نوفمبر 6, 2026
FB_IMG_1793941733268

تِشْرِينَ مِنْ فَرَنْسَا إِلَى الْعِرَاقِ…قبلةٌ للشيطان أم قبلةٌ للحرية
حين تتشابه المطالب وتختلف الاستجابات
✍️ محمد فخري المولى
بغداد تشرين الثاني ٢٠٢٦

​صورة واحدة قد تختصر ما تعجز عنه صفحات فتاة فرنسية تقف بثقة كاملة أمام رجل أمن في قلب تظاهرة
لا تراجع في ملامحها بل إصرار على الحق في الاحتجاج بينما يقف العسكري بهدوء ودرعه الذي صُنع للحماية يتحول إلى مرآة تعكس صورتها وإرادتها
​تشرين فرنسا يناظر تشرين العراق
​تشرين ليست شهراً في التقويم فقط
بل يمكن أن تكون ذاكرة للمطالب التي لم تجد طريقها الكامل إلى التنفيذ
أما قبلة الشيطان إن استعرنا هذا التعبير فليست في صورة متظاهرة أو في اختلاف سياسي بل في أن تتحول المطالب العادلة إلى مادة للاستغلال وأن يصبح غضب الناس سلعة في سوق المصالح وأن يُستبدل الإصلاح الحقيقي بتبادل الاتهامات والشعارات
​لتبقى الرسالة الأهم أن قوة الدولة لا تظهر في قدرتها على إسكات الشارع
بل في قدرتها على الإصغاء إليه.

​أزمة منصب وكفاءة
​التظاهرة العراقية كانت أبعد من طلب وظيفة أو خدمة بل كانت سؤالاً عن طبيعة الدولة نفسها عملها ومن يحدد أولوياتها وهل المواطن شريك في بنائها أم جمهور يُستدعى يوم الانتخاب ثم يُترك لمواجهة أعبائه
لقد أفرزت المراحل السياسية المتعاقبة اختلالاً خطيراً بين المنصب والكفاءة وبين المسؤولية العامة والولاء الحزبي فتحولت الوظيفة إلى حصة والخدمة إلى أداة نفوذ والموارد العامة إلى وسيلة لتعزيز الولاءات فتتراجع ثقة المواطن بالدولة حتى لو بقيت مؤسساتها قائمة شكلا.

​حين يصبح الاحتجاج مرآة للمجتمع
​الاحتجاج ليس دليلاً على ضعف الدولة كما أن الهدوء ليس دليلاً على رضا المجتمع قد يكون الاحتجاج علامة حيوية على قدرة المجتمع على التعبير بينما يعكس الصمت أحياناً اليأس والخوف وفقدان الثقة بإمكانية التغيير
​هنا لا بد من التمييز الحاسم بين الدولة (كمؤسسات وقانون وخدمات) والسلطة (كإدارة سياسية قابلة للتغيير والمحاسبة) الدفاع عن الدولة لا يعني منح السلطة حصانة من النقد ونقد الحكومة لا يعني معاداة الوطن.

من تشرين إلى المستقبل
​معالجة أسباب التظاهرات تحتاج إلى أكثر من خطاب مؤقت بل تتطلب
١. مؤسسات رقابية مستقلة وفاعلة
٢. انتخابات تعزز المحاسبة الحقيقية لا تدوير الوجوه
٣. إدارة عامة تقوم على الكفاءة لا الوساطة
٤. قضاء قادر على تطبيق القانون على الجميع
٥. ثقافة سياسية ترى في المواطن صاحب حق لا تابعا، وفي الاختلاف فرصة للتصحيح لا تهديدا يجب إسكاته
فلا ينبغي أن نقارن فرنسا والعراق بحثا عن نظام بلا عيوب، فلكل مجتمع ظروفه. المقارنة الأجدى هي أن نسأل: ما الذي يجعل المؤسسات قادرة على احتواء الغضب وما الذي يحول المطالب إلى إصلاح مستدام
أما قبلة الشيطان، إن استعرنا التعبير فليست في صورة متظاهرة أو اختلاف سياسي بل في أن تتحول المطالب العادلة إلى مادة للاستغلال وأن يصبح غضب الناس سلعة في سوق المصالح وأن يُستبدل الإصلاح بتبادل الاتهامات.

تشرين هو اختبار للدولة
تبقى الرسالة الأهم: قوة الدولة لا تظهر في قدرتها على إسكات الشارع، بل في قدرتها على الإصغاء إليه. وشرعية النظام لا تكتمل بصندوق الاقتراع وحده، بل تتجدد كلما شعر المواطن بأن صوته وكرامته وحقوقه لها مكان حقيقي في صناعة القرار وفي دستور يحتضن أم حزب يوزع أم قوة تمنع وعلى إجابة هذه الأسئلة يتحدد إن كان تشرين القادم سيكون قبلة حياة أم قبلة للشيطان أم ب​ثقافة سياسية ترى في المواطن صاحب حق لا تابعاً وفي الاختلاف فرصة للتصحيح لا تهديداً يجب إسكاته.

​الخلاصة:
تشرين ليس شهراً في التقويم بل هو اختبار للدولة وإن استنطاق المشهد من باريس إلى بغداد يعلمنا أن الأوطان لا تُبنى بالشعارات الفضفاضة ولا بالمحاصصة بل تُبنى بالإنسان وعزيمته وبدولة ترعى حقوق مواطنيها لا رعاياها.

تقديري واعتزازي
✍️ #محمد_فخري_المولى
ادارة مجموعات

#العراق_بين_جيلين ١
https://chat.whatsapp.com/DvjwsbOy8Lr5kU84dPidAt

#العراق_بين_جيلين ٢
https://chat.whatsapp.com/HyhpIgkknjjGl8ZW4xDuZi