
رياض سعد
زغاريد في جنازة الورد
لم يكن سالم يعرف الموت إلا من بعيد؛ من الأخبار التي يذيعها التلفاز، ومن صور الجنود التي تظهر على الشاشة، ومن أسماء الشهداء التي يقرأها المذيع بصوت ثابت، كأنما يتلو قائمة مشتريات، لا أسماء أناس كانوا قبل أيام يأكلون ويضحكون وينامون في بيوت تنتظر عودتهم.
كان في الثامنة عشرة من عمره، نحيل الجسد، واسع العينين، وفي ملامحه بقية من طفولة لم تستطع الحرب أن تنتزعها منه.. , كان يخاف الظلام، وإذا انقطعت الكهرباء في الحي، حمل مصباحًا صغيرًا وجلس قريبًا من أمه، ينتظر عودة الضوء.. , ولم يكن يخجل من خوفه؛ فلم يتعلم بعد أن عليه أن يخفي مشاعره كي يثبت للآخرين أنه رجل.
كان أبوه، الحاج حسن، قد تجاوز الستين.. , لم يعرف القراءة والكتابة، لكنه كان يقرأ وجوه أبنائه كما يقرأ الفلاح وجه السماء قبل المطر.. , وكان يعرف من نبرة سالم إن كان سعيدًا أم مهمومًا، حتى حين يحاول إخفاء ما في صدره.
أما أمه، فكانت امرأة بسيطة تؤمن بأن الدعاء يستطيع أن يحمي أبناءها من كل شر.. , تحفظ صور العائلة ومستمسكاتها في صندوق خشبي قديم، وتحرص على أن يكون الطعام حاضرًا حين يعود سالم من المدرسة، كأنها بذلك تستطيع أن تبقي العالم في حدوده المألوفة.
لكن العالم الذي عرفته هذه الأسرة لم يعد مألوفًا.. , كانت الحرب العراقية الإيرانية قد امتدت، وصارت الأوامر العسكرية تصل إلى البيوت من غير أن تستأذن أحدًا.. , لم يعد الشاب يملك أن يختار طريقه، ولا الأب أن يحمي ابنه، ولا الأم أن تحتفظ به قريبًا منها.. , كان الوطن، الذي يفترض أن يكون بيتًا واسعًا لأبنائه، يتحول في عيون كثيرين منهم إلى باب يُفتح بالقوة، ثم يُدفعون عبره إلى المجهول.
في صباح ثقيل، وقف سالم أمام أبيه، مترددًا في الكلام.
سأله الحاج حسن:
— ما بك يا بني؟
خفض سالم رأسه وقال:
— رسبت في الصف السادس الإعدادي. طلبوا مني مراجعة دائرة التجنيد في بغداد.
تنهد الأب، ثم تمتم:
— لا حول ولا قوة إلا بالله.
حاول سالم أن يبدو مطمئنًا، فقال:
— لا تقلق يا أبي.. , سأذهب إلى الجيش، وأؤدي ما يطلبونه مني، ثم أعود.
لم يجبه أبوه فورًا.. , ظل ينظر إليه، ثم قال:
— دائرة التجنيد بعيدة، والحرب خطيرة.. , أخشى ألّا تعود إلى أمك.
كانت الأم تسمع حديثهما من الغرفة المجاورة.. , خرجت، ومسحت بيدها على كتف ابنها، ثم سوّت ياقة قميصه كما كانت تفعل حين تهيئه للذهاب إلى المدرسة.
قالت:
— لا تخف يا بني.. , اقرأ آية الكرسي خمس مرات، واستودع نفسك الله.
ابتسم سالم، وقبّل يدها.. , لم يخبرها أنه لم يكن يخاف الموت وحده؛ كان يخاف الطريق الذي قد يقوده إليه، ويخاف أن يُجبر على قتل إنسان لا يعرفه، ثم يُطلب منه أن يسمي ذلك بطولة.
ذهب سالم إلى بغداد، حيث كانت دائرة التجنيد تنتظر القادمين إليها بوجوه متجهمة وأصوات غليظة.. , في الكراج، رأى عناصر الانضباط العسكري وأفرادًا حزبيين يوقفون الشباب، ويفتشون هوياتهم، ويصبّون الشتائم على من يتأخر في الإجابة أو يتلعثم من الخوف.
لم تكن الإهانة استثناءً؛ كانت جزءًا من المشهد اليومي.. , شاب ينسى هويته فيُضرب، وآخر يجيب عن سؤال على نحو لا يعجب الجندي فيُدفع إلى الأرض، وثالث يحاول تفسير موقفه فيُسكت بصفعة أو بشتيمة.
وقف سالم في الطابور، يراقب الوجوه من حوله.. , كان بعض الشبان يبدون أكبر من أعمارهم، وبعضهم أصغر مما ينبغي أن يكون عليه من يُدفع إلى الحرب.. , لم يكن بينهم من يبدو مستعدًّا لما ينتظره، لكن أحدًا لم يسألهم إن كانوا مستعدين.
صرخ أحد الضباط: «قفوا بانتظام، يا حيوانات، يا أبناء الكلب! أنت، تعالَ إلى هنا!».
— قفوا بانتظام! لا أريد أن أرى أحدًا يتحرك!
اعتدل الجميع في أماكنهم.
لم يفهم سالم لماذا يحتاج الإنسان إلى أن يُهان كي يتعلم الانضباط، ولا لماذا يصبح السؤال جريمة حين يصدر عن شخص لا يملك رتبة عسكرية.. , لكنه تعلّم منذ اللحظات الأولى أن يحتفظ بأسئلته لنفسه؛ فثمة أماكن لا يُعاقب المرء فيها على خطئه فحسب، بل على الطريقة التي يحاول بها تفسيره أيضًا.
اقتادوا الشباب إلى الشاحنات العسكرية من طراز «إيفا»، وحشروهم في صناديقها.. , تحركت الشاحنات، وراحت المطبات تقذف أجسادهم إلى أعلى، بينما أخذ الغبار يغطي وجوههم وملابسهم.
نظر سالم من فتحة ضيقة إلى الطلبة الذين كانوا يسيرون نحو مدارسهم بحقائبهم.. , راقبهم حتى اختفوا عن عينيه، وشعر كأنه يشاهد حياة أخرى لا تخصه؛ حياة ما زال فيها الصباح موعدًا للدراسة، لا بداية رحلة قد تنتهي برصاصة.
كان معسكر التدريب مزدحمًا بالشباب.. , تتعالى فيه الصيحات والأوامر، وتختلط أصوات الضباط بوقع الأحذية على الأرض.. , لم تكن الشتائم تنقطع، حتى خُيّل إلى سالم أن بعض الموجودين لا يعرفون طريقة أخرى للكلام.
كان يُؤمر بالركض، ثم بالوقوف، ثم بالانبطاح، ثم بالنهوض، وتُعاد الأوامر حتى حين تكون الأجساد قد بلغت أقصى ما تستطيع احتماله.. , لم يكن التدريب بدنيًّا فحسب؛ كان اختبارًا للطاعة، ومحاولةً لانتزاع ما بقي لدى الشاب من إحساس بأنه شخص له إرادة.
في الأيام الأولى، كان سالم يتألم من كل إهانة.. , ثم بدأ يتعلم الصمت، لا لأنه اقتنع بأن ما يجري صحيح، بل لأنه أدرك أن الاعتراض قد يزيد الأمر سوءًا.
ومع ذلك، ظلّ يحتفظ في داخله بشيء صغير يرفض الاستسلام: اسمه، ووجه أمه، ويد أبيه حين تربت على كتفه، وذكرى البيت الذي تركه خلفه.
انتهت دورة التدريب، وساقوهم إلى جبهة البصرة.
هناك، لم تعد الحرب خبرًا في نشرة المساء.. , كانت القذائف تهز الأرض، والرصاص يمر قريبًا من الرؤوس، والجنود يتدافعون نحو السواتر والمخابئ.. , لم يكن سالم يستطيع أن يميز في اللحظات الأولى بين أصوات الانفجارات؛ كان كل صوت مفاجئ يجعل جسده ينتفض قبل أن يفكر.
رأى رجالًا يركضون ثم يسقطون، وآخرين ينادون أسماء أمهاتهم، وجنودًا يحاولون سحب رفاقهم من مواضع الخطر.. , وكان أكثر ما يربكه أن الموت لا يمنح أحدًا فرصةً لفهم ما حدث؛ يترك وراءه جسدًا ساكنًا، ورفاقًا مذهولين، وأمرًا عسكريًّا جديدًا يطالب الأحياء بمواصلة ما كانوا يفعلونه.
في إحدى الليالي، كان سالم إلى جوار رفيقه حسين حين اشتد القصف.. , التصق الاثنان بساتر ترابي، وراح حسين يرتجف بعنف.. , حاول أن يرفع بندقيته، لكن أصابعه لم تطاوعه.
قال لسالم بصوت متقطع:
— أريد أن أعود إلى البيت.
لم يجبه سالم.. , كان يريد أن يقول له إنه يريد ذلك أيضًا، لكنه لم يعرف ماذا يمكن أن تفعل الكلمات في مكان كهذا.
بعد لحظات، دوى انفجار قريب.. , انحنى سالم، وحين رفع رأسه وجد حسين ملقى على جانبه، وقد غطى التراب جزءًا من وجهه.
نادى اسمه مرة، ثم ثانية. لم يتحرك.
اقترب منه بحذر، ووضع يده على كتفه.. , كان جسده لا يزال دافئًا، لكن عينيه المفتوحتين لم تعودا تريان شيئًا.
في الصباح، سمع سالم أحد الجنود يقول إن حسين استشهد.. , لم يعترض، ولم يقل إن صديقه لم يكن يحلم بالشهادة، وإن آخر ما طلبه كان العودة إلى البيت.. , اكتفى بالنظر إلى الأرض، وظلت صورة حسين تطارده كلما سمع كلمة «البطولة».
لم يعد الموت عنده فكرةً بعيدة.. , صار وجهًا يعرفه، واسمًا كان يرد عليه حين يناديه، ثم انقطع عن الإجابة.
وكان الخوف يزداد تعقيدًا؛ فالجندي لا يخشى نيران الطرف الآخر وحدها، بل قد يخشى أيضًا أن يُتهم بالتقصير أو الجبن، أو أن يقع تحت طائلة رجال السلطة إذا شكّوا في ولائه.. , هكذا وجد سالم نفسه بين جبهتين: جبهة تحاول قتله بالقذائف، وجبهة قد تقتله بتهمة.
أيّ حياة هذه التي لا يملك فيها الإنسان أن يختار البقاء، ولا أن يضمن النجاة إذا أطاع؟!
اقترب موعد إجازة سالم، وكان صديقه خير الله الأسدي ينتظرها مثله.. , التقيا ذات مساء بعيدًا عن أعين الضباط، وتحدثا طويلًا عن البيت والأهل وما بقي لهما من أمل.
قال خير الله:
— لن أعود إلى الجبهة بعد الإجازة.
التفت إليه سالم، كأنه لم يسمع جيدًا.
— ماذا ستفعل؟
— سأذهب إلى الأهوار.. , أعرف بعض الشباب الذين هربوا من الخدمة ويعيشون هناك.. , نصطاد السمك، ونبيع ما نحتاج إلى بيعه، وندبّر أمورنا بعيدًا عن الحرب.
ظل سالم صامتًا.. , كانت الفكرة مخيفة، لكن العودة إلى الجبهة لم تعد تبدو له طريقًا مضمونًا للنجاة.
قال أخيرًا:
— وإذا قبضوا علينا؟
أجابه خير الله:
— قد يقبضون علينا إذا بقينا أيضًا.. , لا أقول إن الطريق آمن، لكنني أريد أن أحاول العيش.
لم يكن سالم يبحث عن بطولة بديلة، ولا عن مغامرة يرويها للآخرين.. , كان يريد أن يستيقظ صباحًا من دون أن يتساءل إن كان سيبقى حيًّا حتى المساء.. , وبعد أيام من التردد، وافق على خطة صديقه.
عاد إلى الناصرية في إجازته، ففتحت أمه الباب قبل أن ينهي طرقاته.
— سالم! يا ولدي!
اندفع أبوه نحوه، واحتضنه طويلًا.. , لم يسأله الحاج حسن عن الحرب في اللحظات الأولى؛ كان يمرر يده على ظهر ابنه، كأنه يتأكد من أن جسده كامل، وأنه عاد فعلًا، لا صورةً يحملها أحدهم في ورقة.
دخل سالم الحمام الصغير، وغسل غبار الجبهة عن وجهه ويديه.. , وحين خرج، وجد أمه قد أعدت الطعام: الأرز، ومرق الفاصوليا، وقطعة لحم، والخبز الحار، واللبن، والدهن الحر.
جلس يأكل بشهية رجل حُرم طويلًا من الطعام الذي يعرفه.. , لم يكن الجوع وحده ما يدفعه؛ كان يشعر أنه يستعيد شيئًا من حياته القديمة مع كل لقمة.
جلست أمه قبالته، تراقبه بفرح خائف.
قالت:
— الحمد لله على سلامتك.. , لا تفكر كثيرًا يا بني.. , كل الشباب يذهبون إلى الجبهة، والله يحفظ الجميع.
رفع سالم رأسه إليها.
— أمي، أنا لا أخاف الموت وحده.., أخاف أن أموت من دون أن أفهم لماذا يجب أن أموت.
توقفت يدها فوق الصينية.
تابع:
— لم أقتل عصفورًا في حياتي.. , فلماذا أذهب إلى مكان يُطلب مني فيه أن أقتل إنسانًا لا أعرفه، أو أن أُقتل على يد إنسان لا يعرفني؟ ماذا سيبقى من حياتي إذا انتهت قبل أن أبدأها؟!
قالت أمه، وقد غلبها الحزن:
— ماذا نفعل يا سالم؟ كل الناس تنتظر رجوع أبناءها … ؛ ابن جيراننا مات، وابن عمك في الجبهة، ولا أحد يعرف من سيعود.
أطرق سالم، ثم قال:
— حين مات حسين، قالوا إنه استشهد.. , لكنه كان يريد أن يعود إلى أمه.. , لم يكن يفكر في المجد، ولا في الخطب والشعارات البعثية .. , كان يريد أن ينام في فراشه من دون أن توقظه القذائف.
إليكِ هذه القصة المؤلمة يا أمي، فقد جعلتني أعيد النظر في كثير من قناعاتي، وأراجع حساباتي مرارًا.. , كنت أظن أن خطر الموت يأتي من الجانب الإيراني وحده، ولم أكن أدرك أن الموت في العراق قد يكون أشد فتكًا، وأن احتمال أن يلقى المرء حتفه على أيدي عناصر السلطة وازلام صدام قد يفوق، أضعافًا مضاعفة، احتمال موته بنيران العدو… ؛ أنصتي إليّ، واحكمي بنفسك : اشتدّ القصف الإيراني، وسقطت قذيفة على أحد المواقع العسكرية، فتطايرت شظاياها القاتلة كالسيوف اليمانية، تمزّق كل ما تصادفه في طريقها.. , وإذا بشظية حادّة، كحدّ السكين، تفصل رأس الشاب محمد الواسطي عن جسده، في مشهد مروّع تجمّد له الدم في العروق.. , وهوى رأسه في حجر زميله ناجي البصراوي، ذي الثمانية عشر ربيعًا.
اضطرب ناجي، واستبدّ به الرعب، فأطلق صرخة مدوّية، ثم اندفع خارج الموقع راكضًا بأقصى سرعته، كأنما يطارده الموت نفسه، أو كأنه فهدٌ أفزعه لهيب النار.. , لم يكن يدري إلى أين يفرّ، ولا ماذا يفعل؛ فقد غاب عنه صوابه، ولم يعد يرى أمامه سوى سبيل واحد للنجاة: الابتعاد عن ذلك الجحيم.
لكن ما إن لمحته عناصر فرقة الإعدامات وهو يركض مبتعدًا عن الموقع، حتى أمطروه بوابل من الرصاص.. , لم يمنحوه فرصة للكلام أو التبرير، ولم يبالوا بحالة الذعر التي أفقدته السيطرة على نفسه؛ فخرّ ناجي صريعًا، مضرجًا بدمائه، قبل أن يعرف لماذا أُطلقت عليه النار، أو بأي ذنب استحقّ الموت.
كان ناجي، الذي لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره، قد فرّ من هول مشهد لا تحتمله النفس البشرية، فإذا به يسقط برصاص من يُفترض أنهم رفاق السلاح.. , ولم يكتفِ جلّادوه بقتله، بل ألصقوا بجثمانه تهمة الخيانة، ووسموه بكلمة «خائن»، وكأن الموت وحده لم يكن كافيًا، وكأنهم أرادوا أن يسلبوه، بعد أن سلبوه حياته، حقّه في أن يُذكر بوصفه إنسانًا مذعورًا أمام مشهد يفوق احتمال البشر.
وهكذا، في حرب اختلطت فيها دماء العراقيين بدماء العراقيين، لم يكن الموت وحده هو المأساة؛ بل كانت المأساة الأشد أن يُقتل شاب في لحظة ضعف ورعب، ثم يُشوَّه اسمه بعد موته، وتُختزل حياته كلها في كلمة واحدة: «خائن».
وما إن تناهى إلى سمعي وسمع رفاقي خبر مقتل ناجي، حتى انبرى صديقي الجندي حيدر الكعبي، وقد أثقل الحزن صدره وأضرم الغضب في داخله أسئلةً كثيرة، يستفسر من زملائه في الموقع العسكري، وكنا ثلاثة : انا ، وربيع المحمداوي، وكامل الساعدي .
اذ قال حيدر بنبرة امتزج فيها الألم بالاستنكار:
— لماذا نحن، أبناء الجنوب، في الخطوط الأمامية، بينما يقبع أبناء المحافظات الغربية، ولا سيما الموصل وتكريت، في المواقع الخلفية، أو ينضوي بعضهم ضمن عناصر فرقة الإعدامات؟! ألسنا جميعًا عراقيين؟ ألسنا أبناء وطن واحد؟ فلماذا نُدفع نحن إلى أتون الحرب، ونُترك في مواجهة الموت، وكأننا نحن الذين أشعلنا نارها، وكأنما كُتب علينا وحدنا أن نكتوي بنيرانها دون سوانا؟!
ثم ساد صمت ثقيل، قبل أن التفت إليه، وقد بدت على وجهي علامات الدهشة والقلق، وسألته :
— أمعقول ما تقول يا حيدر؟ أإلى هذا الحدّ بلغ الأمر؟
أجابني ربيع المحمداوي، وقد خفّض صوته وأخذ يتلفّت حوله بحذر:
— نعم، هذا ما أعتقده.. , إن الحكومة تضمر العداء للشيعة، والحرب، في نظري، لم تكن مجرد صراع على الحدود؛ بل أرى أن من أهدافها القضاء على شيعة العراق، والإسهام في تدمير شيعة إيران.. , فنحن أبناء الجنوب الذين يُدفع بنا إلى المحرقة، فيما يجلس آخرون بعيدًا عن لهيبها، أو يتولّى بعضهم مراقبة الجنود ومعاقبتهم.
ثم تدخّل كامل الساعدي على عجل، وقد ارتسمت على وجهه علامات الخوف، وقال بصوت خافت:
— كلنا نعرف ما يضمره صدام وجماعته لنا من حقد، وكلنا نرى ما يجري بأعيننا، لكن اخفضوا أصواتكم، بل لعلّ الأفضل ألّا نتحدث في هذا الموضوع أصلًا.. , فالجواسيس في كل مكان، والعيون تراقبنا، والآذان تتصيّد الكلمات.. , وقد يدفع أحدنا حياته ثمنًا لكلمة يقولها في لحظة غضب، أو لرأي يعبّر عنه بين رفاقه.
ثم ألقى نظرة على وجوهنا، وأضاف بنبرة يغلب عليها الأسى:
— هيا، تحدّثوا في أي شيء آخر، ودعونا نطوِ هذا الحديث.. , رحم الله ناجي، ذلك الشاب المظلوم الذي لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره؛ خرج من الدنيا قتيلًا برصاص أعوان صدام، ثم وُصم بالخيانة بعد موته.. , حسبنا الله ونعم الوكيل.
لم تجد الأم جوابًا.. , مدت يدها إلى يده، وضغطت عليها، وبقي الاثنان صامتين.
في الأيام التالية، زار سالم أقاربه وجيرانه، وحكى لهم بعض ما رآه.. , كان يختار من الحكايات ما يستطيع قوله، ويتوقف عند ما يعجز عن وصفه.. , أصغى إليه الناس بدهشة؛ فالحرب التي يعرفونها من الأخبار كانت، في حديثه، مكانًا له رائحة البارود، وأصوات الجرحى، ووجوهًا شابة تختفي من دون وداع.
وحين اقترب موعد انتهاء الإجازة، عاد القلق إلى وجهه.. , جلس أبوه إلى جواره ذات مساء، وقال:
— يا سالم، أنا رجل كبير، ولا أفهم في السياسة والحرب كثيرًا.. , لكنني أعرف أن الابن إذا خاف، فليس له بعد الله إلا أبوه.. , إن كان في قلبك شيء، فلا تخف من أن تقوله.
كاد سالم يعترف له بقراره، لكنه رأى التعب في وجه أبيه، وخاف أن يزيد حمله… ؛ اكتفى بأن قال:
— أنا متعب يا أبي.. , أريد أن أرتاح قليلًا.
ربت الحاج حسن على كتفه.
— الله يحفظك ويردك إلينا سالمًا.. , لا نريد من الدنيا إلا أن نراك بخير.
حفظ سالم نبرة أبيه في ذاكرته.. , كان يعلم أنه قد لا يسمعها قريبًا.
حين انتهت الإجازة، لم يعد سالم إلى وحدته العسكرية.. , خرج مع خير الله، وسلكا الطريق المؤدي إلى أهوار الجبايش، حتى وصلا عند الغروب إلى ممرات الماء التي تحيط بها نباتات القصب والبردي.
استقبلهما مهدي الأسدي، الذي كان يعرف خير الله الأسدي ، ثم قادهما إلى المكان الذي يقيم فيه رفاقه.
كانت المجموعة تتألف من تسعة رجال، بينهم خزعل العبودي من العمارة، وفالح حسن من مدينة الثورة في بغداد، وعبد الحسن ماهود من الشعلة، وحسين المنصوري من البصرة، وكاظم رشك الواسطي من الكوت، وعلوان محمد من الديوانية، وميثم الدراجي من العمارة، وعبد العظيم الأسدي من الناصرية، فضلًا عن مهدي نفسه.
استقبلوا سالمًا وخير الله، ثم تقاسموا الطعام الذي أحضراه.. , أكلوا بصمت في البداية، كأنهم يخشون أن ينفد الطعام قبل أن يشبعوا، ثم أخذوا يتحدثون عن الصيد وممرات الماء وأخبار المدن.
كانت حياتهم شاقة، لكنها لم تكن خالية من لحظات هدوء.. , يصطادون الأسماك نهارًا، ويحتفظون بما يكفيهم، ثم يبيعون الباقي أو يقايضونه بالتمر والخبز والشاي والسكر.. , وحين يحل الليل، يتناوبون الحراسة وينامون على حصائر من البردي، فيما تتعالى أصوات الطيور من بعيد.
لم تكن الأهوار فردوسًا؛ كان البعوض ينهش أجسادهم، والرطوبة تتسلل إلى ثيابهم، والخطر يظل قريبًا.. , لكن سالمًا وجد هناك شيئًا افتقده في الجبهة: مساحةً يستطيع فيها أن يصحو من النوم من دون أن يسمع أمرًا عسكريًّا، وأن يتحدث من دون أن يراقب كل كلمة تخرج من فمه.
وكان خزعل العبودي يتولى بيع الأسماك والتعامل مع الوسطاء… ؛ عُرف بالحذر وقلة الكلام، وكان يدرك أن الثقة في زمن الملاحقات قد تكلف الإنسان حياته.
ومن بين الوسطاء رجل يدعى مجيد هاشم الركابي، كان يعمل لمصلحة جهاز الأمن، ويتردد على المكان بحجة شراء الأسماك.. , حاول أن يستدرج خزعل إلى الحديث عن رفاقه ومكان إقامتهم، لكن خزعل كان يجيب إجابات مقتضبة، ويصرف الحديث كلما اقترب من الأسئلة المريبة.
لم يكن خزعل يثق بمجيد، ولم يكن يطمئن إلى البقاء في مكان يعرف أن العيون قد تصل إليه… .
مع مرور الأيام، صار سالم يفتقد أبويه على نحو موجع.. , كان يتخيل أمه وهي تضع الطعام على المائدة، وأباه جالسًا قرب الباب، يتأمل الشارع في انتظار خطوات قد لا يسمعها.
كان يعرف أن عودته إلى المدينة محفوفة بالخطر، لكنه لم يستطع أن يطرد فكرة رؤيتهما من رأسه.
وفي نهاية المطاف، قرر أن يترك مخبأه ويعود سرًّا إلى أهله.. , لم يخبر الجميع بتفاصيل قراره، ولم يكن يظن أن غيابه القصير سيغيّر مصيره بهذه السرعة.
بعد انقطاع سالم عن وحدته العسكرية ، وصلت إلى الفرقة الحزبية في منطقته مخاطبة رسمية تطلب التحقق من أسباب غيابه.. , انتقل الأمر إلى مديرية الأمن، وبدأت المراقبة والبحث.
لم تكن السلطة تعرف كل تفاصيل حياته في الأهوار، ولم تكن بحاجة إلى ذلك كي تجعل عائلته تدفع ثمن غيابه.
في أحد الصباحات، توقفت سيارات الأمن أمام منزل الحاج حسن.. , طرق رجال الأمن الباب بعنف، وحين فتح لهم، أمروه بمرافقتهم.
سألهم:
— ما الأمر؟ ماذا تريدون مني؟
أجابه أحدهم بفظاظة:
— تعال معنا، وستعرف.
طلب الحاج حسن أن يدخل ليرتدي نعليه وعقاله وزيه العربي ، لكن الرجل سخر منه، ثم أمسك به ودفعه نحو السيارة.
اندفعت أم سالم خلف زوجها، تصرخ وتسأل عن ذنبه، إلا أن رجال الأمن دفعوها إلى داخل الدار وأغلقوا الباب.
أخذوا الحاج حسن إلى مديرية الأمن، وأدخلوه غرفة تحقيق.. , جلس أمامه رجل يدعى عفتان التكريتي، وبدأ يسأله عن سالم: أين ذهب؟ ومن ساعده؟ ومتى كانت آخر مرة رآه فيها؟
أجاب الأب بما يعرفه، ثم قال إن ابنه أخبره بأنه في الجبهة قرب البصرة.., لم يكن يعلم أن سالم قد فرّ، ولم يكن يعرف أين يقيم.
لم يقنع ذلك المحقق.. , توالت الأسئلة والاتهامات، ثم بدأ الضرب.. , كان الحاج حسن رجلًا مسنًّا، لا يملك ما يدفع به عن نفسه، ولم يفهم كيف صار غياب ابنه جريمةً يُعاقب عليها هو.
في البيت، فتش رجال الأمن الغرف والصناديق.. , قلبوا الصور القديمة، وفتحوا الأوراق، وعبثوا بأشياء لم تكن تعني لهم شيئًا، لكنها كانت تختزن حياة الأسرة.. , عثروا على أوراق كتب فيها سالم أبياتًا شعبية ومحاولات شعرية صغيرة، فقلّبوها بلا اهتمام، فيما كانت أمه تحاول أن تستعيد صورة طفولته من بين أيديهم.
بعد أسبوع، أُطلق سراح الحاج حسن.. , و عاد إلى البيت بوجه متورم وجسد أنهكه الضرب.. , لم تكثر زوجته من الأسئلة؛ ساعدته على الجلوس، وأحضرت له الماء، ثم جلست إلى جانبه تبكي بصمت.
منذ ذلك اليوم، صار البيت تحت المراقبة.. , كل صوت سيارة كان يعيد الخوف إلى قلب الأم، وكل طرقة على الباب تجعلها تنهض مذعورة.
أما سالم، فقد ظل في المدينة متخفيًا، يتنقل بحذر، لكنه لم يستطع الابتعاد عن الحي الذي نشأ فيه. كان يشتاق إلى رؤية أبويه، ويعرف في الوقت نفسه أن الشوارع لم تعد مكانًا آمنًا لمن تبحث عنه السلطة.
وفي أحد الأيام، خرج إلى الشارع، فوجد حملة اعتقالات واسعة تطال شبانًا من أماكن مختلفة.. , لم يكن أولئك الشبان رفاقه في الأهوار، ولم تكن لهم صلة بمجموعة الصيادين التي لجأ إليها.. , كانوا فتيةً اعتُقلوا من الشوارع، بعضهم بسبب الاشتباه، وبعضهم لأسباب لم تُشرح لهم أصلًا.
حاول سالم الابتعاد عن رجال الأمن، لكنه لم ينجح.., أوقفه أحدهم، طلب هويته، ثم أمسك بذراعه بعنف.. , قاوم سالم لحظات، لا بقصد القتال، بل بدافع الفزع، فانهالت عليه الضربات بأعقاب البنادق.
قال وهو يحاول حماية رأسه:
— لم أفعل شيئًا! دعوني!
لكن صوته ضاع وسط الصياح.. , دُفع إلى سيارة، وحُشر مع شبان آخرين، ولم يكن يعرف إلى أين يأخذونهم.
في تلك اللحظة، لم يكن يفكر في الأهوار ولا في خطة الهرب، بل في وجه أمه حين ستكتشف غيابه مرة أخرى، وفي أبيه الذي عانى التحقيق بسببه وهو لا يعرف بذلك ، وفي الباب الذي لن يطرق عليه هذه المرة كي يدخل إلى البيت.
كان عدد المعتقلين تسعة عشر شابًّا... ؛ لم تُتح لهم فرصة للدفاع عن أنفسهم، ولم يُخبروا بما ينتظرهم… ؛ اقتادوهم إلى مكان احتجاز، ثم ألبسوهم ثيابًا نسائية رثة، مختلفة الألوان، فضفاضة مهلهلة , وغطوا رؤوسهم بأوشحة، وأجبروهم على السير حفاةً أمام الحراس وعناصر حزب البعث والانضباط العسكري .
كان سالم ينظر إلى ثوبه الغريب، ثم إلى وجوه رفاقه.. , لم يكن في المشهد ما يدعو إلى الضحك، لكن بعض الحراس كانوا يتبادلون السخرية، كأن إذلال هؤلاء الشباب هو الغاية التي جاؤوا من أجلها.
لم يعرف سالم أسماء الجميع.. , كان يرى في وجوههم الخوف نفسه الذي رآه في وجه حسين قبل موته؛ خوف الإنسان الذي يدرك أنه صار في قبضة قوة لا تحتاج إلى إثبات شيء كي تعاقبه.
اقتادوهم في سيارة مكشوفة إلى ساحة نادي العمال الرياضي.. , كانت الساحة قد امتلأت برجال الأمن والحزبيين وبعض الضباط ، فيما أُجبر الناس على الحضور والوقوف في أماكن حُددت لهم.. , أُغلقت المداخل، وانتشر المسلحون عند البوابات، ولم يعد أحد يعرف إن كان يستطيع المغادرة.
وقف الفتية أمام الحشد، بثيابهم المهينة وأقدامهم الحافية.. , كان بعضهم يرتجف، وبعضهم يحدق في الأرض، وآخرون يرفعون رؤوسهم كأنهم يحاولون الاحتفاظ بما بقي لهم من كرامة.
صعد مزبان خضر، أحد أعضاء القيادة القطرية لحزب البعث، وألقى خطابًا اتهم فيه الشبان بالخيانة والجبن، وتحدث عن الرجال والوطن والواجب… ؛ و كأن الكلمات وحدها تستطيع أن تجعل الإكراه عدالةً، وأن تحول الرعب إلى فضيلة.
قال : إن العراق يحتاج إلى الرجال، وإن هؤلاء لا يستحقون إلا العقاب.
كان سالم يسمع الكلمات، لكنه لم يعد يحاول فهمها.. , لقد فهم ما يكفي من الحرب ليعرف أن الشعارات قد تكون أحيانًا غطاءً رقيقًا لقرار اتُّخذ سلفًا.
ثم صدر أمر إلى النساء الحاضرات بأن يطلقن الزغاريد.
في البداية، لم تتحرك امرأة واحدة.. , كان الصمت يملأ الساحة، فيما ظلت عيون النساء معلقة بالشبان الواقفين أمامهن.. , كيف يُطلب منهن أن يزغردن في حضرة موتٍ معلن؟! وكيف يمكن لزغرودة العرس أن تتحول إلى احتفال بإعدام أبناء لم يفعلوا سوى أنهم أرادوا البقاء أحياء؟!
ثم بدأت بعض النساء المنتميات إلى الحزب بالزغاريد، استجابةً للأمر، وارتفعت أصواتهن على نحو بدا غريبًا وسط الوجوه الشاحبة.. , أما نساء أخريات فبقين صامتات، ينظرن إلى الفتية بوجوه متجمدة.
قالت امرأة بصوت خافت:
— هذا ليس عرسًا، بل جنازة.
سمعها أحد رجال الأمن، فالتفت إليها وهددها… ؛ تراجعت المرأة، ووضعت يدها على فمها، كأنها تحاول حبس بقية الكلمات التي قد تودي بها إلى المكان نفسه.
أما أمينة، التي كانت تقف بين النساء، فقد رفضت أن تزغرد.
اذ قالت:
— هؤلاء أبناؤنا.
اقترب منها أحد الحراس، وأمرها بأن تنفذ ما طُلب منها.. , حاولت أن تصمت، لكنه هددها أمام الجميع.. , ارتجفت شفتاها، ثم خرج من فمها صوت مكسور، أقرب إلى النشيج منه إلى الزغرودة.
لم تكن تلك زغرودة فرح؛ كانت صرخة أم أُجبرت على المشاركة في طقس إهانة لا تستطيع إيقافه.
في تلك الأثناء، أخذ الحراس يربطون الشبان إلى أعمدة نُصبت في الساحة.. , قيّدوا أيديهم، ثم عصّبوا أعينهم.
حين وصل الدور إلى سالم، حاول أن يلتفت نحو الجمهور، كأنه يبحث عن وجه يعرفه، عن شخص يستطيع أن يشرح له ما يحدث أو أن يوقفه.. , لكنه لم يرَ سوى وجوه متوترة وأجساد متراصة، وبعض النساء اللواتي كنّ يبكين من دون أن يجرؤن على الاقتراب.
صرخ:
— أنا لست خائنًا! ارحموني!
لم يجبه أحد.
ثم نادى، وقد اختنق صوته:
— أمي! أمي!
كانت أمه بعيدة عنه، لا تعرف أين هو، ولا أن ابنها يناديها في لحظاته الأخيرة… ؛ أما أبوه، الذي لم يستطع حمايته من التحقيق، فلم يكن يعلم أن سالمًا صار واقفًا أمام فوهات البنادق.
أُعطيت الإشارة.
انطلقت الرصاصات متتابعة، فارتجفت الأجساد ثم سكنت.. , سقطت رؤوس، وانحنت ركبتان، وارتطم جسد بالأرض.. , لم تعد هناك حاجة إلى الأوامر، ولا إلى الخطاب، ولا إلى الزغاريد.
توقفت الأصوات فجأة.
ظل الحشد واقفًا، لا يعرف بعض أفراده أين ينظرون.. , ارتفعت رائحة البارود، وتحرك الغبار فوق الساحة، بينما كانت النساء اللواتي أُجبرن على الزغاريد يحدقن في الأجساد المسجاة.. , لم يعد في المشهد ما يمكن تسميته احتفالًا، ولم تعد الكلمات التي سبقت إطلاق النار قادرةً على إخفاء ما حدث.
كان تسعة عشر شابًّا قد انتهت حياتهم في دقائق.
ولم يكن أحد منهم قد دخل الأهوار مع سالم… , لم يكونوا جماعة الهاربين الذين احتموا بالقصب والماء، بل كانوا فتيةً التقطتهم حملات الاعتقال من الشوارع، ثم جُمعوا في هذا المكان ليُجعل من موتهم مشهدًا علنيًّا للتخويف.
أما سالم، الذي أراد أن ينجو من الحرب، فقد وجد نفسه أمام موتٍ آخر، لا يحتاج إلى قذيفة ولا إلى جبهة.
في تلك الليلة، كانت بغداد تواصل حياتها على ضفاف دجلة.
اذ جلس أحمد المصري، الذي قدم إلى العراق قبل عامين بحثًا عن العمل، في مقهى فخم يطل على النهر.. , و كان يتقاضى أجرًا جيدًا، ويستمتع بوقت فراغه، ويشعر أن الحياة في بغداد تمنحه فرصًا لم يجدها في بلده.. ؛ جلس إلى جواره صديقه الأردني، وراحا يتحدثان عن الرواتب والأسعار والعمل.
قال أحمد وهو يحتسي قهوته:
— العراق بلد ممتاز للعمل.. , الأجور جيدة، والمعيشة مقبولة، والنساء العراقيات جميلات , والحياة هنا أفضل مما كنت أتوقع.
نظر إليه صديقه مروان الأردني وقال:
— لكن العراقيين يموتون كل يوم في الحرب.. ؛ كثير من الشبان لا يعرفون إن كانوا سيعودون إلى بيوتهم.. ؛ هم يموتون من أجل العرب وحماية دول الخليج، ونحن نغازل نساءهم! يا لهم من حمقى ومساكين! … ثم ارتفع صوته بالقهقهة.
هز أحمد كتفيه.. ؛ وقال :
— وما شأني أنا؟ أنا ضيف هنا، ولست طرفًا في الحرب.. ؛ العراق يحارب إيران، فما علاقتي أنا بكل ما يجري؟ أنا أعمل وأتقاضى أجري، وهذا يكفيني.
لم يكن في صوته غضب أو شماتة؛ كان يتحدث بلامبالاة رجل فصل بين رزقه والمكان الذي يمنحه إياه، وبين حياته الخاصة ومحنة الناس العراقيين من حوله.
مرّت في الشارع سيارة مخصصة لنقل المثلجات، لكن داخلها كان عدد من الشبان المعتقلين مكدسين في ظروف مهينة.. ؛ لم يرَ أحمد المصري ما في داخلها، ولم يعرف إلى أين تتجه… واصل الحديث مع صديقه، فيما ظلت الموسيقى تنبعث من المقهى، وارتفعت الضحكات من الطاولات القريبة.
لم يكن أحمد ومروان يختلفان كثيرًا عن سائر العمال العرب الغرباء والوافدين الأجانب؛ فقد كان معظمهم مؤيدًا للنظام البعثي، أو، في أحسن الأحوال، غير آبه بما يتعرض له العراقيون من آلام وعذابات ومحن تفوق قدرة الإنسان على الاحتمال… ؛ بل إن كثيرًا منهم عملوا مع النظام البعثي جواسيسَ وعيونًا للأجهزة الأمنية والقمعية الصدامية، بدوافع طائفية وقومية مقيتة… ؛ ولم يقتصر الأمر على ذلك، إذ كان بعضهم يتنمر على العراقيين الذين يُقتلون في الجبهات وساحات المعارك، في الوقت الذي كانوا فيه ينعمون بخيرات العراق، ويتحرشون بالنساء العراقيات في الشوارع والطرقات، غير مكترثين بما يعانيه أبناء البلاد من ويلات الحرب ومآسيها.
كانت بغداد تجمع، في شوارع متجاورة، أناسًا يحتسون القهوة، وأمهات ينتظرن أبناءهن، وشبانًا يُساقون إلى أماكن لا يعرفونها… ؛ لم تكن المدينة واحدةً في تلك الليلة؛ كانت لكل فئة منها حياة مختلفة، ولكل حياة ثمن لا يدفعه الجميع بالتساوي.
وبعد أسبوع من إعدام الفتية التسعة عشر، طرق باب الحاج حسن رجل من الأمن.. , كان يحمل ورقة، ووقف أمام الأب بوجه جامد.
قال:
— ثمن الرصاص عشرون دينارًا، يا حاج.
حدق الحاج حسن فيه، ولم يفهم في البداية ما الذي يقصده.
— ثمن ماذا؟
— الرصاص الذي استُخدم في إعدام ابنك… ؛ عليك أن تدفع عشرين دينارًا.
ظل الأب ينظر إليه، كأن الرجل يتحدث بلغة لا يعرفها.. , ثم قال:
— أتريدون مني أن أدفع ثمن الرصاص الذي قتل ابني؟
أجابه الرجل:
— هذه أوامر.. , أنا موظف أنفذ ما يُطلب مني.
لم يصرخ الحاج حسن، ولم يضرب صدره، ولم ينهار… ؛ أطرق رأسه، وأدخل يده في جيبه، ثم أخرج محفظة قديمة، وأخذ يعدّ النقود بأصابع مرتجفة.
مدّ إليه العشرين دينارًا.
قال:
— خذها.
ثم رفع عينيه إلى الرجل:
— أنا لا أعرف القراءة والكتابة، لكنني أعرف أن الدم لا يُشترى بالدنانير.. , ابني لم يكن جبانًا، ولم يكن خائنًا.. ؛ كان صغيرا، وكل ما أراده أن يعيش.
تردد الرجل، لكنه لم يجب.
أضاف الأب:
— كم رصاصة تحتاجون لقتل شاب لم يتعلم بعد كيف يعيش؟ وهل تكفي عشرون دينارًا كي تنام أمه ليلًا؟ هل تكفي كي يعود صوته إلى البيت؟
حرّك الرجل الورقة في يده، وقال بارتباك:
— أنا مجرد موظف، يا حاج.. , ليست لي علاقة بالقرار.
نظر الحاج حسن إلى النقود التي انتقلت من يده إلى يد الرجل.
— وأما أنا فمجرد أب.. ؛ فلماذا صار لي شأن بكل هذا الموت؟!
لم يجد الرجل جوابًا.. , طوى الورقة، ووضع النقود في جيبه، ثم غادر مسرعًا، تاركًا الباب مفتوحًا خلفه.
ظل الحاج حسن واقفًا في مكانه.. , نظر إلى الباب المفتوح، ثم إلى يده الفارغة.. , لم يكن يفكر في العشرين دينارًا؛ كان يفكر في أن ابنه قُتل، ثم جاءه من يطالبه بثمن الرصاص، كأن موت سالم معاملة إدارية ينبغي تسويتها.
أغلق الباب ببطء.
لم يكن يعرف أسماء القوانين، ولا كيف تُكتب الشكاوى، ولا إلى أي جهة يمكن أن يذهب.. , لكنه عرف أن الجريمة لا تصبح أقل قسوة حين تُرفق بها ورقة مختومة، وأن الأوامر لا تعفي الإنسان من مسؤوليته إلى الأبد.
مرت الأيام، ثم الشهور، وبقي الحاج حسن يجلس أمام باب داره.. , لم يعد ينتظر عودة سالم كما كان يفعل في الأيام الأولى؛ صار ينتظر شيئًا لا يعرف اسمه، ربما خبرًا جديدًا، أو وجهًا يعرف ابنه، أو كلمة تعينه على احتمال الصمت.
كان كل شاب يمر في الشارع يذكّره بسالم.. , وإذا سمع ضحكةً تشبه ضحكته، رفع رأسه سريعًا، ثم أعاده إلى الأرض حين يتبين له أنه ليس ابنه.
أما الزغاريد، فقد صارت تؤلمه على نحو لا يستطيع شرحه.. , كلما ارتفع صوتها من بيت قريب، عادت إليه الساحة، والأعمدة، والعيون المعصوبة، والنساء اللواتي أُجبرن على الزغاريد فوق رؤوس الفتية.. , كان يشيح بوجهه، ويظل صامتًا حتى ينقطع الصوت.
وذات يوم، اقترب منه شاب لم يعرفه من قبل.
قال:
— أأنت الحاج حسن، والد سالم؟
رفع الأب رأسه.
— نعم. من أنت يا بني؟
— اسمي كريم.. , خدمت مع سالم في وحدته العسكرية، وقد نجوت مما أصاب كثيرًا من الجنود.. , جئت لأسأل عنه.
تبدلت ملامح الحاج حسن.. , اعتدل في جلسته، وحدق في وجه الشاب طويلًا.
— هل كنت تعرفه جيدًا؟
— نعم، يا حاج.
صمت الأب قليلًا، ثم قال:
— لماذا لم تنصحه ألا يهرب؟ لماذا لم تحاول إقناعه بالبقاء؟
انخفضت عينا كريم.
— لم أكن أعلم أنه سيهرب.. , لو أخبرني، لربما تحدثت إليه.. , لكنني لم أعرف إلا بعد فوات الأوان.
ظل الحاج حسن يراقبه، ثم سأله:
— هل كان خائفًا؟
أجاب كريم من دون تردد:
— نعم، كما كنا جميعًا.. , لكنه لم يكن جبانًا.. , كان يريد أن يعيش، وأن يعود إلى أهله.. , لم يكن يكره وطنه، ولم يكن يريد أن يخون أحدًا.
تحركت شفتا الأب، لكنه لم يقل شيئًا.
تابع كريم:
— كان سالم شابًّا عاديًّا، يا حاج.. , يضحك معنا أحيانًا، ويصمت أحيانًا أخرى.. , كان يخاف حين تشتد القذائف، لكنه لم يكن يترك رفيقًا يحتاج إليه.. , لم يكن يتحدث كثيرًا عن البطولة.. , كان يسألنا متى سنعود إلى بيوتنا.
أطرق الحاج حسن رأسه.. , كانت هذه التفاصيل الصغيرة أثمن عنده من كل ما سمعه عن الحرب؛ فقد أعادت إليه ابنه كما كان، لا كما وصفته السلطة.
قال بعد لحظة:
— كنت أريده أن يعود حيًّا.. , لا أريده بطلًا، ولا أريده صاحب مجد.. , كنت أريده أن يفتح الباب، وأن تناديه أمه، وأن يجلس إلى جواري كما كان يفعل.
لم يجد كريم ما يقوله.. , جلس إلى جانب الرجل العجوز قليلًا، ثم استأذن في الرحيل.
وبعد أن ابتعد، ظل الحاج حسن يراقب الشارع.. , لم يخفف كلام كريم من حزنه، لكنه أزال عن ابنه تهمةً ظلت معلقة في قلبه.. , صار يعرف أن سالمًا لم يكن جبانًا؛ كان شابًّا خائفًا أراد الحياة، في زمن عوقب فيه الناس لأنهم خافوا الموت.
في تلك الليلة، رأى الحاج حسن ابنه في المنام.
كان سالم يرتدي ثيابًا بيضاء، ووجهه هادئ، وعيناه صافيتين كما كانتا قبل الحرب.. , لم تكن على جسده قيود، ولم يكن حوله حراس، ولم يكن يسمع أصوات القذائف أو الصراخ.
اقترب من أبيه وابتسم.
قال الحاج حسن، بصوت اختلط فيه الفرح بالبكاء:
— سالم… يا بني!
أجابه سالم:
— لا تحزن يا أبي.. , أنا الآن في مكان لا حروب فيه، ولا زغاريد كاذبة، ولا رصاص يُشترى بالدنانير.. , لا أحد يطاردني، ولا أحد يتهمني بالخيانة.. , أنا الآن حرّ… حرّ يا أبي.
أراد الأب أن يسأله أشياء كثيرة: هل تألم؟ هل خاف؟ هل نادى أمه في لحظاته الأخيرة؟ وهل عرف أن أباه لم يتوقف عن انتظاره؟
لكنه لم يستطع الكلام.. , مد يده نحو ابنه، فابتعد سالم قليلًا، وبقي يبتسم، ثم أخذت صورته تتلاشى ببطء.
استيقظ الحاج حسن ودموعه على خديه.. , جلس على حافة الفراش، ووضع يده على وجهه.. , لم يكن الحلم دليلًا على أن ابنه قد عاد، لكنه منحه لحظات قليلة استطاع فيها أن يراه بعيدًا عن الخوف والرصاص.
نهض، وجلس عند عتبة الغرفة.. , كان الفجر يقترب، والبيت غارقًا في سكونه.. , نظر إلى الباب الذي لم يعد سالم يطرقه، ثم قال بصوت خافت:
— يا بني، أنا لم أتعلم القراءة والكتابة، لكنك علمتني أن الإنسان أغلى من الشعارات التي يرفعونها، ومن الكلمات التي يرددونها، ومن الحروب التي يرسلون أبناء الناس إليها ثم يسمّون موتهم واجبًا مقدسًا.
سكت قليلًا، ومسح دموعه.
لم يكن يعرف كيف يشرح ما حدث، ولا كيف يمنع الآخرين من تكراره.. , لكنه لم يعد يرى سالمًا في صورة الهارب الذي أخفق في النجاة؛ صار يراه شابًّا أراد أن يعيش، ولم تمنحه السلطة حتى حق الخوف.
مرت السنوات، ورحل الحاج حسن، ثم رحلت أم سالم.. , خفتت الأصوات التي كانت تعرف الحكاية، وتفرّق الجيران، وتبدلت وجوه الشارع.. , و بقيت صورة سالم في الصندوق الخشبي، شابًّا نحيلًا يبتسم للكاميرا، لا يعرف أن صورته ستعيش أطول من حياته.
لم يكن في الصورة ما يدل على الجبهة، أو الأهوار، أو غرفة التحقيق، أو ساحة نادي العمال الرياضي.. , لم تكن هناك أعمدة ولا بنادق ولا زغاريد.. , كان سالم فيها كما أراده أبوه أن يبقى: ابنًا في الثامنة عشرة، له وجه واسم وبيت، وكان من حقه أن يكبر.
وفي مكان ما، ربما بقيت امرأة تتذكر أنها زغردت تحت التهديد، أو رجل يتذكر أنه وقف في الحشد ولم يجرؤ على الكلام، أو موظف يتذكر أنه أخذ عشرين دينارًا من أب مكلوم.. , وربما لم يتذكر أحد منهم شيئًا؛ فالخوف، مثل العادة، يستطيع أن يجعل الفظائع جزءًا من يوم عادي…!!
لكن البيت الذي غاب عنه سالم احتفظ بأثره: في الصندوق، وفي عتبة الباب، وفي رائحة الطعام التي لم تعد تجد من ينتظرها، وفي زغاريد الأعراس التي كانت تصل من بعيد فتوقظ وجعًا قديمًا.
لم تكن زغاريد تلك الساحة زغاريد فرح، ولم يكن موت الفتية بطولةً كما أراد الخطاب الرسمي أن يصوره… ؛ كانت زغاريد في جنازة الورد؛ جنازة شباب لم يكتمل تفتحهم، وأمهات لم يستعددن للوداع، وآباء لم يملكوا سوى أن يشاهدوا أبناءهم وهم يغيبون خلف أبواب لا تُفتح.
أما سالم، فقد أراد شيئًا بسيطًا لم يكن يحتاج إلى خطبة أو بيان: أن يعيش، وأن يعود إلى البيت، وأن يأكل من طعام أمه، وأن يجلس قرب أبيه، وأن يظل اسمه اسمه، لا تهمةً تُلصق به ولا رقمًا يُضاف إلى قائمة الموتى... ؛ وكان ذلك، في زمنه، أكثر مما سمحت به السلطة.




