
د. فاضل حسن شريف
يتناول الدكتور فاضل حسن شريف في تحليلاته للدلالات اللغوية والقرآنية والبيانية الفرق بين التصويت والانتخاب، حيث يعبر اللفظان عن آليتين في الاختيار والتعبير عن الإرادة، إلا أن بينهما تمييزاً دقيقاً في الوسيلة، والغاية، والعموم والخصوص: التصويت (إبداء الرأي والجهر بالإرادة) المفهوم: هو إعلان الرأي أو منح الصوت في أمرٍ ما، سواء كان ذلك الاختيار بين أشخاص، أو على قرارات، أو تشريعات، أو إقرار قوانين واستفتائيات. الأصل والصفة: مأخوذ من “الصوت” وهو نداء الإنسان وإظهار نبرته، فالتصويت في أصله اللغوي هو رفع الصوت بالإفصاح عن الرأي، ثم اتسع مجازاً ليشمل الإدلاء بالرأي كتابةً أو عبر الصناديق. العموم والخصوص: التصويت أعمّ وأوسع نطاقاً، لأنه يُستعمل في كل مسألة تُعرض لإبداء الرأي (مثل: التصويت على قانون، التصويت لقطع قرار، التصويت في استفتاء، أو التصويت لاختيار مرشح). الانتخاب (اصطفاء الأفضل واختيار الأشخاص) المفهوم: هو انتقاء واختيار شخص أو أكثر من بين مجموعة مرشحين لتولي مهام أو مناصب محددة بناءً على صفات ومؤهلات معينة. الأصل والصفة: مأخوذ من “النَّخْب” وهو استخلاص صفوة الشيء ونخبته، فالانتخاب يقتضي وجود دراية، ومفاضلة، وانتقاء للأجود والأصلح من بين البدائل المتاحة. الاستعمال القرآني: ورد أصل “النخب” والاصطفاء في معنى اختيار الصفوة والنخبة من العباد أو الرسل: “وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ” (القصص 68) والإشعار هنا بمفهوم الاختيار والاصطفاء الذي هو روح الانتخاب. خلاصة الفرق: التصويت هو الإجراء والوسيلة (إبداء الرأي وإظهار الصوت) ويشمل القرارات والأشخاص والقوانين، بينما الانتخاب هو الغاية والعملية القائمة على اصطفاء وانتقاء الأشخاص وتفضيل نخبة على غيرها. فكل “انتخاب” يتضمن “تصويتاً”، وليس كل “تصويت” يُعدّ “انتخاباً” (كالتصويت على القوانين والقرارات).
يبين الدكتور فاضل حسن شريف في تحليلاته البيانية واللغوية الفرق الدلالي والقرآني بين التزوير والتكذيب، حيث يعبر اللفظان عن الخروج عن الحق والصواب، إلا أن بينهما تمييزاً دقيقاً في الجهة، والفعل، وطبيعة المخالفة: التزوير (تحسين الباطل وتمويه الحقيقة) المفهوم: هو تزيين الكذب، وزخرفة الباطل، وإظهاره في صورة الحق لإيهام الآخرين بغير الحقيقة. الأصل والصفة: مأخوذ من “الزَّوَر” وهو الميل والانحراف، فالمزوِّر يميل بالشيء عن وجهه الصحيح ويصيغه بصورة مموهة ومصنوعة، فهو فعلُ اختلاق وتغيير في الواقع أو القول. الاستعمال القرآني: جاء في مقام اجتناب قول الباطل وشهادة الزور والتحسين الكاذب: “وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ” (الحج 30). “وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ” (الفرقان 72) أي لا يحضرون مجالس الباطل ولا يشهدون بالتزوير والكذب. التكذيب (إنكار الحق ومواجهة الصدق) المفهوم: هو نسبة الكذب إلى الغير، أو ردّ الخَبَرِ الصادق والامتناع عن تصديقه والإيمان به. الأصل والصفة: يتعلق بموقّف التلقي والرد، فالمكذِّب لا يكتفي بعدم التصديق، بل يعلن بطلان القول أو الخبر الصادق ويدّعي كذبه، فهو مواجهة مباشرة للحق بالرفض. الاستعمال القرآني: ورد بكثرة في سياق ردّ الرسل وتكذيب الآيات والرسالات: “فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ” (آل عمران 184). “فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ” (الرحمن 13). خلاصة الفرق: التزوير هو إنشاء وصناعة للباطل وتزيينه لإظهاره بمظهر الحق (فعل الفاعل في تغيير الحقيقة)، بينما التكذيب هو ردّ ورفض للحق الصادق وإدّعاء أنه باطل (فعل المتلقي في مواجهة الصدق).
يشرح الدكتور فاضل حسن شريف في تحليلاته الدلالية والقرآنية والشرعية الفرق بين الرشوة والهدية، حيث يبدو اللفظان في الظاهر كتقديم مال أو منفعة من شخص لآخر، إلا أن بينهما تمييزاً دقيقاً في المقصد، والشرط الضمني، والأثر الأخلاقي والاجتماعي: الرشوة (تقديم مال لإحقاق باطل أو إبطال حق) المفهوم: هي ما يُعطى للحاكم، أو الموظف، أو صاحب السلطة لإبطال حق، أو إحقاق باطل، أو الحصول على ما لا يستحقه الشخص بغير وجه حق. الأصل والصفة: مأخوذة من “الرَّشَا” وهو الحبل الذي يُستقى به الماء، وكأن الراشي يمتد بحبله ليتوصل إلى ما ليس له. وهي محرمة بذاتها وبمقصدها، وتكون مقترنة بـ شرط ضمني أو صريح يقتضي المحاباة والتنازل عن الحق. الاستعمال القرآني والبياني: تدخل الرشوة في باب أكل أموال الناس بالباطل والإثمين: “وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ” (البقرة 188) حيث يفسر العلماء “التدلي إلى الحكام” بتقديم الرشا للتوصل إلى غرض باطل. الهدية (تودد وإكرام بلا مقابل أو شرط) المفهوم: هي ما يُعطى للشخص على سبيل التودد، والإكرام، والمحبة، ودون انتظار عوض أو شرط مصلحي أو إبطال حق. الأصل والصفة: مأخوذة من “الهَدْي” وهو ما يُهدى ويُرسل إظهاراً للطف والصفاء، فالهدية تُقدّم بطيب خاطر لتمتين أواصر المحبة والصلة، ولا تُعطى لموظف أو صاحب سلطة بسبب سلطته. الاستعمال القرآني: وردت في سياق التودد وتطييب النفوس أو اختبار المقاصد كما في قصة بلقيس ملكة سبأ: “وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ” (النمل 35). خلاصة الفرق: الرشوة تُعطى بمقابل ومصلحة لإبطال حق أو إحقاق باطل وتغيير مجرى الأحكام، وهي قائمة على الخداع والمداهنة، أما الهدية فتُعطى تودداً ومحبةً بلا شرط ولا مقابل، ولا تمس حقوق الآخرين. وكما جاء في الأثر: “من استُعمل على عملٍ فَرُزق رزقاً، فما أخذ بعد ذلك فهو غلول (أو رشوة)”، مما يوضح أن هدايا العمال والموظفين تتحول إلى شبهة رشوة إذا ارتبطت بالمناصب والخدمات.

