
محمد حسين المياحي
لم تعد تداعيات السياسات الإيرانية محصورة في حدود الدولة الإيرانية أو في طبيعة الصراع بينها وبين خصومها الدوليين، بل أصبحت عاملا مؤثرا في أمن منطقة الشرق الأوسط واستقرارها، من الخليج إلى بلاد الشام، مرورا بالعراق واليمن. ومع تكرار الأزمات العسكرية، وتصاعد خطاب التهديد، واستمرار التدخلات الإقليمية، يبرز سؤال جوهري: هل يمكن معالجة هذه المخاطر من خلال التسويات الدبلوماسية المؤقتة، أم أن جذورها تكمن في طبيعة النظام السياسي الذي ينتجها ويعيد إنتاجها؟
إن التجربة الممتدة منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979 تطرح تساؤلات جدية حول جدوى الرهان على تغيير سلوك النظام من خلال الضغوط الخارجية أو الاتفاقات المرحلية وحدها. فالتفاهمات السياسية، مهما بلغت أهميتها، قد تنجح في احتواء أزمة أو تأجيل مواجهة، لكنها لا تضمن بالضرورة معالجة الأسباب البنيوية التي تجعل الأزمات تتكرر.
ومن هذا المنطلق، يطرح أنصار التغيير الجذري للنظام الإيراني أن الحل الأكثر استدامة يبدأ من داخل إيران نفسها، عبر تمكين الشعب من تقرير مستقبله السياسي، وإنهاء بنية الحكم القائمة على احتكار السلطة وتقييد الحريات وإقصاء التعددية السياسية.
وفي هذا السياق، تبرز المقاومة الإيرانية المنظمة بوصفها أحد أبرز تعبيرات المعارضة السياسية التي واجهت النظام منذ تأسيسه وحتى اليوم. فقد حافظت على حضورها السياسي والتنظيمي خلال عقود طويلة، رغم ما تعرضت له من ملاحقات وقمع، وتمكنت من إبقاء قضية التغيير السياسي في إيران حاضرة في النقاش الدولي.
ولا تقتصر أهمية المعارضة المنظمة على موقفها الرافض لسياسات السلطة، بل تتصل أيضا بقدرتها على تقديم مشروع سياسي بديل، وطرح تصورات تتعلق بمستقبل الدولة الإيرانية وطبيعة نظام الحكم والعلاقة بين الدين والسياسة، وحقوق القوميات والمكونات المختلفة، وضمان الحريات والتعددية.
ومع ذلك، فإن الاعتراف بأهمية المقاومة المنظمة لا ينبغي أن يتحول إلى افتراض أنها تمثل وحدها جميع أطياف المجتمع الإيراني أو أن شرعيتها السياسية محسومة سلفا. فإيران مجتمع متنوع، وتيارات المعارضة فيه متعددة، وأي مشروع تغيير مستدام يحتاج إلى قاعدة شعبية واسعة، وإلى احترام حق الإيرانيين في اختيار مستقبلهم بحرية.
إن الرهان على التغيير الداخلي يختلف جذريا عن الدعوات إلى التدخل العسكري أو إسقاط الأنظمة بالقوة الخارجية. فالأخير قد يفتح أبوابا جديدة للفوضى والصراعات، بينما يقوم التغيير الذي يستمد شرعيته من إرادة المواطنين على بناء مؤسسات سياسية جديدة، تضمن تداول السلطة وتحترم الحقوق الأساسية.
ومن هنا تبرز مسؤولية المجتمع الدولي في التعامل مع القضية الإيرانية من زاوية حقوق الشعب وتطلعاته، لا من زاوية المصالح الأمنية والصفقات السياسية وحدها. فدعم الحريات، وحماية المعارضين، ومساندة حق الإيرانيين في التنظيم والتعبير والعمل السياسي السلمي، تمثل أدوات أكثر اتساقا مع حق الشعوب في تقرير مصيرها.
كما أن دول المنطقة، التي دفعت أثمانا باهظة نتيجة الصراعات والتدخلات، معنية بمستقبل إيران المستقرة، لا إيران التي تعيش في عزلة ومواجهة دائمة مع محيطها. فالتغيير السياسي الذي يفضي إلى دولة طبيعية، تحترم سيادة جيرانها وتلتزم بمبادئ عدم التدخل في شؤونهم، يمكن أن يشكل تحولا مهما في معادلات الأمن الإقليمي.
إن مستقبل إيران لا ينبغي أن يبقى رهينة قرارات القيادة الحاكمة أو حسابات القوى الدولية، بل يجب أن يكون حقا أصيلا للشعب الإيراني. والمقاومة المنظمة، بما لها من تاريخ وتجربة سياسية، تمثل أحد الأطراف التي ينبغي أن يكون لها حضور في أي نقاش جدي بشأن مستقبل البلاد، على أن يظل الحكم النهائي لإرادة الإيرانيين الحرة.
فالمشكلة الإيرانية، في جوهرها، ليست مجرد خلاف بين طهران وواشنطن، ولا صراعا على النفوذ في الشرق الأوسط، وإنما هي أيضا قضية شعب يبحث عن الحرية والكرامة والحق في اختيار نظامه السياسي.
إن استقرار المنطقة لن يتحقق بمجرد إطفاء حرائق الأزمات الإيرانية المتعاقبة، بل يحتاج إلى معالجة أسباب اشتعالها. وأي مستقبل مختلف لإيران ينبغي أن يبدأ من حق شعبها في أن يكون صاحب القرار الأول والأخير في تحديد شكل دولته ونظام حكمه.



