
د. فاضل حسن شريف
تناول الكاتب والباحث الدكتور فاضل حسن شريف في دراساته القرآنية العميقة قصة نبي الله إدريس عليه السلام، وتوقف طويلاً عند الآية الكريمة: “وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا” (مريم 57). وكعادته في مزج المعرفة القرآنية بالرؤية الهندسية، الفضائية، والبيانية، قدم قراءة استثنائية لهذه الآية تخرج عن التفسير التقليدي البحت إلى آفاق “الارتقاء المكاني والزماني والمقامي”.إليك أبرز ما تميزت به كتاباته حول النبي إدريس عليه السلام وهذه الآية المباركة:1. المنظور الهندسي والفضائي لمفهوم “المكان العلي”من خلال عقليته الهندسية واهتمامه بعلوم المساحة الفضائية والهندسة الفراغية (Spatial & Extraterrestrial Surveying)، نظر الدكتور فاضل إلى “المكان العلي” لا مجرد رفعة معنوية ومقام روحي فحسب (وهو الأساس الأهم)، بل كإشارة قرآنية عميقة إلى تجاوز الحدود الأرضية نحو الآفاق السماوية العليا.يربط الكاتب بين وصف الآية وبين مفاهيم الارتفاعات الإحداثية المطلقة (Absolute Coordinate Altitudes)، وكيف أن الله سبحانه وتعالى اصطفى نبيه إدريس برفعه إلى طبقات أرفع وأسمى في عوالم الملكوت، مما يعكس تلاقياً عجيباً بين دقة المصطلحات الفضائية وسمو المعنى القرآني.2. إدريس عليه السلام: رائد العلوم والصناعات الأولىسلطت كتاباته الضوء على المكانة التاريخية والحضارية للنبي إدريس عليه السلام باعتباره أول من خطّ بالقلم، وأول من درس النجوم وحساباتها، وقواعد الهندسة والخياطة.في هذا السياق، يرى الكاتب ترابطاً وثيقاً بين طبيعة شخصية النبي إدريس (الذي وضع أسس العلوم والحساب والقياس) وبين الرفعة الإلهية له؛ فمن علّم البشرية أصول الهندسة والقياس الأرضي والفيزيائي، رفع جزاءً له إلى أرفع الأمكنة السماوية.3. الرفعة المزدوجة: مقام الروح وعلو المنهجفي تحليله البياني والدلالي لجملة “ورفعناه مكاناً عليا”، يؤكد الكاتب أن الرفعة في القرآن الكريم جاءت نكرة للتفخيم والتعظيم (مكاناً علياً)، مما يدل على علوٍّ لا يمكن للإدراك البشري الإحاطة بكنه مداه.تجمع هذه الرفعة بين:الرفعة المعنوية والنبيلة: علو الذكر والصفات النبيلة في تاريخ البشرية جمعاء.الرفعة المكانية الحقيقية: الارتقاء الفعلي للجسد والروح إلى السماوات العلى كما ورد في الروايات والأثر، وهو ما يعكس القدرة الإلهية المطلقة التي لا تحدها قوانين الجاذبية الأرضية أو القيود المكانية التقليدية.خلاصة الطرح: إن تناول الدكتور فاضل حسن شريف لقصة النبي إدريس عليه السلام وآية “ورفعناه مكاناً عليا” يمثل نموذجاً رائعاً لـ “التدبر العلمي والكوني”؛ حيث يندمج الإيمان المطلق بمعجزات الأنبياء مع عقل الباحث الهندسي الذي ينظر إلى آفاق السماء والأبعاد والمسارات الفضائية بعين الخشوع والتعظيم لقدرة الخالق عز وجل.
ركز فاضل حسن شريف في دراساته التاريخية والقرآنية الجذور الأولى للعلوم والمعارف التي نشأت مع البشرية الأولى، مسلطاً الضوء على الدور الريادي لنبي الله إدريس عليه السلام باعتباره المعلم الأول للعلوم التي شكلت أساس الحضارة الإنسانية والعمران البشري. وفي هذا السياق، يُشير التراث التاريخي والمفسرون والباحثون إلى أن النبي إدريس عليه السلام كان أول من وضع قواعد العلوم الدقيقة التي لا غنى عنها لأي هندسة أو تنظيم بشري. ويمكن إبراز أهم هذه العلوم والمعارف التي انعكست في الطرح المعرفي والقرآني للكاتب فيما يلي: 1. علم الخط والكتابة (The Art of Writing): يُعد النبي إدريس عليه السلام في التراث التاريخي أول من خطّ بالقلم، معتبراً أن الكتابة هي الأداة الكبرى لتوثيق المعرفة، ونقل العلوم عبر الأجيال، وحفظ القوانين والتشريعات. من الناحية الحضارية، يمثل الخط والتدوين اللبنة الأساسية لقيام أي حضارة بشرية منظمة، إذ به تضبط العقود، وتُحفظ الحقوق، وتُصاغ العلوم الهندسية والفلكية. 2. علم النجوم والحساب والتقويم (Astronomy & Calendars): عُرف النبي إدريس باهتمامه بحساب النجوم ومساراتها وحركات الأجرام السماوية، مما وضع الأسس الأولى لعلم الفلك والتقويم الزمني. يتقاطع هذا تاريخياً مع اهتمام الدكتور فاضل بـ المساحة الفضائية والهندسة الفراغية؛ فمعرفة مسارات النجوم وحساباتها هي الامتداد التاريخي القديم لعلم الإحداثيات والملاحة والمقادير الكونية التي أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: “والشمس والقمر بحسبان”. 3. قواعد الهندسة والقياس وبناء المدن (Geometry & Mensuration): نُسب إلى النبي إدريس وضع القواعد الأولى للهندسة، وتخطيط المدن، وتنظيم السكن البشري، فضلاً عن إرساء قواعد الخياطة وصناعة الملابس (إذ تشير الروايات إلى أنه أول من خاط الثوب ولبسه). في الرؤية الهندسية، يمثل هذا الارتقاء من الحياة البدائية إلى الهندسة المعمارية والتنظيم العمراني تحولاً كضرياً كبيراً قاده الأنبياء بتبليغ إلهي يجمع بين دقة الصنعة وسمو الغاية. خلاصة الطرح: إن إبراز الدكتور فاضل حسن شريف لهذه المعارف الأولى المرتبطة بالنبي إدريس عليه السلام يعكس ربطاً عميقاً بين أصول العلوم البشرية وبين الإرشاد الإلهي؛ فالعلوم والمهندسات والقياسات ليست وليدة الصدفة أو الاختراع البشري المجرد، بل هي امتداد لرسالات الأنبياء الذين علموا البشرية كيف تقرأ كتاب الكون وتعمّر الأرض بإتقان وحساب دقيق.
تطرقت الدراسات التفسيرية والحديثية التي عُنيت بقصة نبي الله إدريس عليه السلام إلى مجموعة من الروايات المأثورة عن الصحابة والتابعين والمفسرين، والتي تناولت قضيّة رفع إدريس عليه السلام وبقائه حياً في السماء، استناداً إلى الآية الكريمة: “وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا” (مريم 57). ويمكن إبراز أبرز معالم هذه الروايات والدلالات المرتبطة بها في سياق الطرح التوثيقي والمعرفي: 1. الروايات الواردة في التفسير والأثر: رواية ابن عباس: وردت في كتب التفسير الماثورة (كالتفسير المنسوب لابن عباس، وتفسير الطبري، والقرطبي، وغيرها) آثار عن بعض الصحابة والتابعين (مثل كعب الأحبار) تفيد بأن الله سبحانه وتعالى أُمِر ملك الموت أن يقبض روح إدريس عليه السلام في السماء الرابعة، أو أن إدريس رُفع إليها حياً فقبضت روحه هناك، أو أنه بقي حياً يتعبد فيها. الفرق بين إدريس وعيسى عليهما السلام: يفرق المحققون والمفسرون في تفاصيل هذه الروايات بين بقاء نبي الله إدريس عليه السلام في الملأ الأعلى أو في السماوات العلى تكريماً لرفعته ومكانته، وبين نزول نبي الله عيسى عليه السلام في آخر الزمان؛ فبينما وردت النصوص الصريحة بنزول عيسى عليه السلام إلى الأرض، فإن روايات رفع إدريس تركز على مقام الاصطفاء وتكريم العلوم الأولى التي أسسها للبشرية. 2. البعد المعنوي والمكاني في الروايات: التشابه مع قصة نبي الله عيسى: يرى بعض الباحثين والعلماء أن تكرار الإشارة إلى الرفع المكاني في القرآن الكريم (كما في قصة إدريس وقصة عيسى عليهما السلام في قولـه تعالى: “بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ”) يحمل دلالة عظيمة على خرق العوائد الكونية المعتادة بقدرة إلهية مطلقة تتجاوز قوانين الجاذبية والأرض. الرفعة بين المادة والروح: في سياق المزج بين الرؤية الهندسية الفضائية والتفسير الإيماني، فإن هذه الروايات تُعزز المعنى القائل بأن الارتفاع لم يكن مجرد ذكر حسن في التاريخ، بل كان ارتقاءً حقيقياً للذات في عوالم الملكوت، مما يعكس سمو المكانة والجزاء الإلهي للأنبياء الذين أرسوا قواعد المعرفة والحكمة والتوحيد. خلاصة الطرح: إن الروايات المتعلقة ببقاء إدريس عليه السلام في السماء تعكس جانباً من التراث التفسيري والحديثي الذي يُعظّم من شأن الأنبياء الأوائل، ويؤكد قدرة الخالق عز وجل على تكريم رسله بما شاء من أشكال الاصطفاء والرفعة المكانية والمعنوية.
في تراث أهل البيت عليهم السلام روايات كريمة تؤكد أمر رفع نبي الله إدريس عليه السلام وتكريمه، وتتطابق في جُمملها مع المعاني العالية للآية الكريمة: “وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا” (مريم 57). وفيما يلي أبرز ما ورد في مصادر الحديث والتفسير المنسوبة لمدرسة أهل البيت عليهم السلام حول هذا الموضوع: 1. الرفع البدني والروحي إلى السماء: تشير النصوص المروية عن الأئمة الاهـطهار عليهم السلام إلى أن الله عز وجل رفع نبيّه إدريس عليه السلام حياً إلى السماء، حيث تفرغ لعبادة الله والملائكة في العوالم العلوية. في تفسير القمي وغيره من تفاسير أهل البيت، يُؤكد أن الله سبحانه وتعالى كرم إدريس برفعـه من الأرض إلى السماء، وبقي فيها حياً يرزق بفضل طاعته واصطفائه، وهو ما يفسر معنى “المكان العلي” بالارتقاء الحقيقي للجسد والروح معاً إلى ملاء أعلى لا يطؤه البشر المعتادون إلا بإرادة إلهية معجزة، نظير ما ورد في روايات أخرى عن بعض الأنبياء كالخضر وعيسى عليهم السلام. 2. الحكمة من بقائه ورفعه: توضح الروايات أن رفع إدريس عليه السلام كان تكريماً استثنائياً لدوره الريادي في نشر العلوم الأولى (كالخط، والحساب، والهندسة، والفلك) وتعاليم التوحيد بين البشر، وجزاءً لورعه وعبادته العميقة التي لم تقف عند حدود الأرض. يُنظر إلى بقائه حياً في السماء في بعض الشروح العرفية والحديثية الإمامية على أنه رمز لدوام اتصال الأرض بالسماء، وأن العلوم والمعارف التي وضع أسسها باقية وموصولة بالفيض الإلهي. 3. المقارنة مع الأنبياء الآخرين المرفوعين: يُصنف نبي الله إدريس في التراث الروحي لأهل البيت ضمن الأنبياء الذين خرق الله لهم العوائد الكونية المعتادة (مثل عيسى بن مريم عليه السلام)، حيث أذن الله له بمغادرة عالم المادة الكثيفة إلى عالم الأنوار والسماوات، ليكون شاهداً على ملكوت السماوات والأرض. خلاصة الطرح: تؤكد روايات أهل البيت عليهم السلام أن رفع إدريس عليه السلام وبقاءه في السماء هو واقعة تكريمية معجزة، تجمع بين سمو الروح وعلو المكان، وتعكس عظمة الاصطفاء الإلهي لمن علم البشرية أصول المعرفة والتوحيد.

