
نظام مير محمدي*
لم يكن الملف النووي الإيراني، في ضوء المسار الذي اتخذه على مدى العقود الماضية، مجرد مشروع تقني لتوليد الطاقة أو تطوير البحث العلمي، كما حرصت طهران على تقديمه للرأي العام الدولي. فقد أظهرت تطوراته المتعاقبة أن هذا الملف اكتسب أبعادا سياسية وأمنية واستراتيجية تجاوزت حدود الاستخدامات المدنية للطاقة النووية، وأصبح أحد المحاور التي اعتمد عليها النظام الإيراني في تعزيز موقعه الإقليمي، ومواجهة خصومه، وفرض نفسه طرفا لا يمكن تجاوزه في معادلات المنطقة.
ولعل جوهر الإشكالية لا يكمن في حق إيران، من حيث المبدأ، في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، فهذا حق تكفله معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية للدول الأطراف وفق التزاماتها. إنما تكمن المشكلة في طبيعة السلوك الذي رافق البرنامج، ومستويات تخصيب اليورانيوم التي بلغها، والأسئلة العالقة بشأن الأنشطة النووية غير المعلنة، فضلا عن الصعوبات التي واجهتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية في الحصول على إجابات موثوقة والتحقق من بعض الأنشطة والمواد النووية.
وقد عززت هذه الوقائع الشكوك الدولية بشأن حقيقة الأهداف النهائية للبرنامج. ففي تقريرها الصادر في يونيو/حزيران 2025، خلصت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن مواقع إيرانية غير معلنة ارتبطت ببرنامج نووي منظم لم تعلن عنه طهران، ونُفذت بعض أنشطته باستخدام مواد نووية غير معلنة. ومع ذلك، لم تقل الوكالة إنها تملك دليلا موثوقا على استمرار برنامج نووي غير معلن من النوع نفسه حتى الوقت الذي تناولته نتائجها. وهذا التمييز ضروري؛ فالمؤشرات المثيرة للقلق لا تعني تلقائيا أن امتلاك سلاح نووي قد ثبت بصورة قاطعة.
النووي بوصفه أداة للردع والمساومة
من الناحية الاستراتيجية، لم تكن أهمية البرنامج بالنسبة إلى النظام الإيراني محصورة في احتمال الوصول إلى السلاح النووي، بل شملت أيضا الاحتفاظ بقدرة تقنية تتيح تقليص المسافة الفاصلة عن إنتاج المواد اللازمة له، بما يمنح طهران ورقة ضغط في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل والقوى الدولية الأخرى.
فكلما تقدم التخصيب، وتوسعت القدرات الفنية، ازدادت صعوبة التعامل مع الملف باعتباره قضية ثانوية. وأصبح البرنامج وسيلة لفرض التفاوض، وانتزاع الاعتراف بمكانة إيران الإقليمية، وربط العقوبات الاقتصادية بمقايضات سياسية وأمنية. ومن هنا يمكن فهم إصرار النظام على مواصلة أنشطة نووية مثيرة للجدل رغم الكلفة الاقتصادية الباهظة التي تحملها المجتمع الإيراني نتيجة العقوبات والعزلة الدولية.
لقد أتاح هذا المسار لطهران أن توظف التوتر النووي في أكثر من اتجاه: فهو من جهة يمنحها ورقة تفاوضية، ومن جهة أخرى يساعدها على تقديم نفسها داخليا باعتبارها دولة تتعرض للاستهداف بسبب استقلال قرارها، بدلا من التركيز على إخفاقاتها الاقتصادية والاجتماعية وأزمات الحكم.
العلاقة بين المشروع النووي والنفوذ الإقليمي
لا يمكن تحليل البرنامج النووي بمعزل عن استراتيجية النظام الإقليمية. فقد عملت طهران على توسيع نفوذها من خلال علاقاتها مع قوى مسلحة وحلفاء محليين في عدد من دول المنطقة، بالتوازي مع تطوير قدراتها الصاروخية والعسكرية. وفي هذا السياق، أمكن النظر إلى البرنامج النووي بوصفه عنصرا مكملا لمنظومة أوسع تسعى إلى تعزيز الردع، ورفع كلفة أي مواجهة مباشرة مع إيران.
لكن ذلك لا يعني أن جميع أنشطة النظام الإقليمية كانت بالضرورة تابعة للبرنامج النووي أو مشروطة بامتلاك سلاح ذري. الأدق أن الملفين تفاعلا ضمن تصور استراتيجي أوسع، يقوم على توسيع هامش المناورة، وتجنب العزلة الكاملة، وإبقاء الخصوم أمام احتمالات متعددة ومكلفة.
الثمن الذي دفعه المجتمع الإيراني
في المقابل، لم تكن هذه الاستراتيجية بلا أثمان. فقد ساهم النزاع المستمر حول الملف النووي في تعميق العقوبات والضغوط الخارجية، وزيادة حالة عدم اليقين الاقتصادي، فيما تحمل المواطن الإيراني جانبا مهما من تبعات التضخم وتراجع القدرة الشرائية وتقلص فرص التنمية. ولا يمكن إرجاع جميع هذه الأزمات إلى الملف النووي وحده، لكن لا يمكن أيضا تجاهل دوره في تعقيد العلاقات الدولية وإدامة الضغوط على الاقتصاد.
والأهم أن الأولويات الاستراتيجية للنظام أثارت سؤالًا جوهريًا: هل استخدمت الموارد والإمكانات المتاحة لتحسين حياة المواطنين وتلبية احتياجاتهم، أم جرى توجيه جانب منها لخدمة طموحات النفوذ والردع والصراع على المكانة الإقليمية؟
خاتمة
إن التجربة الإيرانية تكشف أن تقييم البرنامج النووي لا ينبغي أن يستند إلى التصريحات الرسمية وحدها، ولا إلى افتراضات غير مثبتة بشأن امتلاك السلاح النووي، بل إلى الوقائع القابلة للتحقق، ومستوى الشفافية، ومدى الالتزام بالضمانات الدولية، والنتائج السياسية والاستراتيجية التي ترتبت على مساره.
لقد تحول الملف النووي إلى أكثر من قضية علمية أو تقنية؛ إذ أصبح أداة للصراع والمساومة، وعنصرا في حسابات بقاء النظام وتعزيز نفوذه. ويبقى الاختبار الحقيقي في مدى استعداد طهران لإخضاع أنشطتها لرقابة دولية فعالة، وتقديم ضمانات قابلة للتحقق بشأن طبيعتها السلمية، ووضع مصالح المجتمع الإيراني وأمن المنطقة فوق حسابات التوسع والمواجهة. فالقوة التي تبنى على الغموض والتوتر قد تمنح صاحبها أوراق ضغط مؤقتة، لكنها قد تتحول أيضا إلى مصدر استنزاف وعزلة ومخاطر يصعب احتواؤها.
ملاحظة توثيقية: يستند التحليل المتعلق بالأنشطة غير المعلنة ومستويات التخصيب إلى تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولا سيما تقرير يونيو/حزيران 2025، وإلى تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي عن التزامات إيران النووية.
*كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني






