
ديمقراطية القوة…
هل يولد نظام دولي جديد دون شروط المنتصر؟
نشأ النظام الدولي القائم في أعقاب واحدة من أكثر الصفحات دموية في التاريخ الإنساني حين خلفت الحرب العالمية الثانية دمار شامل طال مختلف مظاهر الحياة بدءا بالإنسان وانتهاء بالنظم البيئية وأصغر الكائنات الحية وكانت الكارثة التي حلت بمدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين بفعل القنابل النووية صورة مأساوية عكست ما يمكن أن تبلغه القدرة التدميرية للإنسان وما يمكن أن تخلفه الحروب من آثار تتجاوز مرحلتها التاريخية لتظل حاضرة في الذاكرة الإنسانية وأجيالها اللاحقة و من رحم تلك المأساة ولدت منظومة دولية حملت وعود السلام والديمقراطية وحماية حقوق الإنسان وأسست مؤسساتها على افتراض أن البشرية بعد خروجها من مخلفات الحرب وويلاتها قد تعلمت أن وضع قواعد مشتركة للعلاقات الدولية قائمة على أساس العدل والاحترام من شأنه أن يحول دون تكرار المآسي ويحد من احتمالات وقوعها مجددا ، غير أن العقود اللاحقة كشفت من خلال ما شهدته من حروب وصراعات وأزمات إنسانية عن فجوة عميقة بين المبادئ التي أعلنتها هذه المنظومة وبين سياسات وموازين القوة الحاكمة فقد ظلت المؤسسات الدولية في كثير من محطاتها مقيدة بالمصالح السياسية والاستراتيجية للقوى الكبرى بل تحولت من آليات لحماية الشعوب وحقوقها إلى أدوات لكبحها و معاقبتها الأمر الذي أسهم في فقدان الثقة بقدرة النظام الدولي القائم على تحقيق الأهداف التي أنشئ من أجلها. واليوم ومع تصاعد مؤشرات التحول في موازين القوى الدولية وتراجع معظم القواعد التي شكلها النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية يقف العالم على أعتاب ولادة نظام عالمي جديد متسائل هل سيتم تأسيس ديمقراطية حقيقية وعدالة دولية متكافئة تكونان بديل عن منظومة أستهلكت أدواتها وأفرغت من محتواها؟ أم أننا أمام إعادة إنتاج نسخة تشبه النظام القديم ولكن بوسائل أكثر تطور وقدرة على استغلال الشعوب هذه الشعوب التي نضجت وأصبحت تطالب بالحرية والديمقراطية لها ولغيرها من شعوب الأرض وتعلمت أن الديمقراطية التي تفرضها الطائرات و الصواريخ ليست ديمقراطية بل هي إرادة المنتصر حين ترتدي ثوب الحرية فالعدالة لا تقاس بعدد القنابل التي تسقط ولا تقدم إلى الشعوب على وقع المدافع و إنما تبنى باحترام إرادتها وحقوقها وسيادتها و بخضوع الجميع لأحكام القانون الدولي دون انتقائية أو استثناء.
فهل يشهد العالم بزوغ ديمقراطية حقيقية تجعل الإنسان وحقوقه وسيادته جوهر النظام الدولي الجديد؟ أم أننا أمام ديمقراطية المنتصر تجعل الشعوب تدفع ثمن نظام عالمي تتغير فيه الوجوه والشعارات بينما تبقى قواعد الهيمنة والإستبداد على حالها؟
علي عبيد عيسى





