الكاتب : احمد الحاج جود الخير
—————————————
اليوم وبينما كنت في طريقي لمتابعة آخر مستجدات تأهيل وإعمار شارع الرشيد كجزء من أنشطة وفعاليات اختيار بغداد عاصمة للسياحة العربية 2025، وبينما كانت أشعة الشمس التموزية اللاهبة تكفي لقلي البسطرمة بالبيض،ومثلها إعداد أطباق الطماطم بالدهن ، والمخلمة،زيادة على – تخدير – الشاي ومن دون الحاجة الى أي مصدر حراري يذكر ، صدح أذان الظهر من منارة جامع المرادية الأثري العريق وبصوت عذب عراقي رقراق يأسر القلوب ، ويشنف الأسماع ، ويخلب الألباب، وما إن انتهت الصلاة الهادئة الخاشعة الجميلة حتى فرحت جذلا بمنظر طابور في غاية التنظيم يصطف فيه الكادحون والعاطلون والمتعففون والمشردون زيادة على الفقراء والمساكين من أبناء المنطقة التراثية القديمة وهم يتسلمون تباعا وبعلب نظيفة وأنيقة، طعام الغداء مع قناني اللبن الشنينة الباردة والخبز الحار بكل محبة ومودة واحترام وتقدير من”المطبخ الخيري” التابع الى جامع المرادية الواقع قرب الباب الفرعي الثاني في أقصى يمين الجامع والكل يحمد الله تعالى ، ويثني على ادارة المسجد كل خير ، ويدعو للمحسنين والمتبرعين من حر مالهم إما عينا ،وإما نقدا ليظل المطبخ الخيري عامرا ومفتوحا طوال العام يقدم خدماته ووجباته كل يوم اثنين وخميس ظهرا ، اضافة الى وجبة الفطور اليومية طوال شهر رمضان الفضيل …
هنا وفي هذه اللحظة المباركة ولجت الى الجامع جنازة محمولة على الأكتاف قادمة من مدينة الطب القريبة وإذا بحملة النعش يتوجهون الى – المغسل المجاني- في أقصى يسار الجامع الخلفي لتغسيل المتوفى وتكفينه وتجهيزه قبل أداء صلاة الجنازة عليه في الحرم الخارجي للجامع ،والكل يحمد الله تعالى ، ويشكر ادارة الجامع ، ويثنون على جهود المتبرعين والمحسنين والمتصدقين بالأكفان والنعوش والقطن والسدر والكافور الى هذا المغسل المجاني .
ولم أكد أخرج من الجامع حتى وقع بصري على المركز القرآني الإقرائي المجاني الواقع في الجهة الأمامية اليسرى للجامع لتعليم وتحفيظ القرآن الكريم لأبناء المنطقة …
ولم يتبق – وهذا ما أتمناه من كل قلبي على ادارة الجامع المبارك – غير افتتاح عيادة خيرية مجانية صغيرة مع صيدلية مجانية ملحقة بها لتمارس عملها في علاج المرضى المتعففين بين صلاتي العصر والمغرب ، وبواقع يوم واحد في الاسبوع على الاقل يشرف عليها – تطوعا – أطباء من مختلف الاختصاصات على أن يخصص كل يوم منها لحالات مرضية محددة ،الأسبوع الأول لأمراض الباطنية والقلبية، الأسبوع الثاني لأمراض الأنف والأذن والحنجرة ، وهكذا دواليك ..كما أتمنى على ادارة الجامع المبارك وهذه موصولة الى كل أئمة وخطباء المساجد المركزية والتراثية والمناطقية الكبيرة ،افتتاح مكتبة مجانية مكيفة تملأ رفوفها المراجع والمصادر القديمة والحديثة التي يتبرع بها الورثة والمحسنون والمخصصة لطلبة الدراسات الأولية والعليا في علوم الآلة والغاية والتاريخ والأدب العربي والتراث،بين التاسعة صباحا والثالثة عصرا …
كما أتمنى أيضا ووفقا لمقترح جميل كتب في التعليقات ، وضع صندوق معدني ، أو خشبي يشبه صندوق الرسائل مخصص لوضع أسئلة المستفتين الورقية، ومن ثم يصار الى ارسال الاسئلة والاجابة عليها من قبل أهل العلم والاختصاص لتذاع الإجابات بعد ذلك في يوم مخصوص داخل المسجد واقترح أن يكون يوم الجمعة بعد الصلاة ، ولكن من دون ذكر الأسماء ” فقط ذكر السؤال وجوابه ” نحو ” سائل يسأل كذا وكذا ،وجواب سؤاله بعد عرضه على أهل العلم هو كذا وكذا ” ،على أن تطبع الاسئلة وأجوبتها نهاية كل عام هجري في كتيب أنيق وصغير بعنوان جامع هو: “أنت تسأل وأهل العلم يجيبون”ليوزع الكتيب بين المصلين للفائدة العامة.
والحق أقول لكم بأن ليس هناك على سطح هذا الكوكب المبتلى بالحروب والمجاعات والجائحات الوبائية أجمل،ولا أروع ،ولا أطهر،ولا أنفع للبشرية من المسجد الجامع الذي يشع نورا وخيرا وفقها وعلما وفضيلة بكل الاتجاهات وفي كل وقت وحين …
بقي أن تعرف بأن جامع المرادية كان قد شُيد من قبل الوالي العثماني مراد باشا، سنة 978 هـ/ 1570م، وسميِّ نسبة اليه ” جامع المرادية “، ليتم تجديده الجامع في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، سنة 1319 هـ / 1901 م، وللجامع مئذنة غاية في الجمال والروعة فضلا على قبة كبيرة في منتهى الاتقان، مع عدد من القباب الصغيرة المجاورة، وكأن المئذنة أب، والقبة أم، وبقية القباب الصغيرة ابناءهما من ذكور وأناث !ولعل أشهر من أمَّ للصلاة في هذا الجامع التراثي العريق ، وخطب فيه الجمعة، ودرس َّ فيه هو الشيخ كمال الدین بن عبد المحسن الطائي، وعندما أقول كمال الطائي، فأنا أتحدث هاهنا عن شيخ من المشايخ غير التقليديين حيث كان رحمه الله تعالى استاذا للعلوم الشرعية، وشيخا وواعظا وإماما وخطيبا وصحفيا في نفس الوقت، وقد أصدر وترأس تحرير العديد من المجلات وأبرزها مجلة ” الهداية و “صدى الإسلام، و ” الصراط المستقيم” و “الاعتصام” و” الكفاح ” اضافة مجلة ” لسان الهداية ” و ” الذكرى” و” الراية”، ليس هذا فحسب بل وكان الشيخ رحمه الله ضليعا في تأسيس الجمعيات الخيرية والدعوية كذلك حيث أسس جمعية الآداب الإسلامية، وجمعية الشبان المسلمين، وجمعية الهداية الإسلامية .
أما عن أشهر كتبه ومؤلفاته فكتاب ” كيف عالج الإسلام مشكلة الفقر” و” علوم الحديث وأصوله”و ” موجز البيان في مباحث علوم القرآن” و ” الذكرى المحمدية” وغيرها .