أكتوبر 15, 2026
رياض

رياض سعد

قصة قصيرة عن رجل خرج ليشتري فطوراً لزوجته، فعاد بعد اثني عشر عاماً.

في سنوات الحرب العراقية الإيرانية، لم يكن الشارع مكاناً آمناً للجميع… ؛  كان بعض الرجال يتطلعون من خلف الستائر قبل أن يفتحوا أبوابهم، ويترددون قبل الذهاب إلى السوق، خشية أن تصادفهم دورية من دوريات الرفاق البعثيين ، فتقتادهم إلى الجيش الشعبي أو تزجّ بهم في طريق الجبهة.

كان الخوف يتسلل إلى البيوت من أصوات المحركات التي تتوقف قرب الأبواب، ومن وقع الأقدام في الأزقة، ومن الطرقات المفاجئة التي تجعل القلب يسبق صاحبه إلى توقع الأسوأ.

في تلك الأيام، صار بعض الرجال يحسبون خطواتهم داخل بيوتهم كما لو أنهم يعيشون في سجن اختاروه اضطراراً؛ من الغرفة إلى المطبخ، ومن المطبخ إلى الفناء، ثم العودة إلى الغرفة، حيث تبدو الحياة، على ضيقها، أقل خطراً من شارع قد ينتهي عنده كل شيء.

كان أبو عقيل واحداً من هؤلاء.

رجل نحيف، هادئ، تجاوز العمر الذي يتوقع فيه المرء أن يُساق إلى الحرب، لكنه لم يكن كبيراً بما يكفي ليطمئن إلى أن الدوريات البعثية الجوالة ستتركه وشأنه.. ,  منذ أن سمع بما تفعله حملات الجيش الشعبي ، قلّل خروجه حتى كاد ينقطع عنه تماماً.

كان يجلس قرب النافذة، يدخّن بصمت، ويراقب الشارع من خلال شق صغير في الستارة.. ,  وإذا سمع سيارة تتوقف عند الركن القريب، أطفأ سيجارته وانتظر حتى تمضي.

لم يكن يخشى الموت وحده؛ كان يخشى أن يُنتزع من بيته فجأة، وأن يُترك أهله بلا سند، وأن يصبح جسده ملكاً لقرار لم يشارك في اتخاذه.

في صباح بارد، كانت زوجته، أم عقيل، مستلقية على فراشها.. ,  أنهكها المرض، وأخذت آلام العظام والقلب من قوتها ما جعل الحركة شاقة عليها.. ,  نادته بصوت خافت:

— أبو عقيل.

التفت إليها.

— نعم، أم عقيل؟

قالت:

— مشتهية قيمر عرب.

ظل ينظر إليها لحظة، ثم ألقى نظرة على الشارع خلف الستارة.

— هسّه؟ الدنيا ما ترحم.. ,  الرفاق بالركن.

ابتسمت ابتسامة واهنة.

— لتخاف، ماكو شي .. ,  الدنيا صبح.. ,  روح جيب القيمر.

لم تكن تطلب شيئاً كبيراً.. ,  لعلها أرادت أن تغيّر طعم صباح آخر من صباحات المرض، أو أن تستعيد شيئاً من أيامهما القديمة، حين كان يذهب إلى السوق ويعود بما تشتهيه نفسه أو تشتهيه هي.

تردد أبو عقيل.. ,  كان يعرف أن الخروج مخاطرة، لكنه لم يكن يطيق أن يردّ لها طلباً، ولا سيما في تلك الأيام التي صارت فيها رغباتها البسيطة محدودة بقدرتها على الأكل والحركة.

نهض، ودخل المطبخ، وأخذ ماعوناً فارغاً.

عند الباب، التفت إلى ابنه.

— عقيل، لا تفتح الباب لأحد.

ثم خرج.

لم يبتعد كثيراً.. ,  كان الركن القريب من البيت يكاد يُرى من النافذة، والسوق لا يحتاج إلا إلى دقائق مشياً.. ,  لكنه ما إن انعطف حتى وجد مجموعة من عناصر البعث  تقف عند ناصية الشارع.

استوقفه أحدهم:

— وين رايح؟

— للسوق.

— أي سوق؟ اليوم سوقك الجبهة.

حاول أن يشرح لهم أن زوجته مريضة، وأنه لم يخرج إلا ليشتري لها شيئاً تأكله.. ,  رفع الماعون قليلاً، كأن الإناء الفارغ يستطيع أن يشهد له بأنه لم يكن ذاهباً إلى مكان آخر.

لم يستمعوا إليه.

أمسك أحدهم بذراعه، ودفعه الآخر نحو شاحنة عسكرية… ؛  ارتبك، وحاول أن يحتفظ بالماعون، لكنه سقط من يده وتحطم على الأرض.

لم يتذكر، فيما بعد، صوت الإناء وهو ينكسر.. ,  الذي ظل عالقاً في ذاكرته كان صوت زوجته وهي تقول له عند الباب: «لتخاف، ماكو شي».

ركب الشاحنة، واختفى خلفها الركن الذي يعرفه، ثم اختفى البيت.

في الأيام التالية، انتقل من نقطة تجميع إلى أخرى، حتى وجد نفسه في جبهة لا يعرف تضاريسها، ولا يعرف كيف صار جزءاً من حرب لم يخطط للمشاركة فيها… ؛  كانت الأوامر تتوالى، والرجال يتحركون تحت ضغط الخوف والارتباك، فيما لا يملك هو إلا أن يحاول النجاة.

ثم جاء الهجوم الايراني …

اختلطت أصوات القصف بالنداءات، وتفرّق الرجال وسط الفوضى.. ,  وحين انتهى كل شيء، وجد أبو عقيل نفسه بين الأسرى الذين اقتيدوا إلى الجانب الآخر.

لم يكن يعرف ماذا سيحدث له، ولا متى سيرى بيته من جديد.. ,  لكنه كان يعرف أن ماعون القيمر الذي انكسر عند الركن صار، على نحو غريب، آخر شيء يربطه بذلك الصباح.

في البيت، انتظرت أم عقيل عودته.

في البداية، كانت تظن أنه سيعود في المساء، ثم ظنت أنه سيعود بعد أيام.. ,  وحين طال الغياب، بدأت تتعلم كيف تعيش مع احتمال لا تريد الاعتراف به.

لم تكن تعرف أين ذهب، ولا إن كان حياً أو ميتاً.. ,  لم تكن تعرف حتى إن كان قد تمكن من إخبار أحد باسمها أو باسم ابنه.

أما عقيل، فقد ظل يتذكر أباه عند الباب، وهو يوصيه بألا يفتحه لأحد.. ,  كان صغيراً بما يكفي ليتوقع عودته، وكبيراً بما يكفي ليفهم، شيئاً فشيئاً، أن بعض الغائبين لا يملكون موعداً للعودة.

كبر في غياب أبيه، وتبدلت ملامح البيت.. ,  بقي مكان الأب خالياً، وبقيت أم عقيل كلما سمعت طرقاً على الباب ترفع رأسها، ثم تخفضه إذا كان الطارق شخصاً آخر.

لم تكن تعاتب زوجها في غيابه.. ,  كان العتاب يحتاج إلى شخص حاضر يسمعه، أما هي فلم يكن لديها سوى ذكرى ذلك الصباح.

كانت تعود أحياناً إلى عبارتها الأخيرة، وتقول في نفسها إنها لم تكن تعرف ما ينتظره عند الركن… ؛  لم تكن تريد له أن يخاطر، ولم تكن تقصد أن تدفعه إلى مصيره.. ,  كل ما في الأمر أنها اشتهت القيمر، وأرادت أن يبدأ يومها بشيء من الألفة.

لكن الحياة لا تعيد إلينا كلماتنا كي نصححها.

مرّت السنوات، وتبدلت الأخبار والأحوال.. ,  كانت الإذاعات تتحدث عن الجبهات والعمليات والخسائر، فيما كانت البيوت تنتظر أسماء أبنائها وأزواجها.. ,  وفي كل بيت حكاية لا تظهر في نشرات الأخبار: أمٌّ لا تعرف أين ابنها، وطفل يتعلم أن يكبر من دون أبيه، وزوجة لا تدري إن كان عليها أن تنتظر أم أن تتصالح مع الغياب.

أما أبو عقيل، فكان يعيش في الأسر، يعدّ الأيام حين يستطيع، ويستعيد تفاصيل بيته كلما ضاق به المكان.. ,  لم يكن يعرف ما الذي تغير في مدينته، ولا كيف صار ابنه، ولا إن كانت زوجته لا تزال حية.

اثنتا عشرة سنة مرّت.

اثنتا عشرة سنة لم يستطع فيها أن يطرق باب بيته، أو يجلس قرب نافذته، أو يسأل زوجته عما إذا كانت قد شُفيت من مرضها… ؛  اثنتا عشرة سنة صار فيها الصباح الذي خرج فيه إلى السوق أبعد من عمر كامل.

ثم جاء يوم العودة.

عاد أبو عقيل مع مجموعة من الأسرى الذين أُطلق سراحهم في عملية تبادل… ؛  كان نحيلاً، شاحب الوجه، وقد تركت السنوات آثارها في شعره وجسده.. ,  يمشي ببطء، ويصمت طويلاً، كأن الكلام يحتاج إلى جهد لم يعد يملكه.

وصل إلى مدينته صباحاً.

وحين نزل من السيارة، اكتشف أنه يقف عند الركن نفسه الذي اقتيد منه قبل اثني عشر عاماً.

ظل واقفاً لحظات.

نظر إلى الشارع، إلى المحلات التي تغير بعضها، وإلى الوجوه التي تمر من أمامه من دون أن تعرفه… ؛  كان المكان مألوفاً وغريباً في آن واحد… ؛  هنا بدأ غيابه، وهنا انتهى الطريق الذي لم يكن يعرف أنه سيقطعه.

لم يتجه إلى بيته مباشرة.

مضى نحو السوق.

دخل أحد المحال، واشترى ماعوناً من القيمر العربي… ؛  حمله بكلتا يديه، ثم عاد يسير في الطريق الذي يعرفه، متوقفاً بين حين وآخر كأنه يستعيد ترتيب خطواته.

عندما وصل إلى البيت، دفع الباب ودخل.

كانت أم عقيل في الداخل… ؛  التفتت إلى صوت الباب، فرأت رجلاً غريب الملامح يقف عند المدخل، يحمل ماعوناً.

حدّقت فيه، ولم تتحرك.

كان شعره قد شاب، ووجهه قد تغيّر، وجسده لم يعد جسد الرجل الذي خرج ذات صباح… ؛  لكن عينيه ظلّتا تحملان شيئاً تعرفه، شيئاً حاولت السنوات أن تمحوه ولم تستطع.

همست:

— أبو عقيل؟

ابتسم.

— إي، آني.

وضعت يدها على صدرها.. ,  اقتربت منه خطوة، ثم توقفت، كأنها تخشى أن يكون ما تراه حلماً ينتهي إذا لمسته.

— صدگ إنت؟ صدگ رجعت؟

— رجعت، أم عقيل.

مدّت يدها إلى وجهه.. ,  مررت أصابعها على خده، ثم انفجرت بالبكاء.

بكى هو أيضاً، بصمت، ولم يحاول أن يشرح لها أين كان، ولا ماذا رأى، ولا كيف مضت تلك السنوات… ؛  كان واقفاً أمامها، وهذا وحده بدا في تلك اللحظة أكثر مما تستطيع الكلمات أن تحمله.

بعد قليل، رفع الماعون نحوها.

نظرت إليه باستغراب، ثم عادت بعينيها إلى وجهه.

قال:

— جبتلج القيمر.

توقفت دموعها لحظة.

رأت في الماعون الصغير ذلك الصباح البعيد: فراشها، والنافذة، والستارة، والباب الذي خرج منه ولم يعد.. ,  ثم نظرت إلى الرجل الذي عاد إليها بعد أن كادت تنسى كيف يبدو واقفاً عند عتبة البيت.

ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال:

— خو ما تأخّرت، أم عقيل؟

لم تجبه.

أخذت الماعون من يده، ووضعته على الطاولة، ثم عادت إليه وأمسكت بذراعه، كأنها تريد أن تتأكد أنه لن يختفي مرة أخرى.

ظل الاثنان واقفين في وسط البيت، عاجزين عن اختصار ما حدث في اثنتي عشرة سنة.

لم يسألها عن الأيام التي عاشتها من دونه، ولم تسأله عن كل ما رآه في الأسر… ؛  كانت هناك أسئلة كثيرة، لكن بعضها يحتاج إلى وقت أطول من لحظة اللقاء.

وفي المطبخ، بقي ماعون القيمر على الطاولة، ينتظر أن يُفتح.

كان قد وصل أخيراً إلى البيت.

أما الصباح الذي خرج فيه أبو عقيل، فلم يعد.