح الإنسان مادةً للضحك، لا تعود المشكلة في النكتة، بل في الضمير الذي سمح بتحويل الإهانة إلى ترفيه.
تكمن خطورة هذه الظاهرة في أن السخرية لم تعدّ دائماً وسيلة لنقد السلوك أو كشف التناقضات، بل أصبحت تُوجَّه نحو الملامح، والفقر، والإعاقة، واللهجة، والظروف الاجتماعية، وحتى لحظات الضعف الإنساني. وقد يُصوَّر شخص دون علمه، ثم يُنشر المقطع مصحوباً بتعليقات جارحة، ليتحول خلال ساعات إلى مادة للتندر، فيما يظل صاحب الصورة يواجه أثراً نفسياً واجتماعياً قد يستمر طويلاً والأخطر أن الجمهور قد يشارك في الإيذاء دون أن يشعر بمسؤوليته؛ فإعادة النشر تبدو فعلاً بسيطاً ، والتعليق لا يستغرق سوى ثوانٍ، لكن تراكم هذه الأفعال يصنع بيئة رقمية تُطَبِّع الإهانة وتُضعف التعاطف بين المكونات وهكذا يتحول التوحش الناعم إلى ممارسة جماعية لا تحتاج إلى عنف جسدي، لأنها تكتفي بتجريد الإنسان من خصوصيته وكرامته أمام جمهور واسع.
وفي المجتمع السوري، الذي أنهكته سنوات الحرب والفقد والنزوح والانقسام، تكتسب هذه المسألة بُعداً إضافياً فالسخرية من معاناة الناس، أو استغلال فقرهم، أو تحويل اختلافاتهم إلى مادة للتحقير، لا تعكس خفة ظل، بل تعمّق الجراح الاجتماعية وتعيد إنتاج الإقصاء بأدوات رقمية.
ليس المطلوب تجريم الفكاهة أو مصادرة النقد؛ فالسخرية السياسية والاجتماعية قد تكون أداة مشروعة لكشف الفساد والتناقضات. لكن الفارق جوهري بين نقد سلوك يستحق المساءلة واستهداف إنسان بسبب ضعفه، وبين فضح ممارسة ضارة وانتهاك خصوصية شخص لا يملك القدرة على الدفاع عن نفسه.
إن مواجهة هذه الظاهرة تبدأ بتأسيس وعي أخلاقي رقمي يجعل المستخدم يسأل قبل النشر: هل أقبل أن يحدث هذا لي أو لأحد أحبّه؟ وهل يحقق هذا المحتوى منفعة عامة، أم يصنع شهرة على حساب إنسان آخر؟
كما تتطلب مسؤولية من المنصات في الحد من التنمر والتشهير، ومن الإعلام في عدم تحويل الإذلال إلى مادة استهلاكية، ومن المؤسسات التربوية في ترسيخ احترام الخصوصية والاختلاف.
ليست كل مادة مضحكة بريئة، وليست كل مشاهدة بلا ثمن.
فالإعجاب الذي نحصل عليه بإهانة الآخرين بكل مكوناتهم وتنوعها مكسب زائف، والانتشار الذي يُبنى على كرامة الإنسان ليس نجاحاً لم نشر وحصد لايكات ، بل إخفاق أخلاقي يرتدي قناع الترفيه.
قبل أن تضغط «مشاركة»، تذكّر: قد تنتهي ضحكتك في ثوانٍ، لكن أثرها في إنسان آخر قد لا ينتهي.





