
د. فاضل حسن شريف
عن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله تعالى عن انكدرت “وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ” (التكوير 2) وانكدار الشيء انقلابه حتى يصير أسفله أعلاه والمراد من انكدار النجوم تساقطها وانتثارها. وفي الآية 2 من سورة الانفطار: “وإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ”.
يتلخص مفهوم “الانكدار” في المعاجم اللغوية وفي الاستعمال القرآني في معنيين رئيسيين متكاملين: الأول حسي يرتبط بزوال الصفاء والضوء، والثاني حركي يرتبط بالسقوط والتساقط. أولاً: مفهوم الانكدار في اللغة: أصل المادة اللغوية (ك-د-ر) يدور حول خلاف الصَّفاء والرَّواء، ويأتي على وجهين: زوال الصفاء والظلمة (تغيُّر اللون أو الحالة): يُقال: كَدِرَ الماءُ وانكدر إذا زالت صفاوته وصار شائباً غير صافٍ (ضدّ الصَّفاء). ويُقال: كَدِرَ العَيْشُ إذا ذهبت لذّته وحلّت به الهموم والكدر. الانسكاب والسقوط والسرعة (الحركة والانقضاض): يُقال: انكَدَرَ الطائرُ أو انكدر البازي إذا انحدر وانقضّ بسرعة من أوج السماء نحو الأرض. ويُقال: انكدر القومُ إذا انصبّوا وتدافعوا متساقطين أو متسارعين. ثانياً: مفهوم الانكدار في القرآن الكريم: ورد مصطلح الانكدار في القرآن الكريم في موضع واحد وبصيغة الفعل الماضي في سورة التكوير: “وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ” (التكوير 2) وقد جمع المفسرون بين المعنيين اللغويين لتوضيح ما يحصل للنجوم والأجرام السماوية عند قيام القيامة: انكدار النور (الظلمة وانطفاء البريق): أي أن النجوم تفقد بريقها وصفاء ضوئها، فتتغير حالتهم من الإضاءة والتلألؤ إلى الظلمة والكدورة. تساقط النجوم وانقضاضها: أي أن النجوم تتناثر وتتساقط من مداراتها وأماكنها في السماء بسرعة وانقضاض، نتيجة اختلال نظام الجاذبية الكونية الذي يمسكها. الخلاصة: الانكدار القرآني للنجوم هو اجتماع انطفاء نورها مع تناثرها وسقوطها، وهو مشهد من مشاهد تحول العالم المادي ونهايته عند الشروع في البعث والقيامة.
جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى عن انكدرت “وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ” (التكوير 2) (انكدرت): من (الإنكدار)، بمعنى السقوط والتناثر، واشتق من (الكدورة)، وهي السواد والظلام. ويمكن جمع المعنيين في الآية، لأنّ النجوم في يوم القيامة ستفقد إشعاعها وتتناثر وتسقط في هاوية الفناء، كما تشير إلى ذلك الآية (2) من سورة الإنفطار: “وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ” (الانفطار 2)، والآية (8) من سورة المرسلات: “فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ ” (المرسلات 8).
في تفاسير الشيعة الإمامية (مثل تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي، ومجمع البيان للشيخ الطبرسي، والتفسير الأمثل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي)، يقع تفسير الآية الثانية من سورة التكوير: “وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ” (التكوير 2) ضمن مشاهد قيام الساعة والتغيرات الكونية الكبرى التي تطرأ على هذا العالم قبل تمام البعث والنشور. 1. المعنى اللغوي لـ “انكدرت” يذكر المفسرون اللغويون والتفسيريون معنيين رئيسيين للفظة “انكدرت” في هذا السياق، وكلاهما يكمل الآخر: التناثر والانتشار والسقوط: يُقال: “انكدر القوم” إذا تساقطوا وتفرقوا، و”انكدر البازي” إذا انقضّ وهبط. وبناءً على هذا المعنى، فإن الآية تشير إلى اختلال نظام الجاذبية الكونية والتوازن بين الأجرام السماوية، مما يؤدي إلى تساقط النجوم وتناثرها وانقضاضها عن مداراتها وأماكنها. الانطفاء وذهاب الضوء والصفاء: يُقال: “تكدر الماء” إذا زالت صفاوته ولطافته وجلاؤه، وضد الصفاء الكدورة. وتفسر الآية على هذا الوجه بـ: انطفاء ضوء النجوم وذهاب بريقها وظلمتها، حيث تفقد طاقتها ونورها الذي كانت تزين به السماء وتضيء به الوجود. 2. التفسير والتحليل في المصادر الشيعية: الارتباط التكاملي مع الآية الأولى (“إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ” (التكوير 2)): يوضح العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان أن هذه المشاهد الكونية المتتابعة في بداية سورة التكوير تصوّر نهاية النظام الحالي للعالم المادي تمهيداً لبروز العالم الآخر. فكما تُلفّ الشمس ويذهب ضوؤها وتطوى، فإن النجوم كذلك تفقد نورها وصفاءها وتتساقط متناثرة. الدلالة الكونية والعقائدية: يرى الشيخ مكارم الشيرازي في التفسير الأمثل أن الآية تلفت النظر إلى أن أجرام هذا الكون العظيم، رغم صلابتها وثباتها الممتد لمليارات السنين، هي أجرام حادثة ومخلوقة ومربوطة بأمر الله وقدرته، ولن تستمر إلا إلى أجل مسمى؛ حيث تتهاوى تلك المنظومات العظيمة وتنتهي طاقاتها عند قيام القيامة. تأكيد البصائر وحقيقة زوال الدنيا: يربط مفسرو الشيعة بين هذه الآيات وتنبيه الإنسان إلى عدم الاغترار بالدنيا وزينتها، فالمظاهر الكونية الهائلة التي يعتمد عليها البشر في تقويم أوقاتهم وإنارتهم ستتغير وتتكدر عند النداء الإلهي الأخير.
