مطبخ السياسة الأموية:
صناعة “الدين الهجين” وإعادة تدوير العقيدة.
اسعد عبدالله عبدعلي
يبدو أن “بني أمية” لم يكتفوا بوراثة الحكم عن طريق القهر والغلبة، بل قرروا أن يورثونا “إسلاماً” جديداً، خرج من مطابخ السياسة لا من مشكاة النبوة. ففي الوقت الذي كان فيه المسلمون الأوائل ينشغلون بالزهد والجهاد الحقيقي، كان “مهندسو” الخلافة الأموية يعكفون في غرفهم المظلمة على مشروع “إعادة تدوير العقيدة”، ليخرجوا لنا بمنتجٍ هجين يجمع بين بريق التاج وزيف الخرافة.
لقد اعتمدت هذه الماكينة السياسية على استراتيجية “التطهير والإحلال”؛ فمن جهة، شنت السلطة حملات اغتيال ممنهجة وملاحقات أمنية, لم تترك شخصية إسلامية نزيهة أو صوتاً يعترض بكلمة “لا” إلا وأسكتته، سواء بالسيف أو بالسم. ومن جهة أخرى، فتحت خزائن “بيت المال” لدعم كل المنحرفين والكذابين و”أولاد الحرام” الذين لفظهم المجتمع لنقص مروءتهم، فجعلت منهم “أساطير” ورموزاً دينية يُشار إليها بالبنان، حتى صرنا نرى شبابنا اليوم يتغنون ببطولات وهمية لحثالات المجتمع في ذلك العصر، ظناً منهم أنهم حماة الدين، بينما لم يكونوا في الواقع إلا أدوات في يد الجلاد.
ولأنّ مشروع “الدين الأموي” لا يستقيم مع وجود الحق، كان العدو الأول والأخطر للدولة هو الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام). لم يكن عداءً عابراً، بل كان “عقيدة أمنية” للدولة؛ فوضعت المخابرات الأموية قوائم سوداء لكل من يوالي علياً أو يذكر فضائله، واعتبرت “حب علي” جريمة لا تُغتفر تفوق في خطورتها الخروج عن الملة. لقد كان الهدف هو مسح الذاكرة الجمعية للمسلمين، واستبدال نهج العدالة العلوية بمنهج “السمع والطاعة” للظالم، وتغييب آل محمد خلف جبال من الروايات الكاذبة والأحاديث الموضوعة التي دُست في صلب التراث، لينتج عن ذلك “دين هجين” لا يمت بصلة لجوهر الإسلام المحمدي، بل هو مجرد أداة لتثبيت عرشٍ بُني على أنقاض القيم.
• أولاً: “صناعة الحديث”.. عندما يصبح الوحي حسب الطلب!
الكلام عن ظاهرة “التوظيف السياسي للدين” لا ينتهي, وقد برزت هذه الحالة في العصور الإسلامية الأولى، وتحديداً في العصر الأموي، حيث واجهت السلطة الناشئة معضلة الأخلاق والشرعية. فبينما يمثل القرآن نصاً ثابتاً ومبدئياً يضع معايير العدالة والمساواة ولا يحابي الحكام, أو يمنحهم حصانة مطلقة، وجدت السلطة نفسها بحاجة إلى غطاء ديني يبرر استبدادها ويقمع المعارضة.
من هنا، تحول “الحديث النبوي” في أيدي بعض المنتفعين إلى أداة سياسية؛ فسهولة صياغة رواية ونسبها للنبي ﷺ (مقارنة باستحالة تغيير نص القرآن), جعلت من وضع الأحاديث “صناعة” تهدف لخدمة البلاط الملكي. وكان المحرك لهذه الصناعة هو التحالف بين “السلطان” الذي يملك المال والسيف، وبين “رواة” باعوا ضمائرهم مقابل العطايا المالية، لينتجوا نصوصاً ترفع من شأن الحاكم وتضفي عليه صبغة قدسية.
هذا التلاعب أدى إلى تبديل المفاهيم السياسية الجوهرية؛ فبدلاً من أن يكون الحاكم أجيراً لدى الأمة أو مختاراً من قبلها، تم الترويج لعقيدة “الجبر”، أي أن وجود الخليفة على كرسيه هو قضاء وقدر من الله لا يد للبشر فيه، وبالتالي فإن الاعتراض عليه هو اعتراض على مشيئة الخالق.
كما تم تحوير مفهوم “النصيحة” و”الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” ليصبح تحت مسمى “الفتنة”، مما شرعن تصفية المعارضين جسدياً! بحجة الحفاظ على وحدة الجماعة، فتحول الدين من وسيلة لتحرير الإنسان, إلى أداة لترسيخ التبعية المطلقة للحاكم.
• ثانياً: “الإسرائيليات”.. المستشار العبري في البلاط الأموي!
ان قضية “تسميم الوعي الديني” عبر دمج الأساطير والقصص الوافدة في التراث الإسلامي لخدمة أجندات سياسية ونفسية. هي قضية خطيرة جدا, فالدولة الأموية، في سعيها لتثبيت أركان حكمها، لم تكتفِ بتطويع الحديث السياسي، بل أرادت صياغة “خيال ديني” جديد يبهر العامة ويشغلهم بالغيبيات المجسمة عن واقع الاستبداد السياسي.
كان الاعتماد على “كعب الأحبار” وغيره من معتنقي الديانات السابقة مدخلاً لتدفق “الإسرائيليات”، وهي مرويات غريبة عن روح التوحيد القرآنية، تسللت إلى التفسير والتاريخ كما يتسلل “الفيروس” ليخرب النظام المعرفي من الداخل. هذه المرويات استبدلت التنزه الإلهي والمفاهيم العقلية بصور حسية مادية مستمدة من الموروثات الأسطورية القديمة؛ فظهرت في التراث روايات تصف الذات الإلهية بأوصاف بشرية (تجسيم)، وتتحدث عن “الأطيط” وصور “الجلوس” و”الأعضاء”، وهي مفاهيم تجد جذورها في “التلمود” وقصص العهد القديم المحرفة أكثر مما تجدها في محكم القرآن.
الهدف من هذا “التجسيم” وتحويل الإيمان إلى مادة حسية كان استراتيجياً؛ فالدين عندما يصبح “مادياً” ومحشواً بالخرافات، يسهل على السلطة التحكم بعقول الأتباع وتوجيه عواطفهم نحو تقديس “الظواهر” بدلاً من إعمال الفكر في المقاصد والعدالة.
لقد كانت هذه الأساطير بمثابة “تخدير ثقافي” جعل من الدين جداراً من الخيالات التي تحجب الرؤية النقدية، مما مكن السلطة من تمرير سياساتها تحت غطاء من الغيبيات التي لا تقبل النقاش، تماماً كما لا يقبل العقل العام مناقشة “خوارق العادات” التي حشيت بها تلك الروايات.
• ثالثاً: فن الإحلال والتبديل في مفهوم الامويين
استخدمت السلطة الاموية منهجية ممنهجة لإعادة صياغة الوعي الجمعي, وتزييف التاريخ بما يخدم السلطة السياسية، حيث اعتمدت هذه العبقرية التزويرية على محورين متوازيين يهدفان إلى استبدال المرجعية النبوية بمرجعية سلطوية مطلقة.
ففي المحور الأول، عملت الآلة الإعلامية للقصر على انتقاء شخصيات لم يكن لها دور جوهري أو سابقة فضل في فجر الإسلام، بل ربما كانت في صفوف المعارضين والخونة، وعمدت إلى إحاطتها بهالة من “المناقب” والمآثر المصطنعة والأحاديث الموضوعة، وذلك لرفع شأنها وتحويلها إلى رموز مقدسة تُنافس الرموز الحقيقية وتُشرعن وجود السلطة.
وفي المحور الثاني والمتمثل في سياسة الإقصاء، شنت السلطة حملة شرسة لتغييب الحقيقة وتشويه صورة آل محمد، فمنعت تداول فضائل الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام, ووصل الأمر إلى اتخاذ منابر الجمعة، التي هي وسيلة التواصل الجماهيري الأهم آنذاك، منصات علنية للسب واللعن بدلاً من نشر العلم والقيم، بهدف عزل الأمة عن منبعها الأصيل.
إن الغاية النهائية من هذا التلاعب بالتاريخ والدين لم تكن مجرد صراع على السلطة، بل كانت هندسة اجتماعية شاملة لإنتاج اجيال فاقد للقدرة على النقد والتمييز، اجيال تختزل مفهوم الإسلام في “السمع والطاعة” العمياء للحاكم مهما جار، ولا يتلقى معرفته عن أهل البيت إلا من خلال الرواية الرسمية التي يكتبها وعاظ السلاطين، مما يضمن استمرار الهيمنة السياسية تحت غطاء ديني مشوه.
• النتيجة: “الدين الأموي”.. الماركة الأكثر مبيعاً!
ان النتيجة الكارثية لعملية التزييف التاريخي التي أدت إلى ولادة ما يمكن تسميته بـ “الدين الهجين”، وهو كيان عقائدي يحافظ على المظاهر والطقوس الإسلامية الخارجية, لكنه في جوهره يمثل أداة لخدمة الصراع السياسي وتثبيت دعائم السلطة.
لقد تضمن هذا المزيج إدخال مرويات وقصص وافدة، عُرفت بـ “الإسرائيليات”، جرى دمجها في صلب المعتقدات حتى صارت عند الكثيرين جزءاً لا يتجزأ من الدين، مما أحدث انقلاباً في المفاهيم الأخلاقية والإنسانية لدى الجماهير عبر العصور.
هذا الانحراف الفكري جعل مئات الملايين يتبنون بغير وعي رؤية مقلوبة للتاريخ، حيث يتم تبجيل “الجلاد” الذي استبد بالسلطة، في مقابل الحط من شأن “الضحية” التي تمثل قيم الحق والعدل، وهو ما يجسد النجاح الأموي في تحويل الإسلام من رسالة حركية تدعو للثورة على الطغيان والظلم إلى مجرد “مخدر” يكرس الاستسلام والرضوخ لولي الأمر تحت شعارات دينية مصطنعة.
إن هذا الميراث الثقيل من الروايات الموضوعة التي صُنعت في دهاليز السياسة الماكرة لا يزال يلقي بظلاله على الواقع المعاصر، مما يجعل الأمة أمام ضرورة حتمية للقيام بـ “ثورة فكرية” شاملة، تعتمد النقد والتحقيق لتنقية العقيدة من الشوائب السياسية وإعادة الاعتبار لجوهر الدين الأصيل بعيداً عن أساطير القصور وتزييف المؤرخين.
• الخاتمة: نحو استرداد “المشكاة” من قبضة “السياسة
إن الوقوف على أطلال هذا التزييف لا يكفي، بل إن المسؤولية الملقاة على عاتق الأجيال الحالية تكمن في شق الطريق نحو الوعي التاريخي النقدي.
إننا اليوم أمام تراث يحتاج إلى “غربلة” لا تجامل أحداً؛ فنحن مخيرون بين الاستمرار في اعتناق “مخدر الشعوب” الذي أنتجته دهاليز القصور، أو العودة إلى “الثورة ضد الطغيان” التي جسدها نهج آل محمد.
إن استرداد الدين من مطابخ السياسة الأموية يتطلب جرأة في كشف “الجلاد” مهما طال ثوبه، وإنصاف “الضحية” مهما اشتد تغييبها.
فالحقيقة التي حاولوا طمسها خلف دخان “الإسرائيليات” وصناعة “المناقب الوهمية” لا تزال تشع من مشكاة النبوة الأصلية، بانتظار عقولٍ تحرر نفسها من قيود “السمع والطاعة” العمياء، لتعلن أن الإسلام الحقيقي هو ذاك الذي يجعل من الإنسان حراً، ومن العدالة قبلةً، ومن كرامة آل محمد بوصلةً لا تحيد.