
حسن هادي
ليس من السهل اختزال تجربة الكاتب العراقي رياض سعد في توصيف واحد؛ فهو لا يستقر عند حدود المقال السياسي، ولا يكتفي باستعادة التاريخ، ولا يتعامل مع الأدب بوصفه ترفاً لغوياً منفصلاً عن قضايا الإنسان والمجتمع ؛ ثمة نزوع واضح في كتاباته إلى جعل الكلمة أداةً للمساءلة، والأفكار موضوعاً للتشريح، والذاكرة العراقية ميداناً مفتوحاً للصراع والتأويل.
في مشروعه الكتابي، تتداخل السياسة بالتاريخ، والفلسفة بالاجتماع، والهوية بالأنثروبولوجيا، فيما تحتل المقالة موقعاً مركزياً بوصفها وسيلةً لمواجهة الروايات السائدة، وتفكيك المسلّمات، واستعادة الأسئلة التي كثيراً ما تُدفن تحت ركام الشعارات.. , وهو، بهذا المعنى، لا يكتب عن العراق فحسب، بل يحاول الكتابة في العراق ومن داخله، مستحضراً تناقضاته التاريخية والاجتماعية والسياسية.
وتبدو إحدى أبرز سمات تجربته في نزعتها النقدية الحادة، ولا سيما تجاه الخطابات التي يراها مسؤولة عن تشويه الوعي الوطني أو إعادة إنتاج التبعية والتجزئة.. ؛ غير أن قوة النقد لا تُستمد من حدّة الموقف وحدها، بل من قدرته على إقامة الدليل، وتجاوز الأحكام المسبقة، والتمييز بين الوقائع التاريخية وتأويلاتها.. , وهنا تحديداً تتحدد المسافة بين الكاتب الجدلي والباحث الذي يستطيع تحويل الجدل إلى معرفة.
أما لغته، فتتسم في كثير من كتاباته بالنبرة التعبيرية والاشتباك البلاغي، وهو ما يمنح المقالة حضوراً وتأثيراً، لكنه يفرض عليها، في المقابل، ضرورة الموازنة بين حرارة التعبير وهدوء التحليل.. ؛ فالفكرة العميقة لا تحتاج دائماً إلى صوت مرتفع، والحجة المحكمة قد تكون أكثر نفاذاً من العبارة الصاخبة.
وفي الجانب الأدبي، تتكشف ملامح أخرى من تجربته؛ إذ يتجاوز الاهتمام بالشأن العام إلى استكشاف الإنسان في هشاشته وقلقه واغترابه، وتتحول الكتابة أحياناً إلى مساحة لاستعادة الذاكرة الشخصية والاجتماعية، بما تحمله من وجع وفقد وتحولات.. , وهذا التداخل بين الكاتب السياسي والكاتب الأدبي يمنح تجربته إمكانات تتجاوز المقالة اليومية نحو مشروع ثقافي أوسع.
لكن السؤال الذي يظل مطروحاً أمام هذه التجربة هو: هل يمكن لهذا التعدد أن يتحول إلى منظومة فكرية متكاملة، تتجاوز وفرة المقالات إلى إنتاج مرجعية معرفية واضحة المعالم؟
إن ذلك يتطلب مزيداً من التراكم البحثي، والتوثيق المنهجي، وإعادة تنظيم الأفكار ضمن مشاريع أكثر شمولاً، بحيث لا تبقى المقالات جزرًا متفرقة، بل تتحول إلى فصول في رؤية واحدة.
إن رياض سعد، بما يطرحه من أسئلة وما يثيره من سجالات، يمثل نموذجاً للكاتب الذي لا يطمئن إلى الأفكار الجاهزة، ولا يرى في الكتابة مجرد ممارسة إعلامية، بل محاولة دائمة لمقاومة النسيان والتضليل والابتذال الفكري.. , وتبقى القيمة الأعمق لهذه التجربة مرهونة بقدرتها على الانتقال من مشاغبة الأفكار إلى تأسيس مشروع ثقافي متماسك، يجعل من النقد وسيلةً للفهم، ومن التاريخ أداةً للوعي، ومن الكتابة مسؤوليةً تجاه العراق والإنسان ؛ فالمشاغبة الفكرية قد تمنح الكاتب حضوره، لكن المشروع الثقافي وحده يمنحه أثره الباقي.





