
رياض سعد
مقدمة
في ثنايا التاريخ العراقي المعاصر، تتربع الثمانينات من القرن الماضي كواحدة من أكثر الفترات تعقيداً وإيلاماً، حيث تلاقت سياسات النظام الحاكم مع تداعيات الحرب الإيرانية-العراقية لتشكل مأساة إنسانية متعددة الأبعاد. هذه المقالة تحاول تفكيك آليات الاضطهاد المنهجي التي طالت فئات عراقية محددة، ليس فقط على أساس الهوية الوطنية، بل وفق منظومة معقدة من التصنيفات الطائفية والمناطقية والعنصرية التي أدارها النظام بقسوة متناهية.
أولاً: السياسات الطائفية كأداة للتمييز المنهجي
شكّل الانتماء المذهبي في العراق الصدامي أكثر من مجرد هوية دينية؛ لقد تحول إلى حكم سياسي مسبق. فلطالما ارتبط التشيع في خطاب النظام بـ “الخيانة” و”التواطؤ مع العدو الفارسي”، حتى حين كان الشيعي العراقي يقاتل على الجبهات ببسالة. هذه المفارقة العميقة – قتال الشيعي لإيران بينما يُتهم بأنه “عميل فارسي” – تكشف عن ازدواجية مريضة في الخطاب الرسمي، حيث صُنِّف الشيعي كـ “آخر” داخل وطنه، محكوم عليه بالخيانة بمجرد اسمه وموطنه.
أما الانتساب إلى محافظة تكريت – مسقط رأس الرئيس – فكان بمثابة بطاقة نجاة. هنا يكمن البعد العنصري الخفي: تحويل الجغرافيا إلى هوية سياسية مطلقة، حيث يتحول ابن تكريت مهما كان موقفه إلى “ابن البلد”، بينما يصبح ابن الجنوب حتى وإن حمل صورة القائد في بيته “متسللاً مشبوهاً”. هذا الانقسام الجغرافي – العرقي حول المدن إلى فضاءات مأهولة أو فارغة من الثقة، وطبع الإنسان العراقي بوشم الولاء أو الخيانة استناداً إلى أول حرف في اسمه أو أول عنوان في هويته.
ثانياً: الإنسان العراقي في معركة وجودية مزدوجة
كان الجنوبي الشيعي يعيش معركة ثلاثية الأبعاد: جبهة خارجية ضد الإيراني، وجبهة داخلية ضد مؤسسات دولته، ومعركة نفسية مع ذاته وهو يحاول إثبات ولائه لنظام لا يعترف بوجوديه الوطني. نصوص التجنيد آنذاك لم تكن مجرد أوامر عسكرية، بل كانت أحكام إعدام معلقة على هوية المجنَّد قبل أن يطلق رصاصة واحدة.
لنقرأ المشهد بانفصامه العجيب: شاب من الناصرية يحمل بندقية قديمة (غالباً ما تكون شاحورة – أثرية الصنع) يرسل إلى الخطوط الأمامية ليواجه دبابات إيرانية، بينما زميله التكريتي يتمركز في البصرة أو بغداد بعيداً عن الصفوف المتقدمة. هذه السياسة في التوزيع العسكري ليست صدفة، بل هندسة اجتماعية متقنة: تُرسل الجماعات الأقل ولاءً المفترض إلى الموت الميداني، وتُحفظ الجماعات الأكثر ولاءً لمواقع النفوذ والأمان.
ثالثاً: الحرب كآلة لاستنزاف البشر وليس الأعداء
كانت الثمانينات في العراق استثناءً عن كل قواعد الحرب؛ فالحرب لم تكن تهدف فقط لهزيمة إيران، بل أيضاً – وهذا ما كان أخطر – لإفراغ المجتمع العراقي من أي فائض بشري يمكن أن يشكل خطراً سياسياً مستقبلاً. من هنا تصبح أعداد القتلى والجرحى ليست مجرد خسائر حتمية، بل جزءاً من حسابات التصفية البطيئة للمجتمع المدني.
الحرب التي أُعلنت لستة أشهر تحولت إلى ثماني سنوات، ليس فقط بسبب عجز عسكري، بل لأن تمديد الحرب كان يخدم أغراضاً داخلية: استمرار حالة الطوارئ يبرر القمع، وغياب الأبناء يضعف النسيج العائلي في الجنوب، ويحول المدن بأكملها إلى مجرد أمهات وآباء ينتظرون أخبار أبنائهم في قوائم الموت والفقدان. هذا التمديد المتعمد كشف عن عبقرية شيطانية في استثمار الحرب كأداة لإعادة تشكيل الخريطة السكانية والسياسية للعراق.
رابعاً: عائلة العراقي وأشكال العذاب المديدة
لم يكن الاضطهاد موجهاً إلى الفرد فحسب، بل كان مستهدفاً الأسرة كوحدة متكاملة. الأب والأم والأخوة تحولوا إلى مرشحين للاعتقال تحت تهمة “التخلف عن التحاق”، حيث كان النظام يتعقب الهاربين من التجنيد من خلال مداهمة المنازل كل 72 ساعة؛ تحويل حياة العائلات إلى كابوس من الترقب المستمر.
ومن أقسى ملامح هذه الحرب النفسية مشهد الأمهات اللواتي يبحن عن أبنائهن بين جثث مجهولة أو بين الأسرى العائدين بعد سنوات، حيث كانت بعض الجثث تظل مجهولة حتى عام 2018، فيما يعيش الأسير عذاباً مزدوجاً: أسر العدو ثم أسر الزمن، ليعود بعد 15 سنة ليجد زوجته قد تزوجت غيره، وأبناءه قد نشؤوا دون أب، ومدينته وقد استبدل سكانها المصريون بأبنائها في الأسواق والوظائف. هذه الصورة ليست مجرد مأساة فردية، بل هي خراب للذاكرة الجمعية، حيث يتم تدمير كل معالم الحياة العادية.
خامساً: جيل الضياع: من المعاناة إلى إعادة الإنتاج
ما يثير الدهشة أن هذه التجارب القاسية لم تخلق مجرد ضحايا صامتين، بل أنتجت أيضاً ثقافة خاصة من الصبر والانتظار والشك. الجيل الذي عاش الثمانينات خرج منه وقد تحطمت معظم أحلامه، لكن الأسوأ هو أنه نشأ جيل جديد يعاني من تداعيات تلك المعاناة، كأن الألم وريث، والأسى ميراث.
فغياب الأب مدة طويلة، وفقدان الإخوة، وهجرة البعض، وتفكك الأسر، كلها أحداث تنتج أنماطاً نفسية واجتماعية جديدة: الحذر المفرط، الخوف من الغد، صعوبة الثقة بالآخرين، وهشاشة مفهوم الوطن.
هذه النماذج الإنسانية لم تكن حالات استثنائية، بل كانت الخيارات الوحيدة المتاحة لشاب عراقي في الثمانينات، وكأنه ما بين ستة وخيارات كلها محفوفة بالموت أو الفقد أو التشرد. السؤال الذي يبقى مطروحاً: كيف يمكن لمجتمع أن ينهض من تحت هذه الكومة من الخسائر؟ بل الأهم، كيف أمكن أن يبقى هذا المجتمع متماسكاً بما فيه الكفاية ليقوم بأي فعل جمعي بعد ذلك، كالانتفاضات الشعبانية أو الاحتجاجات اللاحقة.
الخاتمة: سؤال المعنى والنهايات المفتوحة
إن قراءة الثمانينات بهذا العمق ليست استحضاراً للماضي فقط، بل هي محاولة لفهم كيف تشكلت الهشاشة العراقية التي نراها اليوم. الثمانينات لم تمر بدون أن تترك ندوباً عميقة في الذاكرة الجمعية، وفي العلاقة بين الفرد والدولة، وفي تعريف الانتماء والولاء. تلك المرحلة لم تخلق فقط ضحايا، بل أنتجت أيضاً أنماطاً من المقاومة والصمود، وأشكالاً من التضامن العائلي والمجتمعي واجهت بها العائلات آلة القمع.
تبقى هذه الصفحات بحاجة إلى قراءات متعددة: تاريخية وسوسيولوجية ونفسية، لأن مأساة العراق ليست حلقة معزولة بل سلسلة مترابطة من الألم. فهل نتعلم من هذه التجارب؟ أم أن التاريخ يعيد نفسه بأشكال أخرى؟ كل ذلك يتوقف على قدرتنا على تحويل هذه المعاناة إلى وعي نقدي يفضي إلى مراجعة حقيقية للمفاهيم التي قادت إلى تلك الكارثة الإنسانية. ولا بد من الاعتراف بأن النقاط المذكورة في النص الأصلي ليست سوى غيض من فيض؛ فما زال هناك الكثير من التفاصيل التي تغيب عن السرد الرسمي وتحتاج إلى من يكتبها قبل أن تطويها النسيان الجماعي.
هذه المقالة ليست انحيازاً ضد أحد، بل هي محاولة لفهم جذور ألم عاشه ملايين العراقيين، على أمل أن تسهم مثل هذه القراءات في بناء مستقبل لا يحكم فيه الإنسان باسمه أو منطقته أو دينه، بل بإنسانيته التي تتسع للجميع.
