
الدكتور أحمد فرحات / ناقد أكاديمي
تتناول رواية (ينال) للروائي العراقي أمجد توفيق تجربة إنسانية عميقة تتعانق فيها المأساة الشخصية الذاتية مع التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها العراق، وتطرح أسئلة مهمة عن العراق من وجهة نظر أحادية الرؤية.
تتمحور الرواية حول شخصية ينال، الذي يتعرض لتجارب قاسية في ظل الظروف المضطربة التي يعيشها العراق، بما فيها الاختطاف والتعذيب والتهديد بالقتل. وتترك هذه التجارب آثارًا عميقة في نفسيته، وتدفعه إلى مسار حياتي تتداخل فيه محاولات النجاة مع التحولات الأخلاقية والاجتماعية مع وجود بعض الالتمعات الرومانسية والحديث عن المرأة.
ومع انتقاله إلى حياة جديدة خارج وطنه، تتغير ظروفه المادية، ويصبح ثريًا من خلال عمله في تجارة السلاح. غير أن التحول الاقتصادي لا يضمن له الاستقرار النفسي، ولا يمحو آثار الماضي وما يثيره من صراعات داخلية. وهكذا تنشأ مفارقة أساسية بين النجاح الخارجي والاضطراب الداخلي، وبين القدرة على تغيير الواقع المادي والعجز عن التخلص من تبعات التجربة السابقة.
ويعتمد أمجد توفيق بناءً سرديًا يقوم على لقاء الراوي عبد الله بشخصية ينال، ثم اطلاعه على أوراق تتضمن جانبًا من حياة الأخير وتجربته. ويسمح هذا البناء بتداخل الحكاية الإطارية مع الحكاية التي يرويها ينال عن نفسه، فيتقدم السرد عبر استعادة الماضي والكشف التدريجي عن جوانب من الشخصية ومصيرها.
وتتجاوز الرواية، من خلال هذه التجربة، حدود الحكاية الفردية لتطرح تساؤلات حول أثر العنف في تكوين الإنسان، والعلاقة بين الضحية والمسؤولية الأخلاقية، ومدى قدرة المال والمنفى على تحقيق الخلاص. كما تستكشف الفجوة بين ما يحققه الإنسان في حياته الخارجية وما يظل يعانيه في أعماقه.
وتنتهي حياة ينال بالانتحار، في خاتمة مأساوية يمكن قراءتها في ضوء أزمته النفسية القاسية، وما يعتري تجربته من تناقضات. ويكتسب هذا المصير دلالته من المفارقة بين ما استطاع تحقيقه ماديًا وما عجز عن تجاوزه داخليًا.
التسريبات النقدية في الرواية ودورها في تصاعد الأحداث:
المواضع التي يتسلل فيها الخطاب النقدي إلى الخطاب الروائي، فيتحدث عن الرواية وفن القص، وتقنيات السرد، وبناء الشخصيات، والراوي، والزمان والمكان، والحبكة، واللغة، ومعظم القضايا التي يدرسها النقد الأدبي. وقد تتحول الرواية، في هذه المواضع، إلى مساحة للتأمل في الكتابة الروائية نفسها. ويمكن رصد هذه التسريبات وفق ما يلي:
يقول أمجد توفيق في الرواية “أخبرته أن كل إنسان يشعر بشكل ما بالحاجة للتعبير عن نفسه، شعرا أو رسما ، أو اهتماما بالموسيقى، في مرحلة ما من حياته، ولكي يستحق وصف أن يكون أديبا أو رساما أو موسيقيا ، لابد من المواصلة وتطوير الموهبة، والتقدير لجهده من قبل النقاد والمهتمين، أما الأعمال المفردة وبرغم وجود حالات نادرة مهمة فإنها لا تمنج صاحبها حق منحه صفة أو لقبا”. ص 20
ويستطرد قائلا: “أغلب الروايات التي تكتب لأول مرة تدور على تجارب شخصية لكتابها مهما برع هؤلاء الكتاب بإخفاء شخصياتهم”. ص21.
تظهر هذه التسريبات عندما يتوقف السرد، صراحةً أو ضمنًا، للتأمل في طبيعة الحكاية، ووظيفة الرواية، وعلاقة الأدب بالحياة والواقع.
ويقول توفيق: “أخذتني الحيرة في تجنيس ما كتبه السيد ينال أهو رواية ، إن كانت كذلك فهي غير مكتملة، وتطرح الكثير من الأسئلة.. هل هي مذكرات شخصية، في كتابة المذكرات يكو الزمن حاسما في تتبع مسيرة من يسجل مذكراته، وتسلسل الأحداث التي شهدها أو ساهم في صنعها، والبيئة التي عاشها، والأشخاص الذين عاصروه. ..”| ص 56
ويؤكد المؤلف أن “أغلب الظن أنه حاول تسجيل أحداث مرت به، أحداث تركت تأثيرات عميقة في شخصيته، ما دفعه إلى محاولة استذكارها عبر نص مفتوح ذي طابع شخصي غير معد للنشر العام.
تبقى مسألة الصدق التي تحمل الكثير من الالتباس، فالروائيون ليسوا مؤرخين، والصدق لا يعني لهم سوى صدقهم الفني، والقيمة الجمالية المتحققة في النص المكتوب، ويمكن لهم أن يضيفوا ما يشاؤون من الرؤى في محاولة لمنح العمق أو الجدة لكتاباتهم”| . ص 56.
يتجلى هذا التسريب في قول الكاتب: «أغلب الروايات التي تكتب لأول مرة تدور على تجارب شخصية لكتابها مهما برع هؤلاء الكتاب بإخفاء شخصياتهم» (ص 21). وهو قول يتجاوز وظيفته داخل السياق الحكائي ليطرح قضية نقدية تتعلق بمصدر المادة الروائية، ومدى اتصالها بالتجربة الذاتية للمؤلف. فالرواية، وفق هذا التصور، ليست منفصلة بالضرورة عن حياة كاتبها، بل قد تستمد مادتها الأولى من خبراته الشخصية وذكرياته ومشاهداته، حتى عندما يعيد تشكيلها فنيًا، أو يغيّر أسماء شخصياتها وأماكنها، أو يدمج الواقع بالتخييل.
وتكمن أهمية هذا التسريب في أنه يثير إشكالية العلاقة بين التجربة الحياتية والتشكيل الروائي؛ فالتجربة الشخصية قد تكون منطلقًا للكتابة، لكنها لا تكفي وحدها لإنتاج رواية ناجحة، ما لم تخضع لعمليات الانتقاء والتخييل وإعادة البناء. ومن ثم، فإن قيمة العمل الروائي لا تتحدد بمقدار ما ينقله من حياة مؤلفه، وإنما بقدرته على تحويل التجربة الفردية إلى بناء فني قادر على تجاوز خصوصيتها والوصول إلى أبعاد إنسانية أوسع.
أما التسريب الثاني، فيتمثل في حديث الشخصية عن شروط استحقاق صفة الأديب أو الفنان، إذ يقول النص إن الإنسان قد يشعر بالحاجة إلى التعبير عن نفسه شعرًا أو رسمًا أو موسيقى، لكن استحقاق هذه الصفة يتطلب مواصلة العمل وتطوير الموهبة، فضلًا عن تقدير النقاد والمهتمين لجهده (ص 20)
هنا ينتقل السرد من تقديم الأحداث إلى مناقشة قضية تتصل بطبيعة الإبداع ومعايير الاعتراف الأدبي. فالكتابة، بحسب هذا التصور، ليست مجرد ممارسة عابرة أو تجربة منفردة، وإنما مسار يتطلب الاستمرار والتطوير والتفاعل مع الوسط الثقافي والنقدي.
غير أن هذا الرأي يثير بدوره سؤالًا نقديًا: هل يتوقف استحقاق صفة الأديب على اعتراف النقاد والمهتمين، أم أن القيمة الإبداعية قد تتحقق في العمل نفسه قبل أن يحظى بالاعتراف؟ إن طرح هذا السؤال يكشف أن الرواية لا تكتفي بعرض موقف من الإبداع، بل تفتح المجال لمناقشة المعايير التي يُصنَّف الأدباء على أساسها، والعلاقة بين الموهبة والممارسة والاعتراف الثقافي.
وبذلك يتخذ التسريب النقدي هنا صورتين متكاملتين: الأولى تتعلق بمصدر المادة الروائية وعلاقتها بالتجربة الشخصية، والثانية تتعلق بشروط تكوّن الأديب واكتساب الاعتراف بصفته الإبداعية.
ويتضح هذا التسريب في المقطع الذي يتساءل فيه المتحدث عن تجنيس ما كتبه السيد ينال: «أهو رواية، إن كانت كذلك فهي غير مكتملة، وتطرح الكثير من الأسئلة.. هل هي مذكرات شخصية؟» (ص 56)
يمثل هذا المقطع انتقالًا واضحًا من مستوى الحكاية إلى مستوى مساءلة النص نفسه؛ فبدلًا من الاكتفاء بمتابعة الأحداث، يتوقف السرد عند طبيعة الكتابة التي يتضمنها، ويشكك في انتمائها إلى جنس أدبي محدد. ويظهر هنا ما يمكن وصفه بالتسريب النقدي التجنيسي، أي تسرب الأسئلة المتعلقة بتصنيف العمل الأدبي إلى نسيج الرواية ذاتها.
فالمتحدث لا يكتفي بإثارة احتمال كون النص رواية أو مذكرات، بل يربط هذا الاحتمال بخصائص كل جنس، مشيرًا إلى أهمية الزمن وتسلسل الأحداث والبيئة والشخصيات في كتابة المذكرات. وبهذا تتحول الرواية إلى مساحة للتفكير في الفروق بين السرد الروائي والسرد التذكري، وفي الحدود التي تفصل بينهما.
وتتجاوز أهمية هذا المقطع مسألة التصنيف إلى إشكالية العلاقة بين الروائي والراوي. فحين يتساءل النص عما إذا كانت الكتابة تعبيرًا عن أحداث عاشها ينال بالفعل، فإنه يضع القارئ أمام احتمال التداخل بين التجربة الذاتية والشخصية السردية. غير أن هذا التداخل لا يسمح لنا بالجزم بأن ينال يمثل المؤلف أم أنه ينقل تجربته حرفيًا؛ فالتشابه المحتمل بين التجربة الشخصية والمادة الروائية لا يلغي المسافة الفنية التي قد تفصل المؤلف عن شخصياته. ولا سيما عندما قالت تنال ابنة ينال (لا تصدق أبي، فهو كاذب كبير)ص57.
ويتعزز هذا الاتجاه في قول المتحدث إن ينال ربما حاول تسجيل أحداث مرت به وتركت تأثيرات عميقة في شخصيته، مستعينًا بنص مفتوح ذي طابع شخصي غير معد للنشر العام (ص 56). فالنص هنا يطرح احتمالًا يتعلق بظروف الكتابة ودوافعها، ويمنح القارئ فرصة للتساؤل عن الفرق بين الكتابة بوصفها فعلًا شخصيًا للتعبير عن الذات، والكتابة بوصفها عملًا فنيًا موجهًا إلى جمهور.
وهذا التسريب ذو أهمية خاصة؛ لأنه يجعل الرواية تفكر في شروط وجودها، وفي المسافة بين النص الخاص والنص المنشور، وبين الرغبة في استعادة التجربة والرغبة في تحويلها إلى عمل أدبي. كما يفتح المجال لقراءة (ينال) بوصفها نصًا يختبر حدوده الأجناسية، بدلًا من الاستقرار بالضرورة داخل شكل روائي تقليدي.
التسريب النقدي المتعلق بالصدق الفني والعلاقة بين الواقع والتخييل حيث يبلغ التسريب النقدي ذروته في قول المتحدث: «فالروائيون ليسوا مؤرخين، والصدق لا يعني لهم سوى صدقهم الفني، والقيمة الجمالية المتحققة في النص المكتوب، ويمكن لهم أن يضيفوا ما يشاؤون من الرؤى في محاولة لمنح العمق أو الجدة لكتاباتهم» (ص 56(.
يتضمن هذا المقطع موقفًا نقديًا واضحًا من مفهوم الصدق في الكتابة الروائية، إذ يميز بين الحقيقة التاريخية التي تتطلب التحقق من الوقائع، والصدق الفني الذي يرتبط بقدرة العمل على بناء عالم تخييلي مقنع ومتسق من الناحية الجمالية.
فالروائي ليس ملزمًا بأن يكون ناقلًا حرفيًا للواقع، وإنما يمتلك حرية إعادة تشكيله وفق متطلبات البناء الفني. وقد يستعين بأحداث حقيقية، ثم يعيد ترتيبها، أو يدمج شخصيات متعددة في شخصية واحدة، أو يضيف أحداثًا متخيلة تمنح العمل عمقًا دلاليًا. ولا يُعد ذلك، في ذاته، إخلالًا بصدق الرواية؛ لأن معيارها لا يطابق بالضرورة معيار الوثيقة التاريخية.
لكن هذا التصور لا يعني أن الصدق الفني منفصل تمامًا عن الواقع، أو أن الروائي يستطيع إضافة أي شيء دون ضوابط. فالحرية التخيلية تظل محكومة بقدرة العناصر السردية على الانسجام داخل العالم الروائي، وبمدى إسهامها في بناء الشخصيات وتطوير الأحداث وإنتاج الدلالة.
ومن هنا، فإن التسريب يكشف عن وعي بطبيعة الفن الروائي بوصفه إعادة بناء للواقع، لا مجرد استنساخ له. كما يعيد توجيه القارئ من السؤال عن مدى مطابقة الأحداث لحياة ينال إلى السؤال عن كيفية تشكيلها فنيًا، وعن القيمة الجمالية والفكرية التي تنتجها داخل النص.
ويمكن النظر إلى هذه الظاهرة من خلال مفهوم «الميتاسرد»، أي السرد الذي يلفت الانتباه إلى طبيعته بوصفه نصًا مصنوعًا، أو يتأمل في شروط الكتابة والحكي. ويتجلى هذا البعد في مساءلة النص لهويته الأجناسية، وفي مناقشة العلاقة بين التجربة الشخصية والمادة الروائية، وفي التمييز بين الحقيقة التاريخية والصدق الفني.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين التسريب النقدي والميتاسرد بمعناه الدقيق؛ فليس كل رأي نقدي يرد في رواية كافيًا وحده للحكم بأنها رواية ميتاسردية. إنما تزداد دلالة الميتاسرد عندما تصبح الكتابة نفسها، أو عملية إنتاج الحكاية، موضوعًا ظاهرًا داخل العمل.
وفي حالة «ينال»، تكتسب هذه المقاطع أهميتها من اجتماع ثلاثة مستويات: مستوى الحكاية التي تتصل بتجربة الشخصية، ومستوى التأمل في طبيعة الكتابة التي تسجل تلك التجربة، ومستوى مساءلة القيمة الفنية للنص وحدود انتمائه إلى جنس أدبي معين.
وعليه، فإن هذه التسريبات ليست مجرد استطرادات نقدية منفصلة عن العمل، بل يمكن قراءتها بوصفها مؤشرات على انشغال الرواية بأسئلة الإبداع والهوية السردية والصدق الفني. أما مدى نجاحها في الاندماج داخل البناء الروائي، أو تحولها إلى خطاب تفسيري مباشر يبطئ حركة الأحداث، فيحتاج إلى فحص مواضعها في السياق الكامل للرواية، وطبيعة علاقتها بالشخصيات ومسار الحكاية.
من القضايا النقدية المهمة التمييز بين المؤلف الواقعي والراوي الذي يتولى سرد الأحداث. فإذا تضمنت الرواية تأملات في عملية الحكي أو في سلطة الراوي، فإنها تتيح مناقشة المسافة بين الكاتب وصوته السردي، ومدى تدخله في توجيه الأحداث أو التعليق عليها.
تتضمن الرواية تأملات في تكوين الشخصية، ودوافعها، وتناقضاتها، وقدرتها على التغير. وتكشف هذه المواضع عن وعي بطبيعة الشخصية الروائية: هل هي شخصية نامية تتغير بفعل الأحداث، أم شخصية ثابتة تحكمها سمة مركزية؟ وهل تُبنى من الداخل عبر الوعي والمونولوج، أم من الخارج عبر الأفعال والحوار؟
وهناك ملاحظة مهمة في هذا العمل الروائي الضخم تنتج عندما يقول: تأمل الأوراق التي أخذت حيزا سرديا في الفصل الثاني من ص 25 ورقة أولى، إلى ص 55 من الفصل نفسه حيث إنها تحمل قدرًا كبيرًا من التأملات الفكرية والفلسفية المتعلقة بالوطن والمنفى والحرية والأخلاق والذنب. وهذه الموضوعات تمنح العمل عمقه الفكري، لكنها قد تُبطئ الحركة السردية عندما تتقدم الأفكار على الفعل الروائي. مما يؤدي إلى اختلال التوازن بين السرد والتأمل الفكري، وهذا يؤدي بدوره إلى المبالغة في تركيب شخصية ينال
ينال شخصية مركبة تجمع بين صفات متعارضة: فهو ضحية للاختطاف والتعذيب والاضطهاد، ثم يصبح تاجرًا للسلاح، ويجمع بين الثراء والقدرة على مساعدة الآخرين، وبين الشعور بالذنب وتبرير أفعاله.
هذا التناقض ليس عيبًا في ذاته؛ بل قد يكون مصدرًا للقوة الفنية. لكن المشكلة تظهر إذا لم ينجح السرد في إقناع القارئ بالتحولات النفسية التي تصل بين هذه المراحل.وأرى أن المؤلف وفق في إقناع القارئ وإمتاعه معا.
تقوم تجربة ينال على انتقال لافت من موقع الضحية إلى موقع المشارك في تجارة السلاح، وهي تجارة ترتبط بالعنف الذي عانى منه.
وتنشأ هنا مفارقة أخلاقية مهمة: كيف يتحول الإنسان الذي تعرض للظلم إلى طرف في منظومة قد تنتج مزيدًا من المظلومين؟
تتيح هذه المفارقة للرواية مساءلة مفهوم الضحية، لكنها تضع الكاتب أمام تحدٍّ فني وأخلاقي: ألا يتحول تفسير سلوك الشخصية إلى تبرير له.
فإذا طغى التركيز على مآسي ينال الشخصية، من دون إظهار كافٍ لعواقب أفعاله في الآخرين، فقد يميل التعاطف السردي إلى تخفيف مسؤوليته الأخلاقية.
وقد ناقش الناقد فاضل ثامر هذا البناء، ووضع الرواية في سياق السرد الميتاروائي، أي الرواية التي تتأمل فعل الكتابة وتضم داخلها نصًا روائيًا آخر.
لكن هذا البناء يثير إشكالًا فنيًا:
هل يؤدي الانتقال بين الراويين إلى توسيع الرؤية وكشف جوانب جديدة من الشخصية؟
أم يؤدي أحيانًا إلى تكرار المعلومات وإبطاء تطور الحكاية؟
هل يتميز صوت عبد الله عن صوت ينال في اللغة والرؤية وطريقة تفسير الوقائع؟
المأخذ المحتمل هو أن يتحول التناوب بين السردين إلى وسيلة لنقل المعلومات أكثر من كونه ضرورة فنية تكشف اختلاف الوعي والمنظور. ولا يصح اعتبار وجود رواية داخل رواية ضعفًا في ذاته؛ فالضعف، إن ثبت، يكمن في مدى فاعلية هذا التداخل.
تتناول الرواية آثار الاحتلال والعنف والاختطاف والتعذيب والتهديد بالقتل والهجرة والغربة، وهي موضوعات ترتبط بتحولات العراق منذ عام 2003. حيث يشير وليد الزبيدي إلى أن الرواية تجمع هذه المحاور في مسار شخصية ينال، وتقدم من خلالها رؤية اجتماعية ونفسية للواقع العراقي.
تتعدد في الرواية العلاقات النسائية في حياة ينال، وتتنوع الشخصيات النسائية المرتبطة بتجاربه العاطفية والجسدية. وقد تناولت قراءة منشورة في جريدة «الزمان» هذه العلاقات، وأشارت إلى حضور مشاهد اللذة والجنس ضمن عالم الرواية.
والسؤال النقدي ليس ما إذا كان تعدد العلاقات مقبولًا أو مرفوضًا أخلاقيًا؛ فهذه ليست معايير كافية للحكم على الرواية.
النهاية المأساوية وإشكالية الانتحار
تنتهي حياة ينال بالانتحار، وفق العرض المنشور للرواية في صحيفة «الوطن». ويُقرأ هذا المصير بوصفه تعبيرًا عن استمرار الجراح النفسية رغم الثراء والنجاح والعيش بعيدًا عن العراق.
النهاية من حيث المبدأ منسجمة مع فكرة أن الخلاص المادي لا يمحو بالضرورة آثار الصدمات النفسية. لكن موطن الاختبار الفني هو مدى التمهيد لها.
فإذا كانت الرواية قد بنت عبر مراحلها المتعاقبة دوافع الانتحار وأظهرت تعمق الأزمة النفسية لدى ينال، اكتسبت النهاية ضرورتها الدرامية. أما إذا اعتمدت أساسًا على التصريح المسبق بالموت أو الإشارات المتكررة إليه، فقد تضعف المفاجأة والتوتر الدرامي.
المعيار الحاسم: أن تبدو النهاية نتيجة لتطور الشخصية، لا مجرد وسيلة لإغلاق الحكاية أو تثبيت رسالة الكاتب. ولا تكفي معرفة النهاية وحدها للحكم بأنها ضعيفة أو متوقعة فنيًا.



