
CjQKMlNuYXBjaGF0LzE0LjI3LjAuNTQgKGlQaG9uZTE4LDI7IGlPUyAyNy4wLjE7IGd6aXAp
وجه لكل سوق: بورصة المواقف في الأزمة السورية
الباحثة : كنانة خلف الكردي
إن تتبع ظاهرة (المتلونين)في المشهد السوري المعاصر يكشف عن تجسيد حي لاستراتيجية البقاء بلا مبادئ حيث تحولت السياسة والانتماء لدى هذه الفئة من قناعات فكرية أو وطنية إلى سلع رخيصة تُعرض في سوق النخاسة السياسية لم تكن الأزمة السورية مجرد نزاع عسكري أو سياسي فحسب بل كانت اختباراً أخلاقياً كاشفاً سقطت فيه قشور الشعارات المزيفة ليظهر على السطح نمط بشري يجيد التنقل ماوكلي الغابات السورية السياسية على كافة الحبال وارتداء مختلف الأقنعة
في السياق السوري تجلت هذه الظاهرة بأبشع صورها عبر طبقات متعددة من المنتفعين والمتملقين. فهناك من قضى عقوداً يتغنى بشعارات الممانعة والصمود وما إن مالت ريح المصلحة وتبدلت التحالفات أو سقطت قلاع النفوذ حتى انقلبوا في ليلة وضحاها إلى دعاة جدد للواقعية والتبعية مظهرين ولاءً أعمى لكل قوة جديدة تصعد إلى سدة القرار بلا أدنى ذرة من الحياء أو تأنيب الضمير وعلى الجهة المقابلة لم يخلو المشهد المعارض أو البديل من هذه الشاكلة حيث ظهرت وجوه طالما رفعت لواء التغيير والحرية لتتخذ منه مطية لتحقيق المكاسب الشخصية متاجرةً بآلام الدمار والتهجير ومتحولةً إلى شبكات مصالح ضيقة تقتات على معاناة الناس وتطتئ فوق جراحهم إن خطورة هذا النمط المتقلب في سوريا لاتقتصر على الانتهازية الفردية بل امتدت لتنخر في بنية المجتمع ومؤسساته الناشئة أو القائمة مخلفةً بيئات طاردة لكل كفاءة وطنية نزيهة. لقد أدى هذا التغلغل إلى إحلال الولاءات الشكلية محل الكفاءة والنزاهة مما غيب الثقة العامة وكرس حالة من اليأس لدى الشارع الذي بات يرى المحسوبية والنفاق هما الجسرين الوحيدين للنجاة والوظيفة والبقاء هؤلاء الأبواق والوسطاء استطاعوا عبر تبريراتهم المستمرة تشويه الوعي العام وتخدير الرأي العام عبر قلب الحقائق وتلبيس الباطل ثوب البراغماتية السياسية تارة وثوب الضرورة الوطنية تارة أخرى إن التعافي الحقيقي للمجتمع السوري مستقبلاً وبناءً لا يمكن أن يتحقق إلا بكسر هذه الحلقة المفرغة عبر ترسيخ ثقافة الشفافية والمحاسبة ورفض سياسة غفران الخطايا للانتهازيين لمجرد تبديلهم جلودهم إن الثبات على المبدأ والوضوح الأخلاقي وإن كلف صاحبه ثمناً باهظاً في مراحل التخبط والفوضى يظل هو الركيزة الوحيدة القادرة على إعادة بناء الإنسان السوري وحفظ كرامته وحماية الأوطان من الانهيار الأخلاقي الذي يسبق غالباً الانهيار المؤسسي والسياسي






