
في وداع شيبة الحمد
المجاهد/عبدالله أحمد القعود
يوم الوداع أصبحت الحروف ثكلى ، والكلمات قاصرة، والرموش ثقيلة عن حمل دمعاتها، والشرايين أسيرة لا تقدر على وصف ما بالقلب إذ هي بعض منه من هول وقع الخطب.
نعم حين تريد أن تحكي عن رحيل والدك الذي يفيض ، نُبلاً ، وطُهراً ، وزكاءاً، وصدقاً.. حيث يشع خطابه أخلاق ، ويجسد الإيمان قولاً وعملاً وسلوكاً، فإن العبارات تصبح عاجزة أمام رجل على مدى مئة عام ( قرن من الزمان ) كان محل إجماع من القلوب على حبه وتقديره لما حاز من مكارم الأخلاق وقيم الخير والفضيلة.
هو المتفقه في الدين الذي تولى محمدا وآل محمد صلوات الله عليهم وأَلِف العلماء، فقد صحب وتعلم من العالم الرباني : السيد العلامة ؛ حمود بن عباس المؤيد ، الذي تأثر به وتخلق بأخلاقه وسلك مسلكه في العبادة والأخلاق ، وملازمة الذكر وتلاوة القران الكريم
حيث كان الحراب مقامه ، والمسجد منبره الذي يخطب فيه، ويُعلِم حلقات القرآن منه ويعكف على الصلاة ، والقربات.
هو المرشد الذي يعلم الصغار القراءة والكتابة في حِلهِ وترحاله ، هو المتواضع الذي عاش على البساطة والكفاف ، هو المزارع الذي يبتغي الرزق الحلال من عرق جبينه في أعمال الزراعة، هو الذي لم يكن يشغله عن المسجد والصلاة في كل فرض في جماعة وإمامة المصلين.
هو المتعبد الناسك الذي يطيل التهجد والقيام في جنح الليالي والخلوات ،
وهو المجاهد الذي ينفق بسخاء رغم قلة ذات اليد.
يوعي ويشجع المجاهدين على التحرك ، ومواجهة العدوان ،— ولا أنسى لحظات استقباله لي جريحا وهو يقول الحمد لله نحن راضين حتى بالشهادة — حيث هذا الموقف زرع في نفسي معنويات عالية.
هو الزاهد الذي لا مجال في قاموسه للجشع والمطامع، هو المحسن الذي يهتم بالآخرين بكل مايتمكن منه ، هو طاهر اللسان الذي لم نسمع ولم يسمع الآخرون أن خرجت من لسانه كلمة فحش أو سب أو تجريح أو باطل أو لغو.
هو المحب للناس والاجتماعي الذي لا تجد له خصوم .
أبي الغالي العزيز سيشتاق لك مسجدك ، ومحرابك ، ومسبحتك ، ومصحفك ، وصحيفة الدعاء – الصحيفة السجادية – سيفتقدك أحبابك وما أكثرهم ! ومعاريفك وما أكثر حبهم لك ، وسيتوق لك كل الخيرون ، سيفتقدك أقاربك الذين كنت تمثل لهم القلب الحاني والحضن الدافئ والمنهل العذاب والمورد الصافي .
ستبكيك المكارم ، والمآثر ، والفضائل ،
لقد تركت لنا إرثاً واسعاً من الفضل والقدوة الحسنة ، تجعلنا نلتجئ إلى الله أن يوفقنا للسير على دربك .
إن الدمع لغزير وإن القلب لمكلوم ، وإن الفكر مبعثر من هول الصدمة ، وجلالة الموقف لكن عزاؤنا أن صفحتك ناصعة البياض في الحياة وعند الرحيل ويوم القدوم على الله ووجهك أبيض وصحيفة أعمالك نقية طاهرة في السر والعلن .
فيا نعم الحياة ويا نعم الفوز .
وداعاً على ملة رسول الله وفي درب الصالحين ، ولتسعد في ضيافة الله .
وحتى موعد اللقاء يا والدي سأروي الطيف والخاطر حنينا ليس له نهاية.
يَٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفۡسُ ٱلۡمُطۡمَئِنَّةُ (27) ٱرۡجِعِيٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةٗ مَّرۡضِيَّةٗ (28) فَٱدۡخُلِي فِي عِبَٰدِي (29) وَٱدۡخُلِي جَنَّتِي (30)
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
إنا لله وإنا إليه راجعون