أكتوبر 15, 2026
IMG_1337-1

خطر الحجاب و الجهل في أذربيجان

في بلد مسلم تحولت بوابة المدرسة في أذربيجان إلى بوابة اختبار للهوية الدينية والحرية الشخصية حين وجدت طالبات محجبات أنفسهن أمام خيار قاس إما الالتزام بالتعليمات الجديدة ونزع الحجاب أو البقاء خارج الصف وحين وصلت التداعيات إلى معلمات قيل لهن إن الحجاب لم يعد مقبولا داخل المدرسة أصبحت المسألة أكبر بكثير من مجرد زي مدرسي أو إجراء تنظيمي
القرار الحكومي الأذربيجاني لم يسم الحجاب صراحة لكنه وضع قيودا على الملابس التي ترى السلطات أنها تتعارض مع مبدأ العلمانية في التعليم وهو ما فتح الباب أمام تطبيقات ميدانية أدت إلى منع طالبات ومعلمات محجبات من دخول بعض المدارس وأشعل احتجاجات ومقاطعة دراسية وحالة غضب اجتماعي متصاعدة
وهنا تبدأ القضية الحقيقية
فالمشكلة ليست في أن تكون للمدرسة قواعد للانضباط ولا في أن تسعى الدولة إلى توحيد الزي المدرسي فهذه أمور يمكن تنظيمها بالقانون ولكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الانتماء الديني للإنسان سببا في حرمانه من حق أساسي هو التعليم أو سببا في تهديد مستقبله المهني
أذربيجان دولة علمانية دستوريا وتفصل بين الدين والدولة كما يضمن دستورها حرية الضمير ولذلك فإن السؤال المطروح اليوم ليس هل يحق للدولة تنظيم المدرسة بل كيف تستطيع الدولة أن تحافظ على علمانية التعليم من دون أن تجعل الحرية الدينية ضحيتها
وهنا يظهر التناقض
العلمانية التي تحمي الدولة من هيمنة الدين شيء والعلمانية التي تحاول إخراج الدين من حياة المجتمع شيء آخر
الدولة الحديثة لا يفترض أن تسأل المواطن ماذا يضع على رأسه قبل أن تسأله هل احترم القانون وهل اعتدى على غيره وهل عطل العملية التعليمية فالطالبة المحجبة ليست مشروعا سياسيا بالضرورة والمعلمة المحجبة ليست تنظيما دينيا والمواطن المتدين ليس تلقائيا أداة لقوة خارجية ومن الخطأ السياسي تحويل الخوف من التوظيف السياسي للدين إلى خوف من الدين نفسه
صحيح أن أذربيجان تعيش في بيئة إقليمية حساسة وأنها تنظر بقلق إلى محاولات التأثير الخارجي وخصوصا ما يرتبط بالتنافس مع إيران والتداخلات الأيديولوجية في منطقة القوقاز لكن مواجهة النفوذ الخارجي لا تكون بمحاصرة هوية المواطنين بل ببناء دولة قوية وقانون واضح ومؤسسات قادرة على التفريق بين المواطن المتدين وبين التنظيم السياسي الذي يريد استخدام الدين لتحقيق أهدافه
فالسلطة التي لا تستطيع التمييز بين الاثنين قد تكسب معركة إدارية لكنها تخسر معركة الثقة والأخطر من ذلك أن منع الرمز الديني قد يمنحه قيمة سياسية لم تكن موجودة من قبل
فالحجاب عندما يكون مجرد ممارسة شخصية يمكن أن يبقى شأنا فرديا أما عندما يتحول إلى سبب لمنع طالبة من دخول الصف أو لمعلمة من ممارسة مهنتها فإنه يتحول تلقائيا إلى قضية عامة وإلى عنوان للاحتجاج والتمييز في نظر شريحة من المجتمع
وهنا المفارقة التي ينبغي أن تنتبه إليها السلطة في باكو فبدلا من أن تمنع تسييس الدين قد تكون هي نفسها من تمنحه مساحة سياسية جديدة فالدولة القوية لا تخاف من مواطن يصلي ولا من طالبة ترتدي الحجاب ولا من معلمة تمارس معتقدها ما دام الجميع ملتزمين بالقانون بل هي التي تضع حدودا واضحة بين الدين والسياسة من دون أن تضع حدودا مصطنعة بين المواطن وهويته
والتعليم يجب أن يكون مساحة للمعرفة لا ساحة لتصفية الحسابات مع الهوية
إذا كانت الدولة تريد مدرسة علمانية فهذا حقها
لكن المدرسة العلمانية لا تحتاج إلى تحويل الحجاب إلى جريمة غير مكتوبة ولا تحتاج إلى وضع الفتاة أمام امتحان إجباري بين تعليمها ومعتقدها
فالقرار الذي لا يذكر الحجاب صراحة ثم يستخدم في الواقع لمنع المحجبات من دخول المدرسة يفتح بابا خطيرا حول حدود السلطة في تفسير القوانين وتطبيقها
العلمانية ليست دينا جديدا حتى تفرض على الناس بالقوة والدولة ليست وصيا على ضمير مواطنيها وظيفة الدولة أن تحمي القانون وأن تضمن التعليم وأن تمنع التطرف وأن تحافظ على السلم الأهلي لا أن تعيد تشكيل الإنسان وفق صورة واحدة للهوية
أذربيجان اليوم أمام اختبار يتجاوز قضية الحجاب إنها أمام اختبار لقدرتها على التوفيق بين الدولة العلمانية والمجتمع المسلم وبين الأمن والحرية وبين النظام العام والحقوق الفردية والاختيار الذي ستتخذه السلطة سيحدد ما إذا كانت هذه القضية ستبقى أزمة مدرسية محدودة أم تتحول إلى أزمة ثقة سياسية واجتماعية أوسع
فالاستقرار الحقيقي لا يصنعه الخوف من الهوية ولا تصنع الدولة القوية مواطنين يخلعون هويتهم عند بوابة المدرسة
بل تصنع مواطنين يعرفون أن القانون يحميهم وأن الدولة لا تخاف من اختلافهم
والسؤال الحقيقي في ذلك لماذا يصبح الحجاب مشكلة تهدد التعليم في بلد يستطيع أن يحمي علمانيته من دون أن يخاف من رأس طالبة ومعلمة