
قراءة في الدروب من سيرة الشهيد القائد إبراهيم الحاج ((أبو محمد السلمان)) للكاتب عبد القدوس الأمين.
بقلم | مجاهد منعثر منشد
بين أيدينا سيرةٌ عطرةٌ كتبها الأديب اللبناني عبد القدوس الأمين، يوثق فيها حياة الشهيد القائد إبراهيم محمود الحاج (أبو محمد السلمان).
وُلد الشهيد عام 1970 في بلدة مشغرة البقاعية، واستُشهد في 29 تموز 2014 في منطقة الضابطية بالعراق، أثناء مشاركته في عمليات “تطهير حزام بغداد” ضمن صفوف الحشد الشعبي. وتُشير سيرته الجهادية إلى توليه المسؤولية عن العديد من عمليات المقاومة في الجنوب اللبناني، وتنفيذه عمليات نوعية في سهل الخيام وبيت ليف، إلى جانب مشاركته في مواجهاتٍ عدة ضد العدو الصهيوني. ومع اندلاع الأحداث في سوريا، لبّى نداء الدفاع المقدس، وكان من أوائل المتصدين للإرهاب التكفيري في العراق، حتى اختلط دمه بترابه.
أما كتاب “الدروب من سيرة الشهيد القائد إبراهيم الحاج”، فعلى الرغم من إيحاء عنوانه بأنه سردٌ تاريخي، إلا أن طبيعة الكتابة وآليتها تجعل منه أقرب إلى المجموعة القصصية؛ إذ يلتزم بأدوات العمل الأدبي وفنونه.
يقع الكتاب في مئة وثلاثين صفحة موزعة على أربعة فصول، صِيغت بأسلوب أدبي رفيع، وتوفرت فيها عناصر القصة من شخوص، وتصاعدٍ في الأحداث، ووصفٍ دقيق للمكان والزمان، وعُقدٍ وحلول، ولغةٍ غنية بالمفردات العذبة.
وفي الفصل الأول، يبرز الأديب الصراع النفسي الداخلي في قصة “خوف فاطمة”؛ والدة الشهيد، التي عاشت قلقاً مريراً بسبب تأخر حملها، وتفاقم هواجسها أمام أسئلة الأهل، لتتحول خشيتها من هجران زوجها ــ رغم طيبته ــ إلى رعبٍ حقيقي. ثم تتصاعد العقدة لتنفرج بطمأنينة الإيمان؛ إذ منحتها زيارة مقام السيدة زينب (ع) سكينةً روحية، ليتكلل صبرها بظهور حملها بعد أيامٍ من الزيارة، وتُولد الفرحة بقدوم ابنها إبراهيم، الذي غدا محور حياة الأسرة ومبعث أحلامها.
في هذا السرد المشوّق، يرفرف القارئ بجناحيه كطيرٍ ينتقل بلهفة بين أغصان الشجرة. يستهل الكاتب الأحداث بنشأة الشهيد إبراهيم في كنف والديه الفاضلين بجنوب لبنان، اللذين غرسا في نفسه حب الخير ونصرة المظلومين ومناهضة الاحتلال الإسرائيلي.
لقد كان إبراهيم طفلاً يقظاً وشديد التعلق بأسرته، يسعى ليكون مسؤولاً ومحبوباً، وقد بدأ في سن مبكرة يدرك أهوال الحرب وآثارها.
تستعرض القصة الثانية طفولة إبراهيم في ظل الحرب، حيث تداخل عالمه البريء مع مشاعر الخوف والنزوح والأحداث السياسية، وتبرز محبته لأمه وأخته من خلال سعيه ليكون “رجل البيت”. كما تشكّل وعيه الوطني في مواجهة الاحتلال متأثراً بمواقف والده، وما كان يراه ويسمعه من حوله.
إن هذا الكتاب ليس مجرد مجموعة قصصية، بل هو عالم متكامل تدور أحداثه حول عائلة “فاطمة ومحمود وابنهما إبراهيم”، وتتميز سيرته بكونها قصصاً متسلسلة الأحداث، تبرز أهمية قرب الوالدين من الطفل وتأثيرهما في حبه للمعرفة والتزامه بالمبادئ السامية وتحمّل المسؤولية.
اتسم الشهيد منذ فتوته بالتفوق والنضج، وواجه أعباءً تفوق عمره، متمسكاً بالثبات والوعي الوطني، ومشاركاً في مقاومة الاحتلال رغم صغر سنه. كما تبرز المجموعة القصصية موضوعات جوهرية، منها: دور الأسرة -ولا سيما النساء- في دعم المقاومة، والتضامن العائلي في الشدائد، وقيم الوفاء والتضحية، والتوازن بين العلم والعمل، وأهمية القدوة في توجيه البوصلة الأخلاقية، بالإضافة إلى الشجاعة والانضباط، وأهمية التخطيط والمعرفة في مواجهة العدو، مع الإخلاص والتواضع ورعاية الرفاق، والموازنة بين حياة المقاومة والحياة الخاصة، والقناعة بالبسيط من العيش، ودور الصبر والاستطلاع في نجاح العمليات، وتأثير الحرب النفسية في انهيار معنويات العدو، وصولاً إلى الصمود وتحقيق النصر.
وأخيرًا، لا يسعني إلا تقديم الشكر والتقدير إلى الأخ الأديب الكبير الأستاذ عبد القدوس الأمين على هذا النتاج الأدبي الرائع، داعيًا له بالمزيد من التوفيق والإبداع.



