أكتوبر 24, 2026
LOGO

حسن  درباش العامري

في العراق، تجاوز عدد الأحزاب والحركات السياسية المسجلة أربعمائة حزب وحركة! وكلها تتسابق للوصول إلى السلطة، وهذا أمر مشروع من حيث المبدأ؛ فالحزب السياسي لا ينشأ لكي يبقى متفرجاً على المشهد، بل يسعى إلى الحكم من أجل تطبيق برنامجه وأيديولوجيته على أرض الواقع، وتحقيق أهدافه في بناء البلد وتطويره وإسعاد شعبه، وصولاً به إلى مرحلة من الاستقرار والرفاهية التي تحفظ للمواطن كرامته وتمنحه الأمل بمستقبل أفضل.

لكن ما نلمسه في العراق هو سباق محموم نحو السلطة من أجل المنصب، وتنافس على  والامتيازات أكثر مما هو تنافس على البرامج والمشروعات الوطنية. وكأن الغاية من الوصول إلى المنصب ليست بناء الدولة، وإنما بناء المكانة الشخصية والحزبية، حتى لو كانت تلك المناصب عبئاً إضافياً على الحكومة، واستنزافاً لمواردها المالية، وإرباكاً لمؤسساتها الإدارية.

فعضو الحزب ، في بعض الحالات، لا تكتمل سعادته إلا إذا أحاط نفسه بمظاهر السلطة؛ مكتب واسع، وسيارات متعددة ويجب ان تكون بسنة الصنع ، وحمايات مدججة بالسلاح، وأرتال تتحرك أمامه وخلفه، وأشخاص يتسابقون إلى فتح الأبواب واستقباله وتوديعه، وكأننا أمام مشهد ملكي في بلد يفترض أنه جمهورية ديمقراطية ، وأن المسؤول فيه موظف لدى الشعب، وليس الشعب موظفاً لديه.

ولا يتوقف الأمر عند المسؤول نفسه؛ فربما يجد أخوه وابن عمه وابن خالته، بل وحتى بعض أصدقائه وجيرانه، أنفسهم جزءاً من هذا المشهد، كلٌّ بحسب قربه من صاحب القرار وقدرته على اقتناص الفرص حتى ان اخو احد المسؤولين يمتلك رتل عجلات تفوق رتل اخيه المسؤول . ويتجمع البعض حول المسؤول طمعاً في منفعة أو منصب أو عقد، حتى ليخيّل إليك أنهم ينتضرون عطسة المسؤول لالتقاط ما قد يسقط من جيبه دولارات او معجونيات !، ولعل بعضهم يكتفي بشم رائحة الدولارات المنبعثة من جيوبه!

إنها سخرية موجعة، لكنها تعكس خللاً في ثقافة

إن العراقيين ليسوا بحاجة إلى المزيد من الألقاب والمكاتب والسيارات، بقدر حاجتهم إلى حكومة قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذه، وإلى مؤسسات تعمل بكفاءة، وتضع مصلحة المواطن فوق حسابات الأحزاب. فالمناصب لا تُقاس بأسمائها ولا بعدد شاغليها، وإنما بما تحققه من نتائج، وما تضيفه إلى حياة الناس من خدمات وفرص وأمان.فشخص واحد قد يحقق ما يعجز ان يحقق الجميع ان كان يحمل النية الصادقه لبناء البلد ،

والمشكلة الأعمق أن الأحزاب السياسية في العراق لم تعد، في نظر كثير من المواطنين، متساوية في فرصها وإمكاناتها، بل نشأت بينها طبقية حزبية تشبه الطبقية الاجتماعية؛ أحزاب تمتلك النفوذ والمال والقدرة على فرض شروطها، وأخرى لا تجد لنفسها مكاناً في معادلة القرار، حتى وإن كانت تمتلك مشروعاً وطنياً أو رؤية مختلفة لمستقبل البلد.

وهنا أتذكر بول بريمر، الحاكم المدني الأمريكي

لقد أشار أحد الخبراء الاقتصاديين، بحسب ما نُقل، إلى أن بعض الأحزاب المصنفة ضمن الطبقات السياسية العليا تتلقى خمسة مليارات سنوياً. ولا أدري إن كان المقصود خمسة مليارات بالدينار أم بالدولار، ولا أريد أن أحوّل رقماً منقولاً إلى حقيقة مؤكدة من دون الاطلاع على مصدره وتفاصيله، لكن مجرد طرح مثل هذه الأرقام يفتح الباب أمام أسئلة جوهرية عن تمويل الأحزاب، ومعايير توزيع الأموال العامة، وشفافية الإنفاق، والرقابة على الموارد التي تُمنح تحت أي عنوان قانوني.

فإذا كانت هذه المبالغ تُصرف من المال العام، فمن حق المواطن أن يعرف أين تذهب أمواله، وما الأساس القانوني لتخصيصها، وما المقابل الذي يعود به ذلك على المجتمع. أما إذا كانت من مصادر أخرى، فإن الشفافية تظل ضرورة لحماية الحياة السياسية من المال غير المشروع ومن تحوّل النفوذ الاقتصادي إلى وسيلة لشراء النفوذ السياسي.

وهنا لا أقول إن كل حزب يمتلك المال فاسد، أو إن كل حزب يفتقر إليه صاحب مشروع وطني؛ فالحكم على الأحزاب يجب أن يكون وفق برامجها وممارساتها ومصادر تمويلها ونتائج عملها. لكن من حقنا أن نتساءل عن عدالة البيئة السياسية، وعن قدرة الأفكار الوطنية على المنافسة حين تكون الإمكانات موزعة بصورة غير متكافئة، وحين يصبح المال والنفوذ أكثر تأثيراً من البرنامج والكفاءة والقبول الشعبي.

إن بناء الدولة لا يبدأ بتكثير المناصب، ولا بتوسيع الحمايات، ولا بمنح الأحزاب حصصاً من موارد البلد، بل يبدأ ببناء الإنسان، وترسيخ القانون، وتحقيق العدالة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وجعل المال العام أمانة لا غنيمة.

فالعراق ليس فقيراً إلى الأحزاب، ولا إلى

السياسيين، ولا إلى أصحاب الشعارات والخطب الرنانة؛ العراق بحاجة إلى من يمتلك الإرادة لبناء دولة لا تحتاج إلى كل هذا العدد من الوسطاء بين المواطن وحقوقه، ولا إلى كل هذه الامتيازات كي يشعر المسؤول بأنه مسؤول.

وإذا كان الوصول إلى السلطة هو الهدف النهائي للأحزاب، فما الذي سيبقى من أهدافها بعد الوصول؟ وإذا كان المنصب غاية بحد ذاته، فمن سيعمل من أجل المواطن؟ وإذا كانت الأموال تُنفق لإرضاء القوى السياسية، فمن سينفق على المدارس والمستشفيات والخدمات وفرص العمل؟وامس رأى الجميع مدرسة في احدى محافظات الجنوب بنيت من الطين وساحتها الوسطيه من تراب سبخ حين تمطر تتحول الى اطيان تبقى لشهر وربما اكثر !!

هل حقاً سنبني دولة، أم أننا سنبقى نبني المناصب داخل دولة لم تكتمل مؤسساتها بعد؟

ذلك هو السؤال الذي يجب أن يسبق كل تصويت، وكل اتفاق سياسي، وكل توزيع للمناصب. فالدولة لا تُبنى حين يتفق السياسيون على اقتسامها، بل حين يتفقون على حمايتها من الاقتسام.

والشعب الذي يمنح صوته ليصنع مستقبله لا ينبغي أن يجد نفسه، بعد كل انتخابات، مجرد شاهد على توزيع الغنائم.

فهل سنرى يوماً حزباً يتنازل عن امتيازاته من أجل العراق، ومسؤولاً يرفض موكباً إضافياً لأن مستشفى في منطقته يحتاج إلى جهاز، وسياسياً يضع برنامجه أمام الناس ويقبل أن يُحاسَب

عليه؟

أم سنظل ننتظر ذلك اليوم، بينما تتكاثر الأحزاب والمناصب، ويظل المواطن يسأل عن أبسط حقوقه؟

أخشى أننا لم نعد نتنافس على من يبني الدولة، بل على من يحصل على الحصة الأكبر منها!