
التركمان شركاء لا ضيوف
بقلم: الباحثة كنانة خلف الكردي
لم تكن الثورة السورية ملكاً لقومية دون أخرى، ولا امتيازاً سياسياً لجماعة تستطيع رفع صوتها أكثر من غيرها. كانت ثورة شعبٍ ضد الاستبداد، شارك فيها سوريون من خلفيات قومية ودينية ومناطقية متعددة، وكان التركمان السوريون أحد المكوّنات التي انخرطت في الحراك المعارض، سياسياً وعسكرياً ومدنياً، ودفع كثير من أبنائها أثماناً باهظة خلال سنوات الصراع لكن السؤال الذي يستحق المواجهة اليوم ليس: هل شارك التركمان في الثورة؟ بل: هل أنصفت الدولة السورية الجديدة تاريخ مشاركتهم، وهل سيُترجم هذا التاريخ إلى اعتراف سياسي وحقوق مواطنة متساوية؟
من التهميش إلى المشاركة
عاش التركمان السوريون عقوداً في ظل نظام لم يفتح المجال أمام التعبير السياسي الحر، ولم يمنح التعدد القومي مساحة عادلة في الحياة العامة. ومع انطلاق الثورة عام 2011، بدأت شخصيات وناشطون تركمان بالمشاركة في المعارضة، ثم ظهرت أطر سياسية أكثر تنظيماً، من بينها الكتلة التركمانية السورية، وصولاً إلى تأسيس المجلس التركماني السوري عام 2012 ومع اتساع المواجهة العسكرية، تشكّلت مجموعات مسلحة تركمانية في مناطق عدة، خصوصاً في ريف حلب واللاذقية، وانخرطت في القتال ضد قوات النظام السابق. كما تعرّضت مناطق ذات حضور تركماني للقصف والتهجير، ولا سيما في منطقة جبل التركمان بريف اللاذقية. ولم تكن المشاركة محصورة في البندقية؛ فقد شملت العمل السياسي والإغاثي ومساعدة الجرحى والنازحين ومحاولات تمثيل القضية التركمانية داخل مؤسسات المعارضة.
هذه الوقائع ليست دعوة إلى صناعة سردية قومية منفصلة عن الثورة السورية، بل إلى تثبيت حقيقة أساسية: التركمان لم يكونوا كتلة خارج المجتمع السوري، بل جزءاً من نسيجه، ومن الصراع الذي أعاد تشكيل مستقبله. وقد وثّقت دراسات مبكرة نشوء أطرهم السياسية والعسكرية خلال سنوات الثورة.
التضحيات لا تمنح امتيازاً… لكنها تمنع الإنكار
من الخطأ اختزال التركمان في علاقتهم بتركيا، كما من الخطأ تجاهل التداخلات الإقليمية التي أثّرت في مسار المعارضة السورية وتشكيلاتها المسلحة. فالانتماء القومي لا يلغي الهوية الوطنية، والعلاقة مع دولة مجاورة لا تعني تلقائياً التخلي عن الانتماء السوري.
وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول التضحيات إلى صكّ احتكار للتمثيل أو إلى مطالبة بامتيازات تتجاوز حقوق بقية السوريين. فالعدالة لا تعني استبدال تهميش قديم بمحاصصة جديدة، بل بناء مؤسسات تضمن المشاركة وفق الكفاءة والاستحقاق، وتحمي الحقوق الثقافية واللغوية لجميع المواطنين.
لا يجوز إنكار دور التركمان لأنهم تركمان، كما لا يجوز منح أي مكوّن امتيازاً سياسياً لمجرد هويته.
سورية الجديدة أمام اختبار الاعتراف
إن سقوط نظام الأسد لا يكتمل بمجرد تغيير السلطة؛ بل يتطلب تفكيك العقلية التي تعاملت مع التنوع بوصفه تهديداً، ومع الحقوق بوصفها منحة من الحاكم. ومن هنا، فإن مستقبل التركمان السوريين يجب أن يُناقش ضمن مشروع دستوري وطني يضمن المساواة أمام القانون، ويحمي اللغة والثقافة والتراث، ويتيح المشاركة السياسية والإدارية من دون إقصاء أو تمييز.
كما أن بناء الثقة بين التركمان والعرب والكرد وسائر المكوّنات يتطلب الابتعاد عن خطاب التخوين والمنافسة على المظلومية. فلا يجوز استخدام الذاكرة لتغذية الانقسام، ولا يجوز مطالبة الضحايا بنسيان ما جرى قبل تحقيق العدالة والاعتراف.
رأيي أن الاختبار الحقيقي للدولة السورية الجديدة ليس في قدرتها على استيعاب المكوّنات داخل السلطة فحسب، بل في قدرتها على جعل أي مواطن يشعر بأن حقوقه لا تتوقف على قوميته، أو علاقاته، أو قربه من مركز القرار.
لقد شارك التركمان في الثورة، مثلما شارك سوريون آخرون، ولكل تجربة خصوصيتها وتضحياتها. والإنصاف يقتضي توثيق هذه التجربة بوقائعها، لا بالمبالغات، والاعتراف بها من دون تحويلها إلى أداة للفرز القومي.
فالثورة التي خرجت طلباً للحرية لا يجوز أن تنتهي إلى إعادة إنتاج الإقصاء بأسماء جديدة. التركمان شركاء في سورية، لا ضيوف فيها؛ وحقوقهم ليست منّة من أحد، بل جزء من حقوق السوريين جميعاً.





