أكتوبر 29, 2026
سامي-خاطر

د. سامي خاطر آكاديمي وأستاذ جامعي
قراءة في استراتيجيات “إدارة الأزمة” عبر استهداف الحواضن الاجتماعية
تشهد الساحة الإيرانية في الربع الثاني من عام 2026 تحولاً دراماتيكياً في العقيدة الأمنية للنظام حيث انتقلت أجهزة إنفاذ القانون من مربع “احتواء الاحتجاج” إلى مربع “القمع الاستباقي الشامل”.. فبعد الهزات الارتدادية العنيفة التي خلفتها الانتفاضات الوطنية بين ديسمبر 2025 ويناير 2026 يبدو أن صانع القرار في طهران قد تبنى استراتيجية تقوم على استغلال “الظلال الأمنية” المرافقة لظروف الحرب وانقطاعات الإنترنت لتصفية الحسابات مع المعارضة الداخلية وتحديداً منظمة مجاهدي خلق عبر هندسة بيئة من الرعب العابر للأجيال والجنسين.
تحولات السجون من مراكز احتجاز إلى جبهات مواجهة مفتوحة ..
لم تعد السجون الإيرانية وفي مقدمتها سجن إيفين وسجن قرتشك مجرد مراكز لتقييد الحرية بل تحولت إلى جبهات استنزاف سياسي ونفسي، وتشير التقارير الميدانية إلى أن السلطات انتهجت مساراً قانونياً متشدداً عبر “توليد القضايا” داخل السجن؛ حيث يتم تمديد العقوبات بتهم فضفاضة مثل “إهانة الولي الفقيه” ضد السجينات اللواتي أبدين تضامناً مع ضحايا التعذيب.
إن مقتل سجينة سياسية في أواخر سبتمبر 2025 تحت وطأة التعذيب في سجن قرتشك ورامين وما تبعه من إجراءات عقابية ضد المحتجات يعكس ضيق صدر السلطة بأي شكل من أشكال التنظيم الجماعي داخل الأسوار.. كما أن تحويل “الحق في الزيارة” إلى “أداة مساومة” سياسية ضد المشاركات في حملة ثلاثاء لا للإعدام يؤكد أن الدولة تسعى لفك الارتباط العضوي بين المعتقل وأسرته كجزء من عملية التحطيم المعنوي الممنهج.
الحرب البيولوجية والطبية.. الإهمال كأداة للإعدام البطيء
في سجن يزد تبرز ظاهرة خطيرة تتمثل في استخدام “حالة الحرب” كذريعة قانونية لحجب الرعاية الطبية الحيوية عن المعارضات المصابات بأمراض مزمنة.
إن منع الأدوية عن سجينة سياسية من مناصرات منظمة مجاهدي خلق رغم تدهور حالتها الصحية والتلويح بنفيها إلى سجون نائية مثل سجن خاش يشير إلى رغبة في تحويل الإهمال الطبي إلى “إعدام أبيض” غير معلن لتجنب الكلفة السياسية للإعدامات المباشرة التي تثير تنديداً دولياً واسعاً.. ومع ذلك فإن الخطاب الصادر من داخل هذه السجون لا يزال ينم عن صلابة أيديولوجية؛ حيث تعكس رسائل “أربعينية شهداء يناير” إيماناً باستمرارية المسار رغم الكلفة البشرية الباهظة.
تجريم “الحزن الجماعي”.. استهداف عائلات الشهداء كرهائن سياسيين
خارج أسوار السجن انتقلت السلطات إلى تكتيك “العقاب الجماعي” ضد أسر المعدومين.. وإن اعتقال شقيقتين لأحد الشهداء في منتصف أبريل 2026 لمجرد مطالبتهما بجثمان شقيقهما ليمثل خرقاً للأعراف الاجتماعية والقانونية، ويهدف بالأساس إلى منع تحول مراسم العزاء إلى منصات انطلاق لانتفاضات جديدة.
هذا النمط من “الاحتجاز الاستباقي” شمل أيضاً كبار السن مثل والدة أحد الشهداء البالغة من العمر 63 عاماً والتي اعُتقلت مع ابنيها لمنع الوداع الأخير..
إن استهداف الآباء المرضى والأمهات الطاعنات في السن يعكس رغبة النظام في تجفيف الحواضن العائلية الداعمة للمقاومة، وهي سياسة تهدف إلى خلق قطيعة بين الجيل الذي شهد “مجزرة عام 1988” والجيل الحالي من “وحدات المقاومة” التي تقود الحراك في الشارع.
الأبعاد الاستراتيجية والموقف الدولي المطلوب
إن تصعيد الجرائم ضد الإنسانية في هذه المرحلة الحساسة يكشف عن حالة من “عدم الاستقرار البنيوي” داخل أركان الحكم في إيران.. فالدولة التي تلجأ لاختطاف المسنين وتلفيق التهم للسجينات لمجرد الإنشاد هي دولة تخشى من “الرمزية” أكثر مما تخشى من الفعل العسكري.
الخلاصة
ختاما.. يواجه المجتمع الدولي وبشكل خاص المفوض السامي لحقوق الإنسان ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة اختباراً حقيقياً لمصداقيته.. وإن الاكتفاء ببيانات التنديد لم يعد كافياً لكبح جماح آلة القمع الإيرانية.. حيث يتطلب الموقف الحالي إجراءات عقابية فورية، وكذلك الضغط من أجل إرسال بعثة دولية لتقصي الحقائق لزيارة السجون ولقاء السجينات السياسيات دون رقابة أمنية.
إن استقرار المنطقة بات مرتبطاً بشكل وثيق بمدى قدرة المجتمع الدولي على محاسبة النظام على انتهاكاته الممنهجة، وضمان الإفراج غير المشروط عن سجناء الرأي الذين يدفعون ثمن رغبتهم في التغيير الديمقراطي.